الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/28

بسم الله الرحمن الرحيم

استراتيجيات القوة وفلسفة الجهاد في دعاء الثغور

#درس_العقائد_1447هـ

#بحث في دعاء الثغور

عنوان الدرس : قواعد المسؤوليات العامة و منهجان في الاستنباط

تأريخ الدرس : الأربعاء 28 رمضان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:26-القواعد الشرعية في دعاء الثغور

05:25-اليات في إعداد القوة واضعاف العدو

07:22-اليات قوة المسلمين و الاسلام واضعاف الكفر

09:33-غايا جهاد الدعوة الابتدائي في دعاء الثغور (ع)

12:38-منظومة الادلة و فتاوى الفقهاء في مجموع الابواب

14:35-ضرورة في حكم الاسير وغايات الجهاد الابتدائي

17:05-منهج السيرة النبوية و استنباط أصول التشريع في القران و الحديث

19:00-أهداف الجهاد الابتدائي وحكم الاسير

20:00-سيرة النبي (ص) و أسباب نزول القران وتأثيرة على قواعد الاستنباط

22:40-غاية و هدف الجهاد الابتدائي أسلمة النظام السياسي

24:45-مجموع الابواب الفقهية و حقيقة النسب عند الشرع

26:37-المراد الحقيقي في كلمات الاعلام و الادلة في مجموع الابواب

28:25-دليل القرآن في حكم الاسير

30:19-هوية الجهاد الابتدائي و إنقاذ الشعوب والمستضعفة

34:00-القواعد في حفظ الدعوى الاسلام هو الجهاد الابتدائي

36:30-خطورة الاعتماد على باب فقهي واحد في الاستنباط

38:20-فلسفة الجهاد الابتدائي وباب العبيد عند أهل البيت (ع)

40:40-هدف امير المؤمنين (ع) والسجاد (ع) التربوي في باب العبيد

42:18-فتاوى الفقهاء وفقه أهل البيت (ع) في غاية الجهاد الابتدائي

43:10-معاناة السجاد (ع) والكاظم (ع) و العسكري (ع) لإرهاب الدولة

45:55-دور محمد ابن الحنفية في إمامة زين العابدين (ع)

48:05-تفكيك زين العابدين (ع) بين المسؤوليات العامة كالجهاد الابتدائي

49:00-التفكيك مال الدولة بين المنهجي الفقهي و الملكية و مجهول المالك

53:48-المنهجي تفكيك الفقهي في الملفات الفتوحات نموذجا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

@alsanaddroos 🔹

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء الأئمة الراشدين، وعجّل الله فرجهم وفرجنا بهم.

إنَّ شاء الله ليلة الغد، باعتبارها ليلة استهلال، الدرس قائم ولا يتعطل. وإن صادف يوم العيد على رأي السيد الخوئي[1] ، فإنَّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تكون يوم العيد بدلاً من ليلة الجمعة. فليلة الغد الدرس قائم إنَّ شاء الله.

مقدمة في دعاء الثغور واستراتيجيات القوة

بسم الله الرحمن الرحيم، كنا قد وصلنا إلى هذه الفقرة من دعاء الثغور للإمام زين العابدين (عليه السلام)[2] . فلسان الدعاء وإن كان كذلك، إلا أنَّ واقعه هو بيان أحكام وقواعد شرعية.

ففي البداية، وبعد الصلاة على النبي وآله، قال (عليه السلام): “وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ”، فالحماية عن الثغور وآلية القوة كلتاهما من القواعد الشرعية العظيمة. ثم قال: “وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ”، أي توفير الدعم المالي وما شابه ذلك.

ثم عاد فقال: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَكَثِّرْ عِدَّتَهُمْ، وَاشْحَذْ أَسْلِحَتَهُمْ”، وكلها من آليات القوة. “وَاحْرُسْ حَوْزَتَهُمْ، وَامْنَعْ حَوْمَتَهُمْ”، وهي آليات مهمة فيها منع ورادعية وقوة للدفاع والحراسة. “وَأَلِّفْ جَمْعَهُمْ”، فالتأليف بين القلوب ووحدة الكلمة والصف، وإن تعددت الأعراق، من آليات القوة. فكأنَّ الإمام (عليه السلام) يبيّن بذلك مضمون قوله تعالى: ﴿أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال: 60].

وقد عدّد (عليه السلام) آليات القوة، ومنها: “وَعَضِّدْهُمْ بِالنَّصْرِ”، و”أَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ“، و”الْطُفْ لَهُمْ فِي الْمَكْرِ“، فذكر ما يربو على اثنتي عشرة آلية للقوة، وكلها تندرج ضمن استراتيجيات الإدارة الحديثة.

ويواصل الإمام (عليه السلام) تكرار الصلاة على النبي وآله مع كل فقرة، وهو من آداب الدعاء لاستجابته، فيقول: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَعَرِّفْهُمْ مَا يَجْهَلُونَ”، وفي هذا إشارة إلى أهمية المعلومات والاستخبارات.

ثم يعود (صلوات الله عليه) إلى ذكر الآليات التي تصب في القوى الروحية: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدَّاعَةِ الْغَرُورِ، وَامْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَرَاتِ الْمَالِ الْفَتُونِ، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَلَوِّحْ لَهُمْ مِنْهَا مَا أَعْدَدْتَ فِيهَا”، فذكر في هذه الفقرة ما يقارب خمسة أمور من عوامل القوة الروحية والجأش، تضاف إلى ما سبق.

إضعاف العدو وتحقيق الغايات الإسلامية

بعد ذلك يبيّن (صلوات الله عليه) الأغراض المتوخاة تجاه العدو وسبل إضعافه، فيقول: “أَفْلِلْ بِذَلِكَ عَدُوَّهُمْ”، أي بما مرّ من آليات القوة التي تناهز التسعة عشر. فهذه الآليات وُضعت لتكون سبباً في إضعاف العدو كي لا يبقى على قوته.

“وَقَلِّمْ عَنْهُمْ أَظْفَارَهُمْ”، أي أنَّ أسباب قوة العدو تُقلَّم وتُزال. “وَفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَسْلِحَتِهِمْ”، وهو موضع ثالث لإضعافهم. “وَاخْلَعْ وَثَائِقَ أَفْئِدَتِهِمْ”، وهذه آلية أخرى. “وَبَاعِدْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوِدَتِهِمْ”، أي التموين. “وَحَيِّرْهُمْ فِي سُبُلِهِمْ، وَضَلِّلْهُمْ عَنْ وَجْهِهِمْ، