الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/10/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد ضرورة دينية: بين أصل الوجوب الإلهي وتدبير الفقيه

#درس_العقائد_1447هـ

عنوان الدرس : وجوب الج_هاد ضرورة لا بالفتوى

تأريخ الدرس : السبت 23 شوال ١٤٤٧ ه‌

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

00:45 القواعد الفوقية في آيات و روايات الج_هاد

04:48 أصل وجوب الج_هاد ليس فتوائيا بل ضرورة دينية

08:30 الخذلان عن نصرة الحسين (ع) بذريعة لزوم الاذن الشرعي

11:00 وجوب نصرة أهل البيت (ع) الج_هاد و شماعة الاذن الشرعي

14:00 أهمية حياة النبي (ص) على الصلاة عند أمير المؤمنين (ع)

18:00 الفتوى بأصل وجوب الج_هاد ارشادي

21:25 الدفاع واجب و مسؤولية كل فرد وان لم تتصدى المرجعية أو الدولة

25:00 الدفاع واجب وان تقاعست الحكومات

------------------

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وأشرف السفراء المبعوثين محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين.

كنا في صدد ما ذكره السيد الخوئي[1] في ديباجة كتاب الجهاد من مصنفه “منهاج الصالحين”[2] ، حيث ذكر غايات للجهاد، وضميمةً إلى ذلك استعرضنا فتاوى علماء ومراجع النجف قبل أكثر من قرن في الجهاد، حيث بيّنوا غايات أخرى أيضاً، وطبقات لغايات الجهاد.

وهذه الغايات، كما مرّ بنا، هي في الحقيقة قواعد فوقية مهمة، مقتضاها تحقيق عزة الإسلام، وأن تكون ﴿…كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى…﴾ [التوبة: 40]. وهذه قواعد أعم وأعظم حتى من باب الجهاد، ولا تتحمل التعطيل في الغيبة الكبرى أو الصغرى أو غيرها، بل تبقى على حالها بوصفها أموراً ضرورية لا بد منها، فكلمة الله لا تُعطّل.

الجهاد ضرورة دينية لا تحتاج إلى تقليد

واعلموا أنَّ حكم الجهاد ضروري من ضروريات الدين، لا يحتاج إلى تقليد كالصلاة والصوم؛ فهل في أصل وجوب الصلاة يُقلَّد؟ لا، وهل في أصل وجوب الصوم يُقلَّد؟ لا، وهل وجوب الصلاة يستلزم إذناً من الإمام المعصوم؟

فإن قيل: إذاً لماذا يعبّر الفقهاء ويفتون بوجوب الجهاد؟ قلنا: هذا مما لا خلاف فيه، كما يعبّر الفقهاء بوجوب الصلاة، ولكن ليس مستند وجوب الصلاة فتوى الفقهاء، وكذا وجوب الصوم ووجوب الحج، فهي ضرورات دينية. والفقهاء يفتون بالضروريات تنبيهاً وإرشاداً، لا أنَّ مستند وجوب الضرورة هو فتوى الفقيه، كي لا يتعلل متعلل بأنه إنْ لم يفتوا فلا يجب عليه الجهاد.

ونكتة مهمة هنا: إنَّ أصل الوجوب الضروري قد يغفل عنه بعض الفضلاء أو الأجلاء، وهو ما بيّنه فقهاء النجف من أنَّ هذا الحكم ضروري، وأنَّ منطقة فتوى الفقيه التي تستند إلى الفقه تأتي في التفاصيل لا في أصل الوجوب؛ فأصل الوجوب كبراه وصغراه قطعيتان، وإذا كانت الصغرى قطعية، فهي ليست محلاً للفتوى.

ويوجد كتاب آخر يجمع فتاوى علماء النجف، جمعه السيد عبد الهادي الحكيم[3] . وفي ذلك الكتاب نكتة أخرى من فتاوى علماء النجف.

مصدر الوجوب: الأمر الإلهي المستقل عن إذن المخلوق

إنَّ أصل وجوب الجهاد ليس موكولاً لأحد، فأصل وجوبه ضروري، كأصل وجوب الصلاة. وقد ذكرنا في الجلسة السابقة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه -وهل يوجد أحد أعظم منه بعد الله؟- لا يتوقف وجوب الجهاد على أمره أو إذنه. نعم، يأمر النبي بوجوب الجهاد، ولكن ليس لأنَّ الوجوب آتٍ من أمر النبي، بل هو آتٍ من أمر الله.

