47/10/30
#درس_العقائد
#درس_العقائد_1447هـ
تأويل روايات النهي عن الخروج قبل القائم
السبت (30) شوال 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 فقه وتفسير النهي عن الخروج قبل قيام القائم (عج)
05:50 تعدد فلسفات النهي عن الخروج قبل قيام القائم(عج) عند أهل البيت (ع)
07:00 تنبيه الائمة (ع) من خطر الانسياق وراء كل راية قبل الظهور
11:04 معنى ومصطلح العباسية في بيانات أهل البيت (ع)
13:23 الإلمام بجميع طوائف الروايات لمعرفة المراد لأهل البيت (ع)
15:00 التقية جمود شكلي و قمة الحركة بالخفاء
18:00 التقية عند اليهود قمة النشاط في قمة الخفاء
20:00 أمير المؤمنين (ع) وإيجاد الوعي لرفض الامة لمشروع السقيفة
25:52 سنن الله لا تبدل ولا تحول إن تنصروا الله ينصركم
28:05 أصل الج//هاد الدفاعي ليس من صلاحيات المعصوم فضلاً عن المرجعية
28:00 امتحان سيد الشهداء (ع) لأصحابه ليلة عاشوراء
30:47 التدين والثبات فطرة على المبادئ عقيدة وسياسة
33:20 العاقبة مع الفطرة السليمة في الظهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
قراءة في فقه السيد الخوئي حول روايات النهي عن الخروج
استجابةً لطلب بعض الإخوة، نعيد قراءة نص كلام السيد الخوئي[1] الذي نقلناه في الجلسة السابقة. فإنَّ السيد الخوئي يحمل روايات النهي عن الخروج لا على الحكم الدائم، بل على بعض التقديرات، فهو ليس نهياً مطلقاً.
وقد ذكر السيد الخوئي هذا المبحث في كتاب الجهاد الابتدائي، لكنَّ البحث هو هو، إذ يشمل حتى الدفاع. ويستشهد على ذلك برواية محمد بن عبد الله عن الإمام الرضا (عليه السلام) التي جاء فيها أنَّ بعضهم قال له: «إِنَّ فِي بِلَادِنَا مَوْضِعَ رِبَاطٍ يُقَالُ لَهُ قَزْوِينُ وَ عَدُوّاً يُقَالُ لَهُ الدَّيْلَمُ فَهَلْ مِنْ جِهَادٍ أَوْ هَلْ مِنْ رِبَاطٍ»[2] ، وهذا ليس جهاداً ابتدائياً، بل هو دفاع. وهذا الكلام يورده السيد الخوئي في كتاب الجهاد من منهاج الصالحين ليبيّن أنَّ الكلام ليس بخصوص الجهاد الابتدائي، بل يشمل الدفاع أيضاً.
فإنَّ هناك جملة من الروايات، وهي ليست روايتين فحسب، بل هي روايات مستفيضة تنهى حتى عن الرباط.
وهنا بيت القصيد: أنَّ مجرد النهي الوارد، ولو كان مستفيضاً ومتواتراً، لا يقتضي طرحه أو إسقاطه أو نبذه أو ردّه، حاشا لله. بل لا بد من تفهمه؛ فما المراد به؟ هل المراد هو النهي عن مطلق النشاط السياسي والعسكري في الغيبة الكبرى، أو حتى في زمن حضور الأئمة مع عدم تمكنهم وبسط يدهم؟ الجواب بالنفي، بل المراد حمله على محمل لا يجعله نهياً مطلقاً.
وهذا الكلام يُعدّ من درر كلام السيد الخوئي وجماعة من الأعلام الذين سنقرأ فتاواهم. ولكن للأسف، قد ظلَّ هذا الفهم الخاطئ معشّشاً في الأذهان حول روايات “كل راية”، مع أنَّ لها وجوهاً متعددة، وما ذكرناه في الجلسة السابقة كان مجرد فهرس للعناوين. وسنبسط الحديث في ذلك بشواهد عديدة، ومفادها أنَّ هذا النهي ليس عن مطلق النشاط السياسي والعسكري والأمني والتنموي والاجتماعي، وليس دعوةً للتخلي عن المسؤولية. فلا بد من البحث عن محمل آخر ومفاد مغاير، ولكن للأسف، قد شاع بين الناس فهمٌ معكوس ومقلوب لمضمونها.
