47/10/25
إقامة الحكومة الدينية: قراءة في روايات النهي عن النهوض وشواهد الجواز
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : تأويل روايات النهي عن الخروج قبل القائم (عج)
تأريخ الدرس : الاثنين 25 شوال 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:35 التقية وإقامة الحكومة الدينية قبل الظهور
05:30 الخوئي : وتأويل الروايات الناهية عن الخروج قبل القائم (عج)
08:55 الخوئي : شواهد دامغة على تأويل روايات النهي عن الخروج
11:23 التفصيل في روايات في الثورة ضد حكام الجور
13:30 تعليل الروايات المادحة لثورة المختار والزيد (ع) بالقواعد العامة
17:05 الرايات المناصرة لأهل البيت (ع)قبل الظهور
19:12 رايات المؤمنين قبل الظهور والسيطرة على ثلثي المنطقة
21:35 شروط الظهور بين اعداد المؤمنين والفرج الالهي
22:36 الشواهد الدامغة على منظومة حقيقة التقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@alsanaddroos 🔹
وعلى آله الأوصياء الخلفاء الراشدين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ومبحث إقامة الحكومة الدينية له تناسب مع ذكرى استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام).
مقدمة: تبرز أهمية تنقيح هذا البحث في أنَّ ثورة زيد الشهيد قد وقعت في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وربما أنَّ أكثر الروايات التي يُستند إليها في تبرير عدم الحركة السياسية والنشاط الثوري، هي من الروايات الصادرة عنه (عليه السلام).
الإشكال: ما هو حقيقة المطلب في الروايات الناهية عن كل راية تُرفع قبل قيام القائم، وأنَّ صاحبها طاغوت؟ وكذلك روايات التقية، من قبيل: «التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ»[1] ، وقوله: «كُنْ حِلْساً مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ»[2] ؟ فربما أنَّ أكثر هذه الطوائف من الروايات قد صدرت عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
والجواب: للسيد الخوئي[3] في هذا البحث جملة من التوجيهات، نتعرض لها بما يرتبط بالمقام، إذ يرى أنَّ هذه الروايات ناظرة إلى ظرف خاص، كظروف سياسية وأمنية خاصة كانت مُلِمَّة بعهد الإمام الصادق (عليه السلام).
فهي ليست في صدد بيان حكم كلي مطلق، بل هي قضية في واقعة، أي إنها مرتبطة بملابسات خارجية كانت محيطة بزمن الإمام (عليه السلام). فلو أنَّ الإمام بيّن لهم الحكم الكلي بتفاصيله، من قبيل أنَّه إذا كان الظرف مناسباً فالراية حق وإلا فلا، لانخدع عوام الشيعة برايات الضلال، كراية أبي مسلم الخراساني؛ وذلك لعدم وجود الوعي السياسي والأمني والنضالي والفكري الكافي لدى كثير من جماهير المؤمنين آنذاك، مما يجعلهم عرضةً للخداع والانخداع بكل من يتصدى للقيادة.
يضاف إلى ذلك أنَّ الظرف الأمني لم يكن مساعداً، والأسباب لم تكن مؤاتية لنهضة يقوم بها المؤمنون. فالتقية في مقام الإعداد والبناء أمر صحيح، ولكن الإمام لو فصّل في ذلك لما استوعبوا الأمر، بل لانخدعوا وانساقوا خلف الرايات المنحرفة.
وعليه، فإنَّ النقطة المركزية التي يركز عليها السيد الخوئي هي أنَّ هذه البيانات ليست بيانات كلية، لأنَّ السذاجة السياسية موجودة حتى يومنا هذا. فالمسألة فيها تفصيل، وهذا التفصيل لم يبينه الإمام على نحو التفصيل، بل بيّنه بنهي ظاهره الإطلاق.
فإن قيل: لماذا لم يبيّن الأئمة عليهم السلام الخاص والعام وجميع التفصيلات في موضع واحد؟ قلنا: إنَّ ذلك لحكمة معينة؛ فإما أنَّ المخاطب لا يتحمل كل تلك المعرفة، أو أنَّه لو أُعطي الخارطة الكاملة للبحث الفقهي لربما أساء استعمالها، أو لوجود محذور من السلطة، أو لغير ذلك من الأسباب.