وفي الرواية التي يستند إليها علماء الأصول في باب التعارض، وهي واحدة من عشرات الروايات، بيان أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبدٌ تابع مطيع لربه، وليس له أن ينهى عما أمر الله به ولا أن يأمر بما نهى الله عنه.[4] وهذه الضروريات هكذا، هي أمر من الله وفريضة منه قبل أن تكون سنة نبوية أو سنة من المعصومين، فكيف بالفقهاء؟

إذاً، أصل وجوب الشيء الضروري لا تؤخذ مشروعيته وأصالته من الرسول (صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن غيره، بل هو من أركان الدين التي أكد عليها الشارع بكبرى وصغرى قطعيتين.

وهنا نكتة لطيفة: قد يقول قائل: هل يأمرني الإمام؟ والجواب: لا، حتى لو لم يأمرك. ولذلك نجد أنَّ كثيراً من المحبين والموالين كانوا متخاذلين يتعللون بعدم صدور الأمر من الإمام، كما ذكرنا في قضية المختار، فهم يتعللون ويتخاذلون.

والشاهد على ذلك: امتحان الإمام الحسين (عليه السلام) لأصحابه ليلة عاشوراء، حيث أراد أن يمتحن بصيرتهم، فقال لهم: «أَلَا وَ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَانْطَلِقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ»[5] . فمن الذي أمر المؤمن بنصرة الإمام؟ الإمام أم الله؟ إنَّه الله. فهذا التحايل على الدين بانتظار أمر الإمام الشخصي هو ما أراد سيد الشهداء (عليه السلام) كشفه ليلة عاشوراء، ليرسخ بصيرة أنَّ الأمر صادر من الله ابتداءً. فالذي لا يأتمر إلا بالأمر المباشر من باب البيعة ليس مؤمناً عقائدياً، بل هو مؤمن سياسي، والحال أنَّ الأمر من الله وليس بانتخاب البشر.

فإنَّ مثل هذا الواجب لا يُرخَّص في تركه، وتفاصيل تدبيره أمر آخر سيأتي بيانه. وقد يكون الإمام أو الفقيه محجوباً بموانع قاهرة، ولكن هذا الوجوب لا يسقط أبداً، بل يبقى على حاله في محله.

دور المعصوم والفقيه: بين الإرشاد والتدبير لا التشريع

ولذلك نجد الإمام زين العابدين (عليه السلام) يرد على أولئك المحبين الموالين الذين تعللوا بعدم نصرة المختار، فقد أرادوا أن يورطوا الإمام السجاد (عليه السلام) أمنياً وهو في وضع بوليسي مشدد، فيصنعوا بذلك كربلاء ثانية. فخاطب الإمام عمه محمد بن الحنفية، الذي كان يجيب الناس نيابةً عنه، فقال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «يَا عَمِّ لَوْ أَنَّ عَبْداً زِنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ وَ قَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْأَمْرَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ».[6]

وهذه نكتة مهمة جداً أكد عليها السيد الخوئي والفقهاء في فتاواهم، وهي أنَّ أصل الوجوب ليس مرهوناً ولا معلقاً لا بالرسول (صلى الله عليه وآله) ولا بالأئمة (عليهم السلام)، فضلاً عن الفقهاء.

فإن قيل: ولماذا لا يفتي الفقهاء أحياناً؟ قلنا: قد يكون ذلك بسبب أو بآخر، كالقضايا القاهرة الأمنية والبوليسية التي تحكم العالم. فالذي يريد أن يظهر بمظهر المطيع المتقدس الذي لا يتحرك إلا بفتوى المرجعية أو بأمر الإمام، يغفل عن أنَّ وجوب دينه الذي أمره الله به لا يُبتغى فيه إذن من أحد، حتى لو لم يأذن، فإنه «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[7] . ولو لم يأمر المعصوم أو نائبه، فذلك لوجود ألف مانع قاهر، كما كان الحال مع الأئمة (عليهم السلام).

لذلك نجد هذا التعبير في فتاواهم: «وَاعْلَمُوا أَنَّ حُكْمَ الْجِهَادِ ضَرُورِيٌّ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيدٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، بَلْ هُوَ أَوْجَبُ»[8] . فهو أوجب حتى من الصلاة، لا لذات الجهاد، بل لأنه يرتبط ببيضة الدين، وحفظ بيضة الدين أهم من الصلاة والصوم وغيرهما.

