الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/10/20

بسم الله الرحمن الرحيم

الأسس الفوقية للجهاد (الدفاع)

الاربعاء (20) شوال 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 بعض ثمرات غايات الج//هاد

01:01 العلة الغائية الفاعلية أمتن من هوية الشيء بجنسه وفصله

05:45 حقيقة ماهية الجهاد بحسب غاياته

10:20 أهمية القواعد الفوقية للأبواب الفقهية

11:38 الدهاء السياسي ونصرة الايمان

11:39 أزمة المؤمنين في الإدارة لا في القدرة

22:14 وجوب الدفاع من ضروريات الدين لا من صلاحيات فتوى الفقهاء

25:20 الفرق بين كون وجوب الج//هاد فتوائياً أو ضرورة دينية

32:30 الضرورات الدينية فوق سلطة الامام(ع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ماهية الجهاد وغاياته: بين الضرورة الدينية والفتوى الفقهية

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.

مرّ بنا أنَّ ما ذكره الأعلام من غايات للجهاد ليس ترفًا فكريًّا، وليس زخرفًا من القول، ولا هو بحثٌ في فلسفة ثقافية، بل هو في الحقيقة تبيانٌ لأصول قانونية تشريعية فوقية. وإنَّ الجهاد منحدرٌ تشريعًا من تلك التشريعات؛ لأنَّ القوانين التشريعية طبقاتٌ يتولّد بعضها من بعض، وما شابه ذلك.

ويتبيّن من جانبٍ آخر — وهو ما يُسمّى بفقه المقاصد[1] أو أصول القانون — أنَّ تلك القوانين الفوقية هي الأساس والأصل في تشريع باب الجهاد؛ لأنها ليست مجرّد معانٍ أو معارف أو أمور أخلاقية، بل هي أمورٌ إلزامية تشريعية أساسية. وعليه، فإذا كانت تلك الأمور لازمةً في التشريع، وتبيّن أنَّ لها آليات أخرى لإقامتها، فإنَّ تلك الآليات أيضًا لا بدّ منها.

**

ماهية الجهاد تُعرَّف بغاياته

ومن ثمراته الفقهية:** أنَّ ماهية الجهاد مأخوذةٌ أيضًا من تلك الغايات. وهذه الغايات — كما هو مقرّرٌ في علم المنطق — تُعدّ أهمّ في تحديد هوية الشيء من جنسه وفصله. وتوضيح ذلك في البحث العقلي المطوّل عندهم في علم المنطق والفلسفة، حيث يدور النقاش حول أنَّ أيّهما أبيَن في تعريف ماهية الشيء: العلة الغائية أم الجنس والفصل؟[2]

والحاصل: أنَّ هذه النكتة العقلية تفيد في الفقه والاستنباط فائدةً جمّة، ومفادها أنَّ غايات الشيء أو علله الغائية — أيًّا كان التعبير — هي أبيَن في تحديد هويته من جنسه وفصله. وهذا من مبادرات الفكر الإسلامي في العلوم العقلية، كعلم الكلام وغيره، وتترتّب عليه آثارٌ في العلوم العقلية والعقائدية والتجريبية والقانونية وغيرها من المباحث الحسّاسة، ولسنا الآن بصدد الخوض فيه، بل نأخذه أصلًا مسلّمًا يُبحث في محلّه.

وعليه، فإنَّ هوية الجهاد الحقيقية هي: عزّة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان، وإقامة الحجّة، ونصرة المستضعفين، وهلمّ جرًّا.

وتأسيسًا على ذلك، بيّنّا في كتاب عدالة الصحابة أنه بحسب القواعد القطعية المتّفق عليها بين علماء الإمامية في باب الجهاد، فإنَّ الجهاد الابتدائي — المسمّى بجهاد الدعوة — يختلف في فلسفته وهويته عن الجهاد الذي مارسه أمراء السقيفة وبني أمية وبني العباس. وقد استندنا في ذلك إلى قواعد قطعية مأخوذة من أئمة أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم، تميّز بها المذهب الجعفري الإمامي الاثنا عشري عن كافة مذاهب المسلمين، وهي ليست فتاوى ظنّية اجتهادية للفقهاء أو للمشهور، بل قواعد قطعية بديهية لا مجال للشك فيها، وسيأتي البحث عنها.

فلاحظ الفرق البيّن؛ فالجهاد في حقيقته ليس عدوانًا، ولا دعوشةً، ولا داعشيةً، ولا تنمّرًا، ولا استرقاقًا، ولا استعبادًا للناس، ولا جهاد نكاح كما يُصوّر. فأين هذا مما ذاك؟ إنَّ ما مارسه أمراء السقيفة شيء، وما هو في القرآن وأهل البيت شيءٌ آخر تمامًا.

والشاهد على هذا التفكيك: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي كان العقل المدبّر للنصر في فتوح الروم وفارس، حتى إنَّ مصادرهم تنسب الفضل في ذلك بالبديهة إليه، لا إلى الأول أو الثاني أو الثالث، فكانوا مجرّد واجهة محضة. فلولا تخطيطه وتدبيره (عليه السلام)، لما كان هناك فتحٌ لا في القادسية، ولا في نهاوند، ولا في اليرموك، ولا في جلولاء، ولا في غيرها. وقد فصّلنا هذا المطلب في كتاب عدالة الصحابة تحت عنوان “تفكيك الملفات عند أمير المؤمنين (عليه السلام)”، كما شرحناه عند التعرّض لدعاء أهل الثغور.[3]

إنَّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام قائمة على علم تفكيك الملفات، وهذه قاعدة مهمة في النشاط العسكري والجهادي والدفاعي، بل وفي الفقه السياسي عمومًا، وهي ضرورة تفكيك الواجبات والملفات. وهذا أمرٌ قد يصعب على الكثيرين، لكنه لازمٌ لا محيص عنه.

والخلاصة: أنَّ بحث غايات الجهاد ليس بحثًا ترفيًّا فكريًّا، بل هو بالدقّة ماهية البحث وروحه التي تجلّي لنا حقيقة هذا الباب. وإنَّ جميع فروع هذا البحث وفصوله وأبوابه ترجع إلى هذه الماهية التي ليست عدوانيةً بطبيعتها.

فائدة: إنَّ هذا البحث الذي طرحناه في كتاب عدالة الصحابة يعود إلى ما يقارب خمسًا وعشرين سنة، وقد نقّحناه ونُشر في مجلة تراثنا الصادرة عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام على هيئة حلقات آنذاك، ثم طُبع كتابًا مستقلًا عدّة مرات. والمقصود أنَّ بحث الغايات ليس بحثًا أدبيًّا زخرفيًّا كما قد يُظنّ، بل هو بحثٌ دقيق في جوهره. وهذا بحدّ ذاته يدلّل على ضرورة وأهمية البحث في أصول التشريع وأصول القانون في كل باب فقهي؛ لأنَّ هذه القواعد الفوقية حاكمةٌ على الباب ومبيّنةٌ لماهيته.

توسيع مفهوم الجهاد: الدهاء السياسي والدبلوماسي

بل قد يتّسع مفهوم الجهاد ليشمل ما هو أبعد من القتال، كما مرّ بنا، فيكون الدهاء الدبلوماسي والتعامل السياسي من مصاديقه.

ومثال ذلك: ما يُنقل عن بعض الشخصيات التي مع أنَّ توجّهها لم يكن إسلاميًّا، بل ربما كان علمانيًّا، إلا أنها كانت منقطعة النظير في الدهاء السياسي، فلم يُعرف عنها موقفٌ واحدٌ ضد أهل الإيمان طيلة حرب الثماني سنوات التي شنّها البعثيون على المؤمنين، ولم يتمكّن أحدٌ من انتزاع تصريح أو موقف منها بالإجبار، رغم أنَّ توجّهها كان مدنيًّا غير إسلامي. لقد كانت بحقّ مدرسة في الدهاء؛ إذ لم يستطع خصوم أهل الإيمان أن يجرّوا منها موقفًا واحدًا فيه جبنٌ أو خذلان، ولا تصريحًا ضد كيان الإيمان، مع أنَّ الإدلاء بنصف كلمة كان ممكنًا ومستطاعًا. وهذا بحدّ ذاته جهادٌ من نوع خاص. فكثيرًا ما يُقال في باب التقية والمداراة: لا بدّ من التصريح والانبطاح، ولكن هذا النموذج يثبت عكس ذلك؛ فقد كان رئيسًا لدولة وشعاراته قومية، ومع ذلك لم يتمكّنوا من انتزاع كلمة واحدة منه طيلة سنوات الحرب، بل كانوا هم من يسعى إليه.