والحاصل: أنَّ السيد الخوئي يرى أنَّ هذه البيانات ليست مطلقة كلية على قدم وساق، بل هي ناظرة إلى ظروف خاصة. وهذا المسلك الذي يذهب إليه تدعمه شواهد كثيرة.
الشاهد الأول: هو التعبير بـ«الطاغوت» في نفس الروايات، وهو ما يأتي تفصيله.
الشاهد الثاني: هو مدح الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام للمختار الثقفي، مع تعليل ذلك المدح بأنَّه أقام الحق ونصر أهل البيت، مما يعني أنَّ المدار على التعليل العام لا على خصوصية شخص المختار.
وعليه، لا يمكن فهم هذه الروايات على ظاهرها وعواهنها، بل لا بد من جمع منظومة الدلائل والنظر فيها بمجموعها، كما يذهب إلى ذلك السيد الخميني[4] ، حتى نلتفت إلى أنَّ هذه النصوص ليس فيها إطلاق، وإنما هي مفصّلة.
وعليه، يمكن تلخيص المنهج الذي يعتمده السيدان الخوئي والخميني في نقطتين أساسيتين: - النقطة الأولى: أنَّ قضية الخلافة وقيادة الأمة ضرورة عقلية وشرعية، وهو ما سنبينه لاحقاً حيث إنه محل اتفاق بين الفقهاء في أبواب فقهية متعددة. - النقطة الثانية: أنَّ الروايات الناهية عن النهوض ناظرة إلى الظروف الخاصة غير المؤاتية، وليست حكماً عاماً في كل الظروف.
وهنا نكتفي بفهرسة البحث دون بسطه وتفصيله، على أن يأتي تفصيله تباعاً إن شاء الله. ومن الشواهد على ذلك، كما أسلفنا، مدح الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام للمختار في روايات صحيحة السند ومعللة. وهو ما ينسجم مع قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً… أَوْ قَعَدَ فَأَرَاحَ»[5] .
وهنا يأتي دور تقدير «القوة»؛ فإنَّ امتلاك القوة أو عدمها ليس أمراً يقرره الفرد لنفسه، بل هو شأن خبروي يرجع فيه إلى أهل الاختصاص. وهذا التقدير لا ينحصر في الخبراء بالعلوم الدينية، ولا بالخبراء العسكريين فقط، بل هو تقدير تشترك فيه حقول خبروية متعددة من خبراء الأمن والسياسة وغيرهم. وحتى في السياسة، يكون التقدير في بُعد معين دون أبعاد أخرى. وهذه مجموعة حقول خبروية يذكرها السيد الخوئي، وسيأتي تفصيلها فيما بعد.
والخلاصة: أنَّ هذا الرأي هو عين ما يستفاد من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، وهو خلاصة ما يذهب إليه هؤلاء الأعلام.
شاهد آخر: وهو ما تكرر من تعليل مدح المختار بقواعد عامة، سواء صدر ذلك من أمير المؤمنين أو الإمام زين العابدين أو الباقر أو الصادق عليهم السلام، مما يدل على أنَّ القضية ليست محصورة في واقعة المختار الشخصية.
فإن قيل: إنَّ أصحاب منهج القعود يقولون إنَّ هذه قضية في واقعة وقد انتهت. قلنا: كيف انتهت وقد عُلّلت بقواعد عامة؟ فالتعليل دليل على التفصيل في المسألة لا على الإطلاق، ودليل على استمرارية الحكم لا على كونه محصوراً في مدة زمنية معينة.
شاهد آخر: ما ورد من الإمام الصادق والإمام الرضا عليهما السلام في مدح زيد. فأصحاب منهج عدم النشاط يعتمدون على أنَّ الزيدية ثوريون حادون، وبالتالي لا بد من التوقي منهم.