ففي هذه الرواية مثلاً، سُئل الإمام عن الجهاد الابتدائي وعن رباط الدفاع. وأمثال هذه الروايات كثير، وهي على العين والرأس، فالروايات كلها نور، ولكنَّ العبرة بمفادها، فـ«دِرَايَةُ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ»[3] . فالكلام كل الكلام في فهم الحديث. وما هي الغاية من النفر؟ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]. فالتفقه في لغة القرآن والروايات هو التفهم العميق، ووعاية الحديث أمرٌ في غاية الأهمية.
وهنا نلاحظ روايات متواترة ومستفيضة، منها: «أَمَا يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ يَنْتَظِرُ أَمْرَنَا فَإِنْ أَدْرَكَهُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) بَدْراً وَ إِنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِأَمْرِنَا كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ قَائِمِنَا (ع)»[4] . وهذا اللسان هو ذاته الذي ورد في روايات أخرى، كرواية «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»[5] .
فماذا يقول السيد الخوئي في المنهاج في كتاب الجهاد؟ نص عبارته، مع أنَّ له عبارات سابقة ولاحقة، لكنَّ هذه العبارة هي الأصرح في بيان مقصوده. ويتضمن كلامه الإشارة إلى صحيحة يونس بن عبد الرحمن[6] . فقد ألحَّ يونس، وهو من فقهاء أصحاب الإجماع، في السؤال على الإمام الرضا (عليه السلام) قائلاً ما مفاده: إنَّ العدو يهجم على مدن المسلمين في الثغور، فهل نظل نتفرج؟ وقد منعه الإمام في أول الأمر مرة ومرتين وثلاثاً، فلو عمل يونس بظاهر المنع المطلق لما فهم مغزى كلام الإمام. ولكن في المرة الثالثة أو الرابعة، فصَّل له الإمام الرضا (عليه السلام) القول، وبيَّن له أنَّه لو تُرك الأمر فإنَّ الديار ستتحول إلى دار كفر، وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، يجب الدفاع، لأنَّ في دروس الإسلام وذهابه دروس ذكر محمد (صلى الله عليه وآله). فمع أنَّ النهي في البداية كان شديداً، ومع وجود روايات مستفيضة في النهي، إلا أنَّ الإمام فصَّل له الحكم بعد ذلك.
وهنا يُطرح التساؤل: لماذا انتهج الأئمة (عليهم السلام) هذا الأسلوب؟ هل انتهجوه لينهوا عن مطلق النشاط العسكري؟ الجواب: إنَّما كان ذلك لأنَّ كثيراً من تلك التحركات كانت بقيادة أصحاب المصالح والابتزاز، الذين لا يكون همهم وغمهم الدين، بل الرئاسة والسلطة والكرسي وما إلى ذلك. وهذا النوع من الحراك يحرم على الإنسان الانخراط فيه. ولأنَّ الكثير من الأنشطة، إن لم يكن أكثرها، كان من هذا القبيل، أراد الأئمة (عليهم السلام) أن ينبهوا المؤمنين على خطأ الانسياق العفوي والاسترسال خلف كل ناعق وكل راية وكل منادٍ.
فالنهي ليس موجهاً لذات النشاط العسكري أو إقامة الدولة.
وهذا أحد وجوه تفسير كثرة روايات النهي عن القيام قبل الظهور، وهو التحذير من أولئك الذين يبتزون جمهور المؤمنين مستغلين قلة وعيهم السياسي والأمني. فكان الواجب على الإنسان إمَّا أن يُحجم، أو إذا شارك، أن تكون مشاركته بنحو لا يصب في صالح إقامة الدولة العباسية، بل في الدفاع عن محض الإسلام.