والنقطة الجوهرية هنا هي الدهاء والتدبير. فكثيرًا ما يستفتي بعض المكلّفين قائلًا: “لا أستطيع”، والحال أنه ليس عاجزًا، بل يفتقر إلى التدبير والخيارات المتعدّدة، فيُعجّز نفسه بسبب قلة فطنته. فالأزمة في الفطنة لا في القدرة. وهذا النموذج شاهدٌ على ذلك؛ فقد كان يستنزفهم ولا يستنزفونه، وجعلوه ركنًا في المنطقة. فأيُّ دهاءٍ هذا؟ ولست هنا بصدد تقديس شخصٍ بعينه، فالتقديس لله ولرسوله وللأوصياء عليهم السلام، وما سواهم فغير معصوم. ولكن الشاهد هو في قوته ودهائه. وفي المقابل، نرى من تُستنزف أمواله في بنوك الشرق والغرب، ثم تطير هباءً، ويُتبع ذلك بانبطاح في التصريحات والمواقف. فأين هذا من ذاك؟

والأزمة في الحقيقة، كما بيّن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في حديث مرويّ عند الفريقين، ليست في نقص القدرة أو العدد في آخر الزمان، بل في وهن البصيرة وقلّة الفطنة.[4]

وهناك شاهدٌ آخر: دبلوماسي مؤمن جرى بينه وبين طرف آخر من المذاهب الإسلامية حوارٌ دولي منقول على الهواء مباشرةً. فأراد الطرف الآخر إثارة الفتنة، لكنه لم يستطع أن يجرّ من هذا المؤمن كلمة واحدة تخدم غرضه. فكان كلما حاول استفزازه، يجيبه بهدوء: “هذه مباحث علمية لا ينبغي إثارتها في الجو العام لما تسبّبه من فتن وتعصّبات، وهذا خطأ”. حتى إنَّ المحكّمين بعد اللقاء قالوا للطرف الآخر: “لقد خسرت الحوار؛ لأنَّ المؤمن غلبك بوقاره وحكمته”.

والدرس المستفاد: أنَّ تجنّب الفتنة ضروري، ولكن ليس بمعنى الانبطاح والتسرّع في إعلان المواقف. فلست مجبورًا على التصريح المتشنّج. إنَّ فنّ التعامل، وفنّ التصريح، وفنّ الدبلوماسية، هو بحدّ ذاته جهاد. ولهذا ركّزنا في بداية البحث على أنَّ الجهاد لا يختصّ بالقتال، وهو أمرٌ معترف به. فبإمكانك أن تصل إلى الغايات العظمى، التي هي فريضة أعظم من القتال نفسه، عبر آليات أخرى تبذل فيها وسعك. والنماذج على ذلك عديدة، فبالعودة إلى المثال الأول، نجد شخصًا يرفع شعار العروبة وتوجّهه ليس إسلاميًّا، لكن لم يُجرّ منه موقفٌ واحدٌ ضد أهل الإيمان، لا تصريحًا ولا فعلًا، بل كان يستنزف خصومهم ولا يستنزفونه، وتسعى إليه الدول العظمى ولا يسعى إليها. إنَّ هذا لنموذجٌ عظيمٌ في الدهاء الدبلوماسي، حريٌّ أن يُلتفت إلى قدرته. فهذه هي القوة التي أُمرنا بإعدادها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. فالدهاء من القوة، ودراسة تجارب الآخرين من الإعداد، أمّا إقحام النفس في المواجهة بلا تدريب ولا تجربة فمآله التداعيات الوخيمة.

بدون أن يمر على كل تدريب وتجربة، وما يعترضه من مشكلات، فإن تداعيات كثيرة ستحصل له في الواقع.