إنَّ الجهاد لتأمين ما هو أعظم، وهو أصل هوية الدين، وأصل هوية الدين أعظم من الصلاة. أوَلم يؤخر أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاته حتى كادت أن تصير قضاءً لأجل حراسة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)؟[9] فحياة النبي (صلى الله عليه وآله) عند أمير المؤمنين (عليه السلام) أعظم من صلاته، فكانت معجزة رد الشمس مكافأة له. بينما نرى أنَّ فلاناً وفلاناً يناديهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وهم يصلون، فلا يقطعون الصلاة ولا يلبون نداءه، مع أنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].

بينما كان عند أمير المؤمنين (عليه السلام) تغسيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتجهيزه وتعظيمه أعظم من أمر الأمة بأسرها، وكأنه يقول لهم: أأترك رسول الله مسجىً وأتيكم تتراكضون على الرئاسة والكراسي في سقيفة بني ساعدة؟

بل إنَّ جمع القرآن كان عنده أهم من إمارة الأمة. فأي دولة يريدون تشكيلها وهم لم يحفظوا القرآن ليحكموا به؟ لقد استولوا على الدولة وهم لا يعرفون القرآن، ومضت خمس وعشرون سنة لم يستطيعوا جمعه، فأي دولة هذه؟ وأي خلافة هذه؟ وأي راشدة تكون إذاً، وهم لا يعرفون القرآن ولم يجمعوه، ويستعينون بغيرهم؟ فبماذا حكموا وقد مُنعوا من تدوين حديث النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يجمعوا القرآن؟

والحاصل: أنَّ هذه أولويات. وحكم الجهاد ضروري من ضروريات الدين، لا يحتاج إلى تقليد، بل هو أوجب من الصلاة لارتباطه ببيضة الدين. وإنَّما تكلم الفقهاء وأفتوا به لينبهوا المسلمين، وليس لأنَّ وجوبه مستند إلى فتواهم، وهذا ما يسمى بالإرشاد لا الفتوى.

فائدة: فتوى الفقيه على صنفين: صنف هو الفتوى المصطلحة الإنشائية، وصنف هو الإرشاد المحض. وهناك فرق بين الحكم المولوي والحكم الإرشادي.[10] فقولهم بوجوب الصلاة أو الصوم أو الجهاد في أصله هو من باب الإرشاد إلى حكم الله القطعي، حتى لو كان في مصداق قطعي، فهو إرشاد وليس فتوى.

أما مسألة تحصيل الاستطاعة لغير المستطيع في الحج، فتلك مسألة فتوائية. وأما أصل وجوب الحج على المستطيع، فليس فتوى، بل إرشاد، حتى لو عبر الفقيه بلفظ “يجب”.

والنتيجة: هي ضرورة التمييز بين دوائر البحث؛ بين أصل الحكم القطعي، وبين تفاصيله غير المعلومة، أو مصداقه الظني، فذلك بحث آخر.

نعم، إنَّ تنظيم جيوش المسلمين وإدارتها وولايتها هو دور الفقه وفتوى الفقيه، لا أصل الوجوب.

فما الثمرة من هذا البحث؟ الثمرة: هي أنه لو كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) ممنوعاً عن التصدي لظروف قاهرة، كعصابات بني أمية وبني الزبير، فإنَّ الوجوب لا يتوقف عليه ولا على الفقيه. فأصل الوجوب لا تعطيل فيه، لأنه وجوب من الله، وواجب في نفسه.

وهنا مطلب آخر عن فقهاء النجف، ورد في الكتاب الذي جمعه السيد عبد الهادي الحكيم (حفظه الله).

إنَّ ثورة العشرين التي أفتى بها الميرزا محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والميرزا النائيني، والشيخ محمد مهدي الخالصي (رحمهم الله)، كانت بالدقة عبارة عن وظيفة كان يجب أن تقوم بها الدولة العثمانية. فلما تخاذلت الدولة عن القيام بالجهاد، هل أوقف العلماء الجهاد وأوكلوه إلى الدولة؟ لا، بل هم أفتوا بالجهاد وقاموا بهذا الدور الذي تخاذلت عنه الدولة العثمانية.