فائدة: إنَّ مصطلح “العباسية” في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) -وهي محطة مهمة سنبينها لاحقاً- يُطلق على الذين يكونون في أصلهم من الموالين والمحبين لأهل البيت، ثم تأخذ بهم الدنيا مآخذها، فيقدمون الحكم لأنفسهم وبقاء السلطة على ثوابت القيم التي جاء بها أهل البيت (عليهم السلام). بل قد تصل بهم الأمور إلى المصادمة مع قيم ومبادئ أهل البيت أنفسهم، والعياذ بالله، لأجل بقاء سيطرتهم وسلطانهم. فهذا هو معنى “العباسية” في هذا السياق. كما سيأتي الكلام عن مصطلح “الزيدية”، وهل يُراد به كل ثورة ساخنة وكل اتجاه ثوري، أم أنَّ له معنى خاصاً، وهو ما سنبينه إن شاء الله.
وتأسيساً على ما سبق، يرى السيد الخوئي أنَّ هذه النواهي، كرواية «وَإِنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِأَمْرِنَا كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ قَائِمِنَا»، وهي روايات مستفيضة، بل متواترة معنىً، وليست مجرد روايتين. ومع ذلك، يقول السيد الخوئي ما حاصله: إنَّ الظاهر أنَّها في مقام بيان الحكم المؤقت، لا الحكم الدائم. ومقصوده أنَّ الحكم معلّق على تقدير دون تقدير آخر. ففلسفة النهي عن النهضة في بيانات أهل البيت متعددة الوجوه، وأحدها هو أن لا ينخرط الإنسان ويُستغل من قِبَل الوصوليين والمصلحيين وطلاب الرئاسة الذين همهم الغنيمة، وإن كانت هويته شيعياً أو محباً، ولكنه ليس ملتزماً بعهوده. فالإرشاد النبوي إمَّا إلى عدم الانخراط معهم، أو -كما في صحيحة يونس- إذا حصل الانخراط، فيجب أن يصبَّ العمل في مصلحة الثقلين والدين، لا في دعم دنيا ذلك الاتجاه.
والحاصل: أنَّ النهي ليس مطلقاً، بل هو دقيق ومقيَّد. فالنصوص لا تقول: “لا تنخرط” بإطلاق. ويُستشهد على ذلك بحال علي بن يقطين[7] الذي انخرط في الجهاز السياسي التنفيذي، وبحال يونس بن عبد الرحمن الذي انخرط في النشاط العسكري. ولكنَّ التوجيه هو أن يكون الانخراط لرفع راية أهل البيت، لا لخدمة مصالح تلك المجموعات، وأن يختلف برنامج العمل عن برنامجهم وإن كان الظاهر واحداً.
والنتيجة: أنَّه لا يمكن معرفة مراد أهل البيت (عليهم السلام) على وجهه بمجرد الأخذ بطائفة واحدة من الروايات، بل يجب جمع كل الطوائف ذات الصلة. وللأسف، فإنَّ الفهم المبتور قد عشّش في الأذهان في الجو العلمي قروناً طويلة، وكان من تبعاته تأخير الظهور. والسبب أنَّ الظهور، بوصفه سنة إلهية، يعتمد في تحققه على حركة الأمة واستعدادها.
تصحيح مفهوم التقية: من الجمود إلى النشاط الخفي
وقد مرَّ بنا هذا البحث، وهو أنَّ من جملة المفاهيم التي مُسخ فهمها في الجو العلمي على مرِّ القرون، مفهوم التقية.
والحال أنَّ التقية تعني الخفاء، أي أن يمارس المؤمن قمة نشاطه في قمة الخفاء، لا أن يتوقف عن النشاط. فحقيقة التقية هي ستر النشاط لكيلا يواجه الموانع والعراقيل، ولكيلا يُصدَّ تنامي القوة وبناء راية الدين وراية أهل البيت (عليهم السلام). ولكي لا يُعاقب، عليه أن يخفي نشاطه، لا أن يجمد ويسكن.
والإمام الهادي (عليه السلام) في زيارته لجده أمير المؤمنين (عليه السلام) يبرئه من الجمود في التقية، ومن الذل والذوبان في الباطل، ومن موقع الذل والانبطاح، فيقول: «أَشْهَدُ أَنَّكَ مَا وَهَنْتَ وَلَا ضَعُفْتَ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَا اتَّقَيْتَ عَنْ ضَعْفٍ، وَلَا أَحْجَمْتَ عَنْ جُبْنٍ، وَلَا ضَلَلْتَ السَّبِيلَ، وَلَا أَخْطَأْتَ الصَّوَابَ»[8] . فصار معنى التقية في البحث العلمي لقرون طويلة معنىً ممسوخاً.
وهو مثال يُذكر للاعتبار لا للقياس، فقد فهم اليهود معنى العمل في الخفاء فهماً دقيقاً. فهم مع كونهم أقلية الأقلية في كل بلد، استطاعوا عبر العمل الدؤوب في الخفاء على مدى قرون طويلة، من زمن قارون إلى يومنا هذا، أن يبنوا قوة عظيمة ويمتلكوا زمام كثير من الأمور، من البنك الدولي ومؤسسات النقل والإعلام والبنوك والجامعات الكبرى، بحسب ما تذكره التقارير والدراسات. حتى صار لهم نفوذ عظيم على غيرهم، مع أنهم أقلية ويعملون في خفاء.
فالنتيجة أنَّ معنى التقية ليس الجمود والاستكانة والانبطاح والذل.
أن تجمد وتستكين وتنبطح وتذل نفسك وتستضعفها وتثبّط الآخرين؛ فما بال هؤلاء فهموا معنى الخفاء بشكل جيد، بينما نفهمه نحن بمعنى ممسوخ جداً؟
والسؤال: كيف انتشرت هذه الثقافة؟ هب أنك لا ترتضي الجانب الساخن الحاد، أي الجانب السياسي الثوري، فخذ بالجانب الناعم؛ ولكن انظر إلى اليهود كيف وصلوا بالعمل الناعم إلى إمساك زمام الأمور بأيديهم في العالم، وليس في دولة واحدة فحسب. ففي العالم كله، يقرّ الجميع بأن أقوى قوة الآن في العالم هم هذه الفئة القليلة الغالبة.
وسبب هذا الإصرار: ما طالعناه بالأمس في مصدر دولي في علم الإدارة، حيث يذكر في بيان معنى الصبر أن المدير الناجح هو من يكون عنده صبر، ثم يفسّر هذا المصدر الصبر بأنه ليس السكون، بل هو الاستقامة والإصرار على البرنامج الناجح. إن الصبر والاستقامة والإصرار، هذه الخاصية موجودة عندنا، ولسنا هنا في صدد مدح العدو، بل في بيان كيف بلغ العدو ما بلغ من القوة عبر الآلية الناعمة.
نحن نفسّر الآلية الناعمة بالانبطاح والتثبيط والذل والانهزام والجمود والخمود. فلماذا هذا الفهم؟ إن قوة اليهود في الدول الكبرى، هم وغيرهم، كامنة في إمساكهم بزمامها في الخفاء. فإذا أردت أن تعمل في الستر والخفاء، فلماذا لا يكون عملك كما يفعلون؟ أو كما يذكر ذلك الباحث من أن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا في السقيفة وحيدين فريدين، أي مع قلة من الأنصار. وبعد خمس وعشرين سنة، انتفضت الأمة وأبادت مشروع السقيفة عن بكرة أبيه، فإن انتفاضة الأمة على الثالث لم تكن عليه شخصياً، بل ألغت مشروع السقيفة بالمرة، وردّت الأمر على الثاني، ثم رفضت ما قرره الثاني وما قرره الأول.
والحقيقة: أن ثورة الأمة على مشروع السقيفة لم تكن في نهاية عهد الثالث فقط، بل بدأت منذ بدايته.
فبالتالي، يلاحظ أن أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى إن هناك عبارة تنقل أن الثالث قال له: إن الذي أوجد الوعي واليقظة في الأمة هو أنت يا علي.[9]
إذن، لم يكن أمير المؤمنين جليس البيت، وأي بيت؟ بيت العقيدة نعم، لا بيت الجدران. فمعنى “جليس” أنه كان مستقيماً على سنة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، وبهذا المعنى يكون صحيحاً.
فلاحظ كيف أن معنى الجانب الناعم الخفي قد مُسخ عندنا ألف سنة، والجانب الساخن فُسِّر على أنه منهي عنه نهياً مطلقاً ألف سنة، وهذا كله خطأ في خطأ، وقد انعكس على رسم البحوث الفقهية والأبواب الفقهية وهلمّ جرّاً.
والآن، سنقرأ إن شاء الله فتاوى السيد محسن الحكيم[10] وفتاوى علماء النجف، حيث يقولون إن هذه المعاني الخاطئة عن التقية قد أُخذت من الأبواب الفقهية، وإن سبب هذا الإيهام هو التدوين الفقهي الناقص على مدى ألف سنة. هذا فحوى كلام السيد محسن الحكيم، وكلام الميرزا عبد الهادي الشيرازي[11] ، وكلام السيد البروجردي[12] . وقد نقل هذه الفتاوى الدكتور المرحوم الشيخ عبد الهادي الفضلي[13] ، بإيعاز من الشيخ محمد باقر الصدر[14] ، في كتابه “في انتظار الإمام”[15] ، وهو كتاب مهم جداً، وله طبعتان: طبعة كاملة، وأخرى مختصرة.
فماذا يقول السيد الخوئي؟[16] إنه لم يطرح هذه الروايات ولم يسقطها ولم يردّها، إذ كيف يمكن ردّ روايات متواترة أو مستفيضة؟ بل حملها على بعد دون بعد آخر. إن هذا التعامل مع النصوص يجرّ علينا الويلات والأخطاء التي تعيق الظهور بلا ريب. فالظهور سنة إلهية، ﴿…وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62] ¤ ﴿…وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
ومفهوم قوله تعالى: ﴿…إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ…﴾ [محمد: 7] هو أنكم إن خذلتم الله يخذلكم ويستبدل قوماً غيركم. هذه سنة الله، فهل الله محتاج مع أن النصر من عنده؟ إنما هي فلسفة الامتحان. وشروط علامات الظهور التي ذكرها أهل البيت عليهم السلام تقتضي أولاً أن يستولي المؤمنون الموالون على مقاليد الأمور ويهيئون الأرضية، وصاحب الأمر مشارك في هذا الأمر أيضاً في الخفاء، ولولاه لما توفر للمؤمنين حظوظهم، ولكن بعد ذلك يأتي دور العلن.
لذلك يقول السيد الخوئي: ولكن الظاهر أنها في مقام بيان الحكم المؤقت لا الحكم الدائم، بمعنى أنه لم يكن في الجهاد والرباط صلاح في ذلك الوقت الخاص. أو قل على تقدير آخر، ويشهد على ذلك ذكر الرباط والجهاد، مع أنه لا شبهة عند فقهاء الإمامية في عدم توقف الرباط الدفاعي على إذن الإمام، فضلاً عن إذن الفقيه.
وفي التفاصيل، يوضح السيد الخوئي أن أصل الجهاد الدفاعي ليس من صلاحيات الإمام المعصوم أصلاً. فسيد الشهداء (عليه السلام) ليلة عاشوراء قد أذن لأصحابه في أن يخلّوا عنه، فهل كان يجوز لهم أن يتركوه؟ لو فعلوا لدخلوا النار، ولكنهم كانوا أسمى من أن يتذرعوا بقوله: “أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَانْطَلِقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ، هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا”[17] . لقد كان ذلك امتحاناً من سيد الشهداء (عليه السلام) ليعلم هل هم مؤمنون وواعون أم لا، وحاشاهم أن يكونوا متخاذلين أو ناكثين، فقد كانوا يعرفون عهود الله.