والجواب: أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان في مجلس خاص لا وجود للزيدية فيه، وعلّل مدحه لشخص زيد بعلل متعددة، منها أنَّ عمه زيداً إنما نهض على سلطان جائر وجاهد، وأنه «لَوْ ظَفِرَ لَوَفَى»[6] ، وأنه لم يدعُ لنفسه بل كان يدعو لآل محمد. ونفس هذا البيان موجود في مواقف أخرى. فكيف يُقال إنَّ الإمام كان يتقي من الزيدية في مجلس كهذا؟
وسيأتي أيضاً بحث في حقيقة مصطلح «الزيدية»، وهل هو يساوق «الثورية»؟ فهذا التباس شائع، إذ إنَّ لتفسير الزيدية بالثورية الساخنة وجهاً واحداً، وللمصطلح معنى آخر في بيانات أهل البيت عليهم السلام.
شاهد آخر: هو ما ورد في مدح زيد مع تسجيل جملة من المآخذ عليه في نفس الرواية. فلو كانت الرواية صادرة تقيةً من الزيدية، فكيف يذكر الإمام فيها مآخذ عليهم؟ إنَّ الأصل هو العموم في البيانات، بغض النظر عن بعض الخصوصيات. نعم، قد يلجأ المعلم الصالح إلى بيان ظاهره الإطلاق لأنَّ الطرف المقابل لديه سذاجة أمنية أو فكرية.
شاهد آخر: ما ورد مستفيضاً، بل المتواتر في مجموع روايات الشيعة والسنة، من أنَّه تكون قبل الظهور نهضات من المشرق للأخذ بحقوق أهل البيت، وهي نهضات ممدوحة. فهل يُعقل أن يكون الحكم في الفترة ما بعد زمن الإمام الصادق (عليه السلام) إلى قبيل الظهور هو القعود المطلق، ثم تُنسخ كل تلك الأحكام في حقبة قبيل الظهور؟ أي مذاق فقهي أو استدلالي هذا؟ وهذه الفترة التي تسبق الظهور، والتي يقوم فيها قوم من المشرق، لم تحدد مدتها بستة أشهر أو بسنة، بل ربما تكون سنين عديدة، خمسين سنة أو مئة أو مئتين. فلا يُعقل أن تكون القواعد العامة منسوخة في هذه الفترة الوسطى.
فحينئذ، تكون هذه الروايات واضحة الدلالة على أنَّه إذا توفرت القوة والتمكين، وجب على الإنسان أن يُعد العدة ويقوم. وهذه الروايات مفصلة، بل حتى روايات الخراساني واليماني، وهما من العلامات الخمس المحتومة، هي روايات متواترة ومستفيضة، وهي بلسان آخر غير لسان أهل المشرق. وهذا يدل على أنَّ رايات المؤمنين يجب أن تستولي على مساحات واسعة، وحينئذ يكتب الله الظهور.
فشرط الظهور من قبل الله عز وجل هو نصرة دينه، وهي نفس قاعدة ﴿…إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ…﴾ [محمد: 7]. وهذا التأخير الذي امتد لأكثر من ألف سنة هو، كما يقول الخواجة نصير الدين الطوسي، بسبب تقاعسنا نحن. فالله تعالى لا يأتي بالنصر ابتداءً، مع أنَّ النصر من عنده، ولكن سنته جارية، كما في قوله تعالى: ﴿…إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…﴾ [الرعد: 11]. وهذه الآية لا يمكن رفع اليد عنها، وأعظم تغيير منشود هو ظهور صاحب الأمر عجل الله فرجه، وهذه قرينة أخرى.
فإذاً، روايات أهل المشرق، أو الخراساني، أو اليماني، ليست فيها خصوصية لأشخاص بأعيانهم، بل قصتها أنَّ هناك من يقوم بعهدة المسؤولية، فإذا قاموا بها أتى الفرج من الله، وأتى الظهور من الصاحب.
فالسؤال ليس: متى تأتي يا صاحب الزمان؟ بل: متى نأتي نحن لتقوم بواجبك؟ ومن قال إنَّه غادر الساحة أصلاً؟ إنَّ هذا من التصورات المغلوطة التي يجر بعضها بعضاً. فشعر السيد حيدر الحلي وإن كان بليغاً، إلا أنَّ خطابه مغلوط حين يقول: “الله يا حامي الشريعة، أتقر وهي كذا مروعة”. فالخطاب يجب أن يوجه لأتباع حامي الشريعة: كيف تقرون وهي مروعة؟ فالإمام (عليه السلام) لم يغادر الساحة يوماً. وهذه التصورات الواهمة هي التي تحجبنا عن فهم شرط الظهور.
وهذا كله يوافق ما ورد في نهج البلاغة من الحث على الجهاد والسلاح والقوة، كقوله (عليه السلام): «فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[7] . وهذه القضايا كلها يوافق بعضها بعضاً.
إعادة قراءة مفهوم التقية: من السلبية إلى الفاعلية الاستراتيجية
إنَّ منظومة التقية للأسف قد فُسِّرت بتفسيرٍ ممسوخٍ عجيب، حتى غدا معناها مرادفاً للجمود والتقاعس واليأس والانبطاح والانهزام.
والشاهد على بطلان هذا الفهم: ما ورد في النصوص الشريفة من شواهد دامغة؛ ففي زيارة الإمام الهادي[8] لجده أمير المؤمنين (عليهما السلام) نقرأ: «أَشْهَدُ أَنَّكَ… لَمْ تَتَّقِ ضَارِعاً وَلَا أَمْسَكْتَ عَنْ حَقِّكَ مُدَاهِناً»[9] ، ومقتضى ذلك أنَّ التقية لا تكون من موقع ضعف، بل من موقع قوة. فالإنسان يمارس التقية ليستقوي، لا ليُضعِف نفسه ويستكين؛ وهذا المعنى السلبي قبيح لا يليق بمقام الأئمة (عليهم السلام)، وإنَّ دعوى الاقتداء بهم في هذا الفهم المنحرف هي دعوى كاذبة.
وهذا هو عين منطق القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146]. فالاستكانة، التي هي الجمود والتقاعس، مذمومة في كل الزيارات والروايات والآيات.
ومثال ذلك: حال اليهود في العالم؛ فدعنا من شرهم، ولكن لنتأمل في واقعهم كمثال. إنَّ تعدادهم في بريطانيا لا يبلغ نصف واحد بالمئة، إذ يبلغون قرابة ثلاثمئة ألف نسمة من أصل خمسة وستين مليوناً. وكذلك الحال في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وروسيا وأمريكا، فتعدادهم لا يصل إلى نسبة مؤثرة، ولكن القوة بيدهم. فهؤلاء فهموا معنى التقية كخفاءٍ وتخطيطٍ لهم، بينما فُهمت عند غيرهم تقاعساً ويأساً. لقد قبضوا على مفاصل العالم، فالبنك الدولي ومؤسسات النقل والتجارة والجامعات والقضاء والإعلام والنفط والبنوك في كثير من الدول بيدهم.
والنتيجة: أنَّ فئة قليلة غلبت العالم بأكمله، ولو في جانب الشر. وأما نحن، فعلى كثرتنا غثاء، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ»[10] . وقد بيّن (صلى الله عليه وآله) علة ذلك في سببين: حب الدنيا وكراهية الموت. فالمشكلة إذن ليست في قلة العدد، بل في غياب الخبرة والإدارة والبرمجة، مع تفشي حب الدنيا.
إنَّ هذه الفئة القليلة التي غلبت البشر بأكملهم، قد فهمت معنى التقية الإيجابي، فلم يهدؤوا ليلاً ولا نهاراً في سبيل تحقيق أهدافهم، وهذا يقطع العذر أمام كل من يحتج بالضعف وقلة الحيلة.
وعليه، فإنَّ من المشكلات الكبرى في الثقافة الدينية والحوزوية قضية الفهم الخاطئ والمقلوب عن التقية، مع أنَّ في نفس أبواب التقية في مصادرنا ما يناقض هذا الفهم؛ فقد أورد صاحب الوسائل وغيره ما يدل على أنَّ الله يكره المؤمن الضعيف الذي لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يصلح الأمور[11] ، بل على العكس، إنَّ الله يحب المؤمن القوي.
والحاصل: أنَّ هذا الشاهد، مع ما سبقه من شواهد، يدعم الدعوى التي تبناها السيدان الخوئي[12] والخميني[13] في محلهما. وما ذكرناه هنا هو مجرد فهرسة للشواهد، وثمة شواهد أكثر وأكثر، سنخوض فيها تباعاً وتفصيلاً إنْ شاء الله في مباحث لاحقة.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.