لم ينتظر الفقهاء أن تقوم الدولة بهذا الواجب، بل قالوا للمؤمنين وعموم المسلمين: هذا واجب لا يعطّل، فإنْ لم يقم به الوالي فعليكم أن تقوموا به. فوجوبه ليس مرهوناً بشيء.

بل دعوني أذكر لكم ما هو أبعد من ذلك مما ذكره الفقهاء، وهو تشكيل كيانات مسلحة. عندما تقاعست الدولة العثمانية ثم الدولة الملكية، أمر الفقهاء المؤمنين والمسلمين أن يقوموا بتشكيل تلك الكيانات. فهل إذا تخاذل جيش الدولة أو شرطتها أو أجهزتها الأمنية، يسقط الواجب عنك أيها المؤمن والمسلم؟ لا، بل لا تتخاذل عنه.

فهل يُنتظر تخاذل شرطة الدولة أو الأجهزة الأمنية؟ بل إنَّ هذا واجبٌ يقع على عاتق المؤمن والمسلم، لا يجوز له التخاذل عنه. فإنَّ الدولة إنْ تخاذلت عن واجبها، فإنها ترتكب الخيانة العظمى وتتحمل تبعة ذلك. وهذا أمرٌ له نظائر حتى في القوانين الوضعية؛ فوجوبه ليس معلّقاً على إذن أحد، لا دولة ولا والٍ، حتى لو أصبحت الدولة من الخائنين أو تقاعست، فإنَّ المسؤولية تبقى قائمةً على حالها.

وقد تجلّى هذا المبدأ في فتوى العلماء والفقهاء في ثورة العشرين[11] وما بعدها؛ فإنه بعد رحيل أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي والشيخ محمد كاظم اليزدي[12] ، استمر النهج مع من بقي من الأعلام كالسيد أبي الحسن الأصفهاني[13] ، والميرزا النائيني[14] ، والشيخ محمد مهدي الخالصي[15] . فهؤلاء الأعلام دعوا أيضاً إلى تشكيل مجامع مسلحة، لأن الدولة الملكية في عهد الملك فيصل الأول قد تخاذلت عن القيام بواجبها.

بل حتى لو فرضنا أن الفقهاء لم يتصدوا مباشرةً لسبب أو مانع، كما في زمن النظام البائد في العراق، فإنَّ المؤمنين المجاهدين قد تصدوا بأنفسهم، حتى إنَّ السيد محسن الحكيم[16] استُفتي في شأن أولئك المجاهدين، كما ينقل الدكتور عبد الهادي الفضلي[17] ، فأجاب بما حاصله: إنَّ هؤلاء حماة بيضة الدين، وحفظ بيضة الدين لا يحتاج إلى إذن من فقيه، بل لا يحتاج إلى إذن من الرسول (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن إذن الفقيه. وقد أورد الدكتور الفضلي هذه الحادثة في كتابه في انتظار الإمام[18] ، وهو من الكتب التي حظيت بعناية الشهيد السيد محمد باقر الصدر[19] .

والحاصل: أنَّ قضية وجوب الدفاع هي من البديهيات، وهو وجوبٌ غير معلّق على ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) في أصل تشريعه، ولا على ولاية الأئمة عليهم السلام، سواء في عصر الحضور أم في غيبتهم الصغرى والكبرى. فما الظن بعصر الغيبة؟ فالدفاع عن بيضة الدين، وعن الكعبة، وعن سائر المقدسات، هل يحتاج إلى إذن؟ كلا وأبداً. فالولاية ليست شرطاً في أصل الوجوب، وإنما هي في تفاصيله وتدبيره، وهذا بحث آخر. فللنبي (صلى الله عليه وآله) ولاية بلا شك في تفاصيل التدبير والتنظيم والإدارة، وكذا للأئمة من بعده، ثم لنوابهم العامين من الفقهاء، ولكن هذا لا يعني أن أصل الوجوب يسقط لو حال دونه مانع قاهر. فهل يسقط عن الأمة واجب الأخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل كان المختار الثقفي معذوراً لو قعد عن الطلب بدمه؟ الجواب بالنفي قطعاً.

