47/10/19
قواعد الجهاد وتراتبية غاياته في فقه النجف
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : الأسس الفوقية للج_هاد
تأريخ الدرس : الثلاثاء 19 شوال ١٤٤٧ ه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:56-القواعد العامة و غايات الج_هاد
04:05-إعلاء كلمة الاسلام غاية الج_هاد
05:20-غايات الجهاد في كلمات الاعلام
09:00-ارتباط الفقه السياسي غايات الج_هاد عند اليزدي
10:50-درجات وطبقات بيضة الاسلام عند الاعلام
16:11-الطبقية العليا لغايات الج_هاد اعلاء كلمة الايمان
20:00-الايمان بالطبقية في أسس الدين هداية
23:15-الطبقة الاولى لغايات الج_هاد العزة لله والمسؤوليات العامة
25:00-لزوم القوة السرعة أداء بعض الواجبات العامة
28:30-وجوب الجهاد من ضروريات الدين أو فتوائي
30:00-الضرورة الواجبات العامة لا تتوقف على إذن الامام فضلا عن الفقيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@alsanaddroos 🔹
تقدّم الكلام في ديباجة كتاب الجهاد من «منهاج الصالحين» للسيد الخوئي، [1] وقد سبق لنا بحث قواعد الحج في دورة استدلالية على ضوء آراء السيد اليزدي، [2] والبناء في هذا المقام هو تحرير القواعد العامة التي ذكرها الفقهاء وذكرها السيد الخوئي في كتاب الجهاد، لكون البحث قواعدياً أكثر منه بحثاً في التفاصيل، وهذه القواعد مهمة تعطي بصيرةً للفقيه. وسنقارنها مع فتاوى بقية علماء النجف في العصر الأخير.
وقد مرّ أنَّ الديباجة التي ذكرها السيد الخوئي تنتهي إلى أنَّ غاية كتاب الجهاد، كغاية باب الصلاة، هي ذكر الله ورسوله. ثم قال بـ«إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان».
أما المراد بـ«كلمة الإسلام»، فيحتمل معانيَ متعددة؛ فقد يُراد به نشر الإسلام وثقافته وسطوع نوره بين البشر، وقد يُراد به سطوة دين الإسلام وهيمنته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40]. فالكلمة تستخدم بمعانٍ عديدة، وعليه تكون «كلمة الإسلام» ذات درجات.
وأما قوله «وإقامة شعائر الإيمان»، فهذه نكتة لطيفة، وهي أنَّ الجهاد بكل أقسامه لا ينحصر في غايات الإسلام الظاهري، بل يصب أيضاً في غايات الإيمان الباطني.
نقطة أخرى: إنَّ هذه الديباجة تمثل فهرسة للأصول الدستورية الفوقية لباب الجهاد، والتي يجب إتقانها. وقد مرّ بنا في كلمات فقهاء النجف كالسيد اليزدي والميرزا محمد تقي الشيرازي[3] والشيخ محمد سعيد الحبوبي[4] وغيرهم من العلماء الذين أفتوا بالجهاد ضد الإنجليز في ثورة العشرين وما قبلها وبعدها، أنهم ذكروا في فتاواهم غايات للجهاد على طبقات ثلاث: - طبقة أولى فوقية مهمة. - طبقة متوسطة فوقية. - وطبقة فوقية نازلة. فالأصول الدستورية للجهاد مرتبة على طبقات. وقد ورد هذا الترتيب في فتوى السيد اليزدي، وكذلك في فتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي. ففي فتوى السيد اليزدي، ذُكرت الغايات بالترتيب التالي: أولاً قدسية مكة والكعبة، ثم قدسية مرقد النبي، ثم قدسية مراقد الأئمة.
تنبيه: إنَّ كلام الفقهاء ليس جزافاً أو ركاماً فوضوياً، بل هو تقنين طبقاتي لأصول التشريع. وفي هذا السياق، للإمام الخميني[5] عبارة مهمة يقول فيها: «من يقدّم الوطن العصري على الإسلام، هذا ليس بمتدين، بل يقدّم الإسلام ثم الوطن». فتقديم القومية على الإسلام ليس من الدين في شيء. وهذا لا يعني وجود تدافع بينهما، بل هو ترتيب للأولويات. فلاحظ في الأصول التشريعية، أنَّ هذا المبحث لا يرتبط بالجهاد والنشاط العسكري فحسب، بل يرتبط بالفقه السياسي عموماً.
فالسيد اليزدي عندما يفتي بوجوب الجهاد ضد غزو البريطانيين، يجعل الغاية الأولى هي حفظ الأماكن المقدسة في الحجاز والعراق، ثم تأتي في المرتبة الثانية غاية حفظ الأوطان والنفوس والأموال والأعراض. ولهذا نجد أنَّ السيد الخوئي في ديباجته لم يذكر الأعراض ولا النفوس ولا الأموال، بل ذكر «إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان» بوصفه المحور الأصلي.
وعليه؛ فإنَّ «بيضة الإسلام» و«حوزة الإسلام» تُفسّر على طبقات ودرجات. فالدرجة الأولى نفسها تتفرع إلى طبقات، كما سنرى في فتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي. وقد ذكرنا فتوى السيد محسن الحكيم[6] التي نقلها الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه «في انتظار الإمام»، [7] حيث يقرر السيد الحكيم أنَّ حفظ النفوس والدماء والأعراض، مع أهميتها، هي غاية تأتي في طبقة أدنى من غاية حفظ بيضة الإسلام والدين والأماكن المقدسة والقرآن والعترة.
إنَّ هذه الطبقة الأولى، المتمثلة في بيضة الدين وحوزته وقرآنه وعترته وسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) والكعبة ومكة وسائر الأماكن المقدسة، هي نفسها تتألف من طبقتين بالدقة.
والسؤال: لماذا هذا التشديد على طبقية الغايات؟ الجواب: لأنَّ بمعرفتها تُعرف الأولويات التي هي روح النظام العام، وبها يتميز المهيمن من المهيمن عليه، وإلا لكانت الأمور فوضى، وهذا هو معنى علم أصول القانون والتقنين.
فالطبقة الأولى تنقسم إلى طبقتين: - الطبقة الأولى (الأعلى): وهي طبقة التعزيز وتنامي العزة والقوة والسلطة للإسلام، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]، وقوله: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. فالأولوية هنا ليست مجرد الحراسة، بل هي السعي لتنامي العزة والقوة. - الطبقة الثانية (الأدنى): وهي طبقة حراسة المقدسات والدفاع عنها.
إذًا، نفس الطبقة الأولى المتمحضة في الدين، والتي لا علاقة لها بالقومية أو العرقية أو الوطنية، هي طبقتان وليست طبقة واحدة. وللتذكير، يقول السيد الخميني كفقيه سياسي: «من يقدّم طبقة نازلة على الطبقة الأولى، هذا ليس بدين».
إنَّ الإيمان بمراتب الغايات الشرعية أصل من أصول الدين، فإذا لم نؤمن بها كان ذلك كفراً بالدين، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. فمع الإيمان بالكل، لا بد من الالتفات إلى مراتب هذا الكل؛ فمن هو المهيمن ومن هو المهيمن عليه؟ فنحن نؤمن بالملائكة جميعاً، ولكن نميز بين الملائكة المقربين وغيرهم. ونؤمن بالأنبياء جميعاً، ولكن القرآن يقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، وجعل سيد الرسل مهيمناً عليهم كلهم. وكذلك نؤمن بالقرآن كله، ولكن لا بد من التمييز بين آياته، ففيه ﴿آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7].
وهذه نكتة عجيبة ومهمة في أسس التشريع الفقهي والعقائدي، وهي وجوب الإيمان بالطبقية والأولوية. فلا يكفي أن تؤمن بالدين كله، بل لا بد أن تؤمن بتراتبيته التي وضعها الشارع. فإذا لم تؤمن بالأولويات السوية، فإنَّ مساواة المختلفات انحراف، وعكس الترتيب انحراف أشد. إنَّ الهداية والاستقامة تقتضي الإيمان بالترتيب الذي نضده الدين. فهنا يأتي الانحراف والمغالطات، حين لا يؤمن الإنسان بالترتيب الدقيق الذي وضعه وحي الله. فالإسلام يعترف بالوطن، ولكن السؤال هو: أين محله في منظومة الدين؟ فجعله رأساً أولاً هو عين الانحراف.
والحاصل: أنَّ تراتبية غايات الجهاد أمر في غاية الأهمية، وأنَّ فتاوى الأعلام كالسيد اليزدي والميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد الخوئي لم تكن عبثاً أو جزافاً، بل هي قائمة على حسابات دقيقة لهذه القواعد. فحتى الطبقة الأولى المتمحضة في الدين هي طبقتان: طبقة التعزز والتنامي والقوة، وهي الأعلى، وطبقة الحراسة والدفاع، وهي جيدة ولكنها أنزل رتبة من تنامي العزة والقوة، فقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] يشير إلى شيء آخر يتجاوز مجرد الدفاع.
وهذا منطق قرآni في قوله تعالى: ﴿…وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ…﴾ [المنافقون: 8]، فحتى العزة هنا جاءت مرتبة؛ فالعزة لله أصلاً، ثم لرسوله تبعاً، ثم للمؤمنين. وهذه ثلاثية في الأصول العقائدية قائمة على الترتيب، كما في قوله تعالى: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾ [النساء: 59]، فطاعة الرسول هي عين طاعة الله، ولكنه ترتيب لا بد من الالتفات إلى دقائقه. وهو شبيه بقاعدة “لا تُنقَض الفريضة بالسنة”؛ فإنَّ الفريضة هي الأهم، وهذه أمور يجب أن نلتفت إليها.
وقد اقتصرنا على نقل موضع الشاهد من فتوى السيد اليزدي والميرزا محمد تقي الشيرازي دون استيعابها؛ تجنباً لتشتيت المطلب. وقد وافق الشيخ الشريعة[8] على هذه الفتوى، وتطرق إلى قواعد أخرى مهمة في باب الجهاد سنتعرض إليها إن شاء الله، كقاعدة حرمة التقاعس، وحرمة التهاون والتواني والتلكؤ، وفي مقابلها وجوب المسارعة والسبق.