إن القضية ليست مرتبطة بأن يقول لهم الإمام اذهبوا أو ابقوا، بل هو أمر من الله تعالى: ﴿…وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وليس مع الظالمين. وهذا يعني: انصروهم واصطفوا معهم. ومع أن السيد الخوئي يقول: “لا شبهة في عدم توقفه على إذن الإمام”، فإن إدارة الدفاع وتفاصيلها تتوقف على الإمام ثم على نائبه، هذا إذا كان مبسوط اليد. أما إذا كان غير مبسوط اليد، فتصل النوبة إلى أمثال المختار، وزيد، والحسين بن علي صاحب فخّ، وهلمّ جرّاً.
حتى هذا لا يكون عذراً، فحتى في المساحة التي للإمام أو نائبه الفقيه ولاية عليها، إذا مُنع من التصدي بسبب العدو والجو البوليسي الذي يمنع الإمام زين العابدين أو نواب الأئمة، فإن النوبة تصل إلى غيرهم.
وانظر إلى هذه الضابطة بين راية الضلال وراية الحق: لقد مُدح زيد الشهيد لأنه لو ظفر لما نافق، فنيته لم تكن فاسدة، ولم يكن عنده هوى الرئاسة والكرسي. والمختار مُدح لأجل هذا، واستشهد وثبت عليه، وإلا كان بإمكانه أن يقعد ويساوم ويبقى، بل كانوا يحتاجونه، لكنه ثبت على المبدأ.
فإذاً، هذه الموارد كلها تبيّن هذا المطلب.
والضابطة هي هذه: هل هناك تناقض بين العلماء؟ يقولون “لا” ويقولون “نعم”، وهذا ليس تناقضاً. “نعم” لأجل المبدأ، و”لا” لأجل ألا ينساق المرء مع الخادعين والسماسرة ومحبي الدنيا. هذه هي راية الحق وراية الضلال.
إن المتدين ليس معناه ما يُظن. سبحان الله! أنت الآن ترى بشراً من النصارى عندهم نبض للدفاع عن المظلوم والوقوف أمام الظالم، مع أنه ليس مسلماً، لكنه مسلم بالفطرة. وهذا ما ذكرناه مراراً، أنه متدين بالإسلام بالفطرة. وترى مسلماً لا يتأثر أبداً إن مُسّ موقعه أو منصبه أو مصلحته. لا يستعد للتضحية أبداً. فأيهما المسلم وأيهما الكافر؟ هل الكفر باللسان أم بالفطرة؟ الإسلام هو تدين بالفطرة، ولذلك عندنا روايات مستفيضة أنه عند الظهور وبعده يدخل في هذا الأمر أفواج ممن يُرى أنه عابد وثن، ويخرج من هذا الأمر الكثير الكثير ممن كان يقول به.
ولماذا؟ لأن ذاك كان متديناً وموالياً ومحباً بالفطرة. ولكن من هو الشيعي؟ هل هو شيعي بالفطرة، أم شيعي بإقرار اللسان؟ وذلك مضمون ما روي عنهم عليهم السلام أنه عند الظهور يُكشف أن كثيراً من أهل النفاق هم ممن كان يقول باللسان: أنا محب وموالٍ، ولكن في الفطرة شيئاً آخر، وفي الهوى شيئاً آخر.
انظر إلى كتاب الغيبة للنعماني[18] ، وحتى كمال الدين للصدوق[19] ، ولكن النعماني أكثر تفصيلاً. فقد روي: “وَاللَّهِ لَتُمَحَّصُنَّ وَاللَّهِ لَتُمَيَّزُنَّ وَاللَّهِ لَتُغَرْبَلُنَّ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا الْأَنْدَرُ”[20] . مما يدلل على أن العاقبة للفطرة، لا للتبجح باللسان أو بالأفكار. العبرة بفطرتك، وإن كان اللسان لا بد له من مظاهر.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/sr1L846eJ7A?si=hSqY2fCUgXHjkLEj