47/10/17
مباني الجهاد في فكر السيد الخوئي: قراءة في كتاب منهاج الصالحين
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : أسس وقواعد فوقية للج//هاد
تأريخ الدرس : الأحد 17 شوال 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:45-فتاوى الاعلام في مسائل الدفاع و القواعد العامة
04:30-فهرسة كتاب الج_هاد والرسائل الثلاث عند اليزدي و الخوئي
08:09-الخوئي و النشاط السياسي وإقامة الدولة الإسلامية
11:54-مفهوم الج_هاد اللغوي عند الخوئي
16:27-لغة الج_هاد في الآيات وفي الاستعمالات عند الاعلام
21:00-الج_هاد في الايات والروايات على ثلاث اقسام
22:44-الفرق بين القتل والقتال في الاستعمال اللغوي و الشرعي
27:12-غايات التشريع للج_هاد في الإسلام
ضمن سلسلة شرح دعاء الثغور، وحيث إنَّ دعاء الثغور يتعرض لأنواع عدة من الجهاد، فإننا نستعرض مباني وفتاوى السيد الخوئي[1] (رحمه الله) في كتاب المنهاج، لما اتسم به من إيجاز وجزالة.
وسينصبُّ هذا الاستعراض لكلام السيد الخوئي (رحمه الله) على القواعد العامة دون تفاصيل المسائل، وإن كان لهذه الأخيرة أهميتها، إلا أنَّ البحث في القواعد العامة آكد وأولى. وسنعقب ذلك بمقارنة مع فتاوى علماء النجف في القرن الأخير في باب الجهاد، لا سيما مع صدور طبعات حديثة في مجلد أو مجلدين استعرضت فتاوى علماء النجف على مدى قرن ونيف، وهي تتضمن منظومة من القواعد مما يتيح إجراء مقارنة مثمرة.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مصادر عدة، منها: - كتاب لأحد المؤلفين العراقيين يستعرض فتاوى الجهاد، وقد استوعب حتى النسخ المخطوطة منها. - مجلد آخر أقدم منه، طُبع في قم قبل نحو ثلاثين سنة، جمع فيه مؤلف عراقي فتاوى السيد اليزدي[2] في الجهاد والفقه السياسي. - كتاب للمؤلف نفسه، فيما يظهر، خُصص لفتاوى الميرزا محمد تقي الشيرازي[3] ، صاحب ثورة العشرين.
فهذه أربعة مصادر مهمة يمكن من خلالها عقد مقارنة بين فتاوى الأعلام وكلمات السيد الخوئي في باب الجهاد من كتابه منهاج الصالحين.
فائدة:
خصوصية كتاب الجهاد للسيد الخوئي وشخصيته العلمية
إنَّ كتاب الجهاد للسيد الخوئي لم يطّلع عليه أحد من تلامذته تقريباً قبل طبعه، فكان للسيد (رحمه الله) جوانب من علمه المكتوب لم تكن مشتهرة بينهم. وقد نُقل أنَّ الذي كان يكتب إملاءات السيد الخوئي في هذا المبحث هو الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم[4] ، وهو الشخص الوحيد الذي اعتمد عليه السيد في ذلك. ولما ضُمِّن هذا الكتاب في الطبعات الأخيرة من منهاج الصالحين، كان بمثابة مفاجأة لأغلب تلامذته، إذ لم يكن موجوداً في الطبعات السابقة.
وهذا شبيه بمذاقه (رحمه الله) في الرياضات الروحية الذي لم يكن يبوح به إلا لخاصة تلامذته. وشبيه به أيضاً ما ورد في مسألة الهلال، حيث بعث إليه السيد محمد حسين الطهراني[5] ثلاث رسائل مطوّلة، كل سؤال في رسالة، فأجابه السيد الخوئي بإسهاب، وقد أملى تلك الأجوبة على السيد محمود الهاشمي الشاهرودي[6] (رحمه الله). وقد تضمنت تلك الأجوبة مبانيَ دقيقة في مسألة الهلال لم يلتفت إليها حتى بعض أعضاء لجنة الاستفتاء لديه، ومنها تحديده لمعنى “الاشتراك في الليل” على نحو يغاير ما استظهره جملة من أعلام تلامذته.
والحاصل: أنَّ ديدن السيد الخوئي (رحمه الله) كان من هذا القبيل، فشخصيته متعددة الجوانب، ونشاطه السياسي في شبابه - لمن يرجع إلى ترجمته - كان كبيراً. ومن جملة ما يعكس هذه الجوانب هو كتاب الجهاد، فإنَّ الذي يدقق في مبانيه الكلية فيه، يستطيع أن يستشف مذاقه في مسألة إقامة الحكومة الإسلامية، إذ إنَّ الجهاد بأقسامه المختلفة ما هو إلا نشاط من أنشطة الدولة وفرع عن وجود نظام قائم، سواء كان نظاماً اجتماعياً، أم حوزوياً، أم سياسياً.
وإنَّ دعاء الثغور نفسه يمثل منظومة كبرى من هذه القواعد. ونعود الآن إلى كلام السيد الخوئي (رحمه الله) في مستهل كتاب الجهاد من منهاج الصالحين، حيث يقول: “كتاب الجهاد. الجهاد مأخوذ من الجَهْد بالفتح بمعنى التعب والمشقة، أو من الجُهْد بالضم بمعنى الطاقة. والمراد به هنا القتال لإعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان”.[7]
وهذا التعريف يتضمن أموراً عدة.