فائدة: إنَّ في الأمور الهامة الخطيرة، لا يكفي مجرد أداء الواجب، بل يجب فيها المسارعة والمسابقة. فإنَّ الإنقاذ ببطء يُعدُّ في نظر الشارع عصياناً؛ لأنَّ بعض الأمور الخطيرة العالية المقام لا تكفي فيها الطاعة، بل يريد سبحانه سرعة الطاعة وسرعة الانقياد، فالطاعة ببطء وتلكؤ تُعتبر تمرداً. وعليه، فإنَّ بعض الواجبات لا بد من أدائها بقوة، كما في قوله تعالى: ﴿…خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ…﴾ [البقرة: 63]، فلو أُخذ بتوسط أو برود لم يكن مقبولاً. وهذه التقسيمات في كيفيات أداء الأحكام، من حيث السرعة والقوة، لم يتعرض لها علماء الأصول بالبحث مع أهميتها؛ فالواجب الذي يُؤتى به بقوة هو غير الواجب الفوري؛ إذ القوة كيفية في الأداء تختلف عن الفورية التي هي كيفية في الزمان.
وإنَّ الغاية من هذا البحث هي إثارة فهرسة للقواعد في الفقه العسكري والسياسي، وذلك عبر استخلاص القواعد من كلمات الأعلام وفتاواهم، ومقارنتها بما ذكره السيد الخوئي في منهاج الصالحين.
قاعدة: تعرض الشيخ جواد نجل صاحب الجواهر[9] إلى قاعدة أخرى، وهي أنَّ وجوب الجهاد قضية بديهية من ضروريات الدين، [10] وليس حكماً فتوائياً يحتاج إلى نظر واجتهاد. وهذا باب آخر في الأصول التشريعية في باب الجهاد، تترتب عليه آثار كثيرة، وقد أشار إليه السيد الخوئي أيضاً. فبناءً على هذا، يكون وجوب الجهاد بكل أنواعه ليس حكماً فتوائياً، بل ضرورة دينية.
والسؤال إذن: ما هو دور فتاوى الفقهاء في مثل هذه الضروريات؟ والجواب: إنَّ دورهم هو البيان والتوضيح، وإلا فإنَّ أصل الوجوب ثابت بالضرورة الدينية.
والفرق بين كون الحكم ضرورة دينية وكونه حكماً فتوائياً يظهر جلياً في الموقف الذي مر بنا بالأمس، حين أراد بعض الموالين الذين تفتقر حركتهم إلى البصيرة أن يورطوا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في قضيتهم ضد المختار، وذلك في جو سياسي مشحون بالصراعات بين الأمويين والزبيريين.[11]
فلم يخاطبهم الإمام (عليه السلام) مباشرةً؛ ومَشْكَلَة هؤلاء المحبين الذين تغيب عنهم البصيرة أنَّ تبعات أفعالهم قد تكون أشد ضرراً من نفع معونتهم، نتيجة لعدم وعيهم الأمني والثقافي. ولذلك وجّه الإمام خطابه إلى ابن الحنفية[12] ؛ لأنَّ الواقع الأمني كان صعباً. إنَّ المرجعية قد تنبه إلى أنَّ بعض القضايا من البديهيات، فهل يعني ذلك أنَّه إذا لم تُصدر المرجعية فتوى صريحة، فلا ينبغي التحرك؟ والحال أنَّ المراجع أنفسهم يقررون أنَّ الضروريات لا يُفتى فيها.
فالوجوب في الضروريات عام وبديهي، وليس محلاً للفتوى، فلا معنى لانتظار الإذن الخاص من الإمام أو المرجع في أمر من الضروريات. فيكون التلكؤ حينئذٍ ذريعة للخذلان، والتذرع بالتشريع ستاراً للتهرب من المسؤولية، وهو تذرع من غير ورعٍ أو تقوى. وإلا فهل يحتاج وجوب الصلاة، وهو من أوضح الضروريات، إلى فتوى من المرجع حتى يُلتزم به؟
فإن قيل: إذن أين يكمن دور الأئمة والفقهاء وصلاحياتهم في دائرة الضروريات؟ قلنا: هذا مبحث آخر سنبينه لاحقاً. فالحاصل أنَّه لا ينبغي التذرع أو التلكؤ، وجعل ذلك شماعة للهروب من الواجب. فقد انزعج الإمام زين العابدين (عليه السلام) من هذا المسلك؛ إذ كيف يُستأذن في أمر ضروري أوجبه الله ورسوله؟ وهل من صلاحية الإمام أن يعطل ضرورياً من الدين؟ نعم، قد يكون الاستئذان في التفاصيل والموارد الجزئية، ولكن ليس في أصل الواجب الضروري. فمن يستشكل في أصل الشيء الضروري ليس بمتشرعٍ حقيقةً. وهذه نكتة مهمة جداً، سنواصلها بعمق أكثر إن شاء الله.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.