وجوب الجهاد: حكم ضروري أم فتوائي؟

وقد ذكر جملة من المراجع، منهم السيد عبد الرزاق المقرّم، [5] وعدد من مراجع العراق والنجف من سلالة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، [6] والشيخ علي محمد رضا، وغيرهم، في ضمن ما وثّق عنهم في “الوثائق العثمانية” وغيرها، [7] أن من غايات الجهاد، وهو ما نحن في صدد بحثه، هو وجوب الدفاع ودفع المعاندين المعتدين الكافرين، وأن هذا الوجوب ضروري من ضروريات الدين التي يخرج منكرها عن ربقة الإسلام. وممن ذكر ذلك أيضاً السيد مهدي ابن السيد حيدر الحسني، والشيخ محمد مهدي الخالصي، [8] والشيخ إبراهيم السلماسي الكاظمي، رحمهم الله.

وما الثمرة المترتبة على كون وجوب الجهاد ضرورياً من ضروريات الدين لا مجرد حكم فتوائي؟ إن الضرورة ليست فتوى، فما حاصل هذا التفريق؟ إن البحث في هوية الجهاد وحكمه يقتضي تحرير هذه المقدمة، وهي هل أن وجوب الجهاد فتوائي أم ضروري؟ إن الفتوى، كما ذكر الأعلام في الفقه، هي بالدقة سلطة تشريعية، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59]، فالإذن محل صلاحية المأذون له، ينفي أو يثبت في دائرته. ولكن تحميل الفقه ما لا يحتمله غير سديد، فكيف ينيط الشارع أمراً ضرورياً بغيره بعد أن جعله كذلك؟

ويتفرع على ذلك أنه في بيانات المعصومين عليهم السلام، إذا كان الأمر الضروري فريضة من الله تعالى، فإنه ليس من صلاحيات النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينفيه أو يثبته، فليس للنبي أن يحرّم ما أحل الله، حاشاه، ولا أن يحلّل ما حرّم الله، ولا أن ينفي ما أوجب الله، ولا أن يوجب ما لم يوجبه الله. نعم، الإخبار عن الحكم بحث آخر، أما أصل التشريع الضروري فمن الله مباشرةً، وقد يوصل الله علمه حتى بغير النبي، كحكم العقل وحكم الفطرة. ففي الضروريات التي هي فريضة من الله، تخرج المسألة عن دائرة صلاحية النبي (صلى الله عليه وآله)، كما دلت على ذلك الآيات والروايات الكثيرة. وكذلك الحال إذا كان أمر من السنة النبوية الشريفة ضرورياً، فلا يصح الخلط بينه وبين الحكم المظنون، إذ إن الكلام هنا في الضرورة لا في الظن. فإذا كان الأمر من سنة النبي ضرورياً، فليس لأمير المؤمنين ولفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم عليهم السلام نفيه أو إثباته، لأنهم طائعون تابعون لسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، وهذا ليس من صلاحية الإمام، لأنه لا يتوقف على إذنه أصلاً. وكذلك إذا كان الشيء من ضروريات تشريع الأئمة عليهم السلام، فليس من صلاحية الفقهاء نفيه ولا إثباته.

والحاصل: أن ضرورة الفريضة من الله، وضرورة السنة من النبي، وضرورة السنة من المعصومين، كلها خارجة عن صلاحية فتوى الفقهاء، فليس بإذنهم ثبوتها ولا نفيها. فإذا كان وجوب الجهاد من أركان الفروع وهو ضروري، فأصل الوجوب مع تحقق موضوعه لا يكون محل فتوى وإذن من الفقيه. ولا يتعذر المكلف بأنه لم يفته الفقيه بوجوب صلاة الصبح، أو لم يأمره الإمام بوجوبها، وما مقتضى هذا التعذر والقرآن يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾[9] ، ويقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]؟ فلا يُحتاج إلى أمر جديد في مورد الضروري الذي هو أمر الله وسنة نبيه.

وفي هذا ردّ على الفرق المنحرفة التي تدعي البابية واليمانية وغيرها، ممن يريدون أن يزلزلوا ضروريات الدين، مع أن قضايا الضرورة خارجة عن صلاحية النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، فكيف بغيره. والشاهد على ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَأَنْ يُقِرَّ لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ».[10] فهذا تنظير لأمر ضروري لا يناط بفقيه ولا بإمام. ولذلك كان الإمام زين العابدين صلوات الله عليه يغضب من بعض الشيعة الذين يتعللون في تخاذلهم عن نصرة أهل البيت بأن “الإمام لم يأذن لي، لم يأمرني”. إن موارد نصرة المنظومة الدينية من الضرورات، وتدبير الأمر ونظمه بحث آخر.