أولاً: أنَّ المعنى اللغوي للجهاد أعم من القتال، وإن كان هذا الباب الفقهي الذي عقده الفقهاء يختص بالقتال. وهذه نكتة مهمة، إذ يترتب عليها فهم المراد من مثل قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95)، وهل أنَّ المراد به خصوص القتال، أم يشمل كل الناشطين والمتحملين للمسؤولية في سبيل قوة راية الإيمان، سواء كان نشاطهم معلناً أم خفياً؟
فالجهاد في مقابلة القعود الذي هو السكون والجمود. وعليه، لا ينحصر الجهاد لغةً في جانبه العسكري، بل يشمل أبعاداً أخرى كالنشاط الاقتصادي والتطور التكنولوجي، فكل ذلك من مصاديق الجهاد. وأما ما كان من قبيل اللهو والمجون، فليس من الجهاد في شيء، بل هو تخدير للمجتمع وإسفاف به، فالمجتمع الواعي غير المجتمع المخدّر. إنَّ الإعداد المطلوب هو إعداد القوة، لا إعداد أسباب البطر والانحطاط.
فالمقصود أنَّ الجهاد لغةً أعم من القتال، فكل نشاط دؤوب ومستمر يهدف إلى تقوية الدين وراية الإيمان والنظام الاجتماعي هو جهاد لغةً. ويشهد لهذا التعميم استعمالات الكلمة في النصوص، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)، فهذا الجهاد ليس قتالاً. وكذا ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين استقبل سرية عائدة من القتال فقال: “مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ”، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: “جِهَادُ النَّفْسِ”[8] . فكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا استعمل الجهاد في معناه اللغوي العام، لا في المعنى الخاص بهذا الباب الفقهي.
إذن، يؤسس السيد الخوئي (رحمه الله) هنا لقاعدة مفادها أنَّ المعنى اللغوي للجهاد أوسع من معناه الاصطلاحي الفقهي، وهذه نكتة صناعية مهمة.
ويتفرع على ذلك أنَّ الآيات والروايات الواردة بلفظ “الجهاد” يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام: - قسم أول: خاص بالجهاد بمعنى القتال. - قسم ثان: خاص بالجهاد في غير معنى القتال، كجهاد النفس أو الجهاد بالبيان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 52)، أي بالقرآن. - قسم ثالث: استُعمل فيه اللفظ بالمعنى الأعم الشامل للقتال وغيره من صور بذل الجهد، كقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: 78).
وهذه نكتة مهمة جداً في بداية البحث، إذ إنَّ فهم دلالة اللفظ في كل مورد يتوقف على تحديد المعنى المراد منه.
نقطة أخرى في تعريف السيد الخوئي، وهي التعبير بـ “القتال” دون “القتل”، وثمة فرق دقيق بينهما. فالقتال في الاستعمال اللغوي هو المواجهة وممارسة الضغط والإرغام بالقوة العسكرية، وإن لم يؤدِّ ذلك إلى إزهاق الأرواح. فمفاهيم مثل تخويف العدو، والمناورات العسكرية، والاستعراض العسكري، كلها تندرج تحت معنى القتال.
وعليه، يختلف القتال عن القتل، وهذا فارق جوهري. فليس الهدف من تشريع الجهاد هو القتل بحد ذاته، بل الهدف هو “القتال” بالمعنى المتقدم.
فالقتال غير القتل، وهذه نكتة مهمة جداً؛ إذ يوجد فرق بين القتل والمحاربة؛ ففي بعض الموارد كحد المحاربين، نجد أن التعبير القرآني استعمل لفظ القتل، كما في قوله تعالى: ﴿…أَن يُقَتَّلُوا…﴾[9] ، فالقتل شيء والقتال شيء آخر.
وعليه، فإن الهدف من تشريع الجهاد بمعناه الخاص في هذا الباب ليس هو القتل، بل القتال الذي يعني الضغط بالقوة العسكرية لإرغام الطرف الآخر، وهو أمر له أثره البالغ حتى في الاستراتيجيات العسكرية. إلا أن الهدف الحصري من القتال ليس هو إيقاع القتل، بل كما سيأتي بيانه في كلمات السيد الخوئي وغيره من الأعلام، إنَّ للجهاد أهدافاً أسمى وغايات أعلى من مجرد إيقاع القتل أبداً.
فالقتال إذن يمثل ما يعبر عنه اليوم بوزارة الدفاع أو القوة العسكرية. ويتحصل مما تقدم، وبناءً على ما ذكره السيد الخوئي، أن المراد بالجهاد في هذا الباب هو القتال لا القتل. وأما نظام الإسلام في استعمال القوة العسكرية واستراتيجيته فيها، فسيأتي بيانه. وسيظهر أيضاً أن جميع أنواع القتال والجهاد ترجع، ولو ارتكازاً في كلمات السيد الخوئي، إلى معنى جامع واحد.
وهنا وقفة أخرى: يبين السيد الخوئي أن هذا الباب قد شُرّع في الدين أصلاً لتحقيق غايات أسمى منه، وهي غايات أخطر وأعظم. فالجهاد أو القوة العسكرية ما هو إلا آلية مهمة من بين آليات متعددة لتحقيق تلك الغايات، وليست هي الآلية الوحيدة، بل هناك آليات أخرى لا بد من الالتفات إليها.
وهذه القواعد أو الفرائض الأعلى هي ما يجب استعراضه في كلمات السيد الخوئي وفتاوى علماء النجف خلال القرن ونصف القرن الماضي، وهذا البحث بمثابة الديباجة للمسألة.
والديباجة في الاصطلاح القانوني تُعدّ أخطر من نصوص الدستور نفسه؛ لأنها تمثل المبادئ الحاكمة عليه، فالديباجة تهيمن على الدستور، والدستور بدوره يهيمن على سائر القوانين التفصيلية الأخرى.[10]
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.