وعليه، فلو مُنع تشكيل المجامع المسلحة، فهل يعني ذلك تركها مع أن أجواء البلاد وأرضها وثرواتها مستباحة؟ وهل يُعقل ألا تُشكّل أجهزة أمنية شعبية لحفظها؟ وما العمل إذن؟ هل يُترك البلد نهباً للمستبيحين؟ قد يقال: دعوا الدولة تقوم بمسؤوليتها. والجواب: وهل قامت بها؟ إنَّ الدولة التي لا تقوم بمسؤوليتها، ولا تسمح لغيرها بالقيام بها، ينطبق عليها المثل السائر: لا تَرحم، ولا تدع رحمة الله تنزل. فالواجب على الفرد أن يقوم بمسؤوليته، ولا يلتفت إلى تقاعس المتقاعسين أو تيئيس المؤيسين. وإلا فما معنى أن يظل المرء مستباحاً كما يريد له الأعداء؟ وأي منطقٍ هذا؟

فهذه بحوثٌ مهمة جداً في القواعد العامة، ينبغي الالتفات إليها.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري.
[2] الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين.. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج1، ص361، كتاب الجهاد
[3] لعل المراد كتاب: الحكيم، عبد الهادي. مواقف علماء النجف الأشرف من قضايا الأمة الإسلامية في العصر الحديث: ثورة العشرين في العراق أنموذجاً.. ط1، العتبة الحسينية المقدسة، 2017 م
[4] ورد قريب من هذا المعنى عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ عَبْداً مُطِيعاً لِلَّهِ وَ إِذَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِشَيْ‌ءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْ‌ءٍ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ». الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام).. تحقيق مهدي اللاجوردي، ط1، نشر جهان، 1378 هـ، ج2، ص173، ح1
[5] المفيد، محمد بن محمد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد.. تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط2، دار المفيد، 1414 هـ، ج2، ص91
[6] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج45، ص365، ح5
[7] نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، الحكمة 165. وقد ورد بمعانٍ متقاربة في مصادر الفريقين.
[8] لم نعثر على النص بهذا اللفظ الدقيق في مظانه، ولكن مضمونه متواتر في فتاوى علماء النجف الأشرف إبان ثورة العشرين وما بعدها، وهو يمثل روح تلك المرحلة. يراجع: الحكيم، عبد الهادي. مواقف علماء النجف الأشرف.
[9] إشارة إلى حديث رد الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجره وهو يوحى إليه حتى غربت الشمس، فلما أفاق دعا النبي (صلى الله عليه وآله) فرد الله عليه الشمس ليصلي العصر. يراجع: الأميني، عبد الحسين. الغدير في الكتاب والسنة والأدب.. ط4، دار الكتاب العربي، 1397 هـ، ج3، ص127-141
[10] الحكم المولوي هو التشريع الصادر من المولى بما هو مولى، وتترتب على مخالفته العقوبة. أما الحكم الإرشادي فهو الكشف عن حكم العقل أو عن وضع خارجي، ولا تترتب على مخالفته عقوبة مستقلة، بل نفس الأثر المترتب على مخالفة ما أرشد إليه.
[11] ثورة العشرين هي انتفاضة شعبية كبرى في العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 1920م، قادها مراجع الدين في النجف الأشرف وكربلاء، وكان على رأسهم الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت 1338هـ).
[12] هو الشيخ محمد كاظم بن عبد العظيم اليزدي الطباطبائي (ت 1337هـ)، من كبار فقهاء الإمامية، وصاحب المؤلَّف الشهير العروة الوثقى.
[13] هو السيد أبو الحسن بن محمد الموسوي الأصفهاني (ت 1365هـ)، مرجع الطائفة الشيعية الأعلى في زمانه.
[14] هو الميرزا محمد حسين بن عبد الرحيم الغروي النائيني (ت 1355هـ)، من أبرز فقهاء ومحققي علم الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[15] هو الشيخ محمد مهدي بن حسين الخالصي الكاظمي (ت 1343هـ)، من العلماء المجاهدين ضد الاحتلال البريطاني في العراق.
[16] هو السيد محسن بن مهدي الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف.
[17] هو الشيخ عبد الهادي بن محسن الفضلي (ت 1434هـ)، عالم ومفكر سعودي، من تلامذة السيد محمد باقر الصدر والسيد الخوئي.
[18] الفضلي، عبد الهادي. في انتظار الإمام.. ط3، دار المرتضى، 2003م
[19] هو السيد محمد باقر بن حيدر الصدر (ت 1400هـ)، فيلسوف ومفكر إسلامي ومرجع دين، يُعد من أبرز مفكري القرن العشرين.