ومثال ذلك البارز هو امتحان الإمام الحسين (عليه السلام) لبصيرة أنصاره ليلة العاشر، ليرى هل نصرتهم له منطلقة من البيعة أم من فهمهم للضرورة. فلما قال لهم: «أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِي، وَهَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً»، [11] كان يختبرهم؛ فلو كان منطقهم هو النصرة لأجل البيعة لكان ذلك دليلاً على ضعف البصيرة، لأن البيعة عقد يمكن حله. أما فهم الضرورات فيقتضي أن نصرته واجبة من الله، وهذا أمر لا يتوقف على إذن الإمام، بل حتى لو أذن لهم بالانصراف ما جاز لهم تركه. لقد أراد أن يرى هل يستدلون بضروريات الدين أم يتعلقون بالبيعة والالتزام الشخصي. فإذنه ذاك لم يكن إذناً حقيقياً، بل كان إذناً امتحانياً صورياً يكشف عن مدى بصائرهم، ولو أنهم فشلوا في الامتحان لكانوا من المتعذرين بالمعاذير، وحاشاهم.

فإذا تبين معنى الضروري، اتضح أن الحكم فيه لا يتوقف على أمر الإمام أو ترخيصه. وعليه، فإن التعلل بالمعاذير في باب الخمس أو الصلاة أو الجهاد، هو ضرب من الهروب الذي يتلبس بلباس القداسة، وهو في حقيقته تنجيس لا تقديس، وفعل شيطاني، فكيف يستأمر العبد في أمر أوجبه الله عليه بالضرورة؟ وتأمل في قوله تعالى في مورد آخر: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 43]. فهل يصح ترك حكم الله المعلوم والبحث عن حكم الرسول، وهل يتخطى الرسول حكم الله؟ فإذا كان الشيء ضرورياً، فهل يعذر المكلف إذا تعلل بمسلك الفتوى؟

والسؤال: ما هي إذن مساحة الفتوى في باب الجهاد؟ يبينها علماء النجف بأنها ليست في أصل الوجوب عند تحقق موضوعه الضروري، بل في موارد أخرى سنوضحها إن شاء الله.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/VDcgHmX6fn0?si=MW6fYiWWLYBWYaYE

 


[1] فقه المقاصد: هو علم يبحث في الغايات والأهداف التي قصد الشارع تحقيقها من وراء تشريعاته.
[2] وهي قاعدة معروفة في علم المنطق والفلسفة، ومفادها أن العلة الغائية هي أتمّ العلل في تعريف الماهية؛ لأنها علة لعلية سائر العلل.
[3] وهو الدعاء السابع والعشرون من أدعية الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام.
[4] يشير إلى مضمون الحديث النبوي المشهور الذي رواه أحمد في مسنده وغيره، وفيه: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». انظر: أحمد بن حنبل. مسند الإمام أحمد بن حنبل.. تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، ط1، مؤسسة الرسالة، 1421 هـ، ج37، ص82، ح22397
[5] هو السيد عبد الرزاق بن محمد المقرّم (ت 1391هـ)، من علماء النجف ومؤرخي السيرة الحسينية المشهورين. ورد في النص المفرغ باسم “الحلوس الحصين” وهو الأقرب للصواب حسب السياق العلمي.
[6] هو الشيخ جعفر بن خضر النجفي (ت 1227هـ)، المعروف بكاشف الغطاء، من كبار فقهاء الإمامية ومؤلف كتاب “كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء”.
[7] إشارة إلى مجموعات الوثائق المحفوظة من العهد العثماني، والتي تحتوي على مراسلات وفتاوى لعلماء تلك الفترة. وقد طُبع قسم منها بتحقيق جهات مختلفة منها العتبة العسكرية.
[8] هو الشيخ محمد مهدي الخالصي الكاظمي (ت 1343هـ)، من كبار المجاهدين والمراجع في العراق.
[9] الإسراء: 78.
[10] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج6، ص395، باب “تحريم الخمر وأنها من الكبائر”، ح2. ورد في النص المفرغ ألفاظ إضافية لم يعثر عليها في المصادر
[11] المفيد، محمد بن محمد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد.. تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط2، دار المفيد، 1414 هـ، ج2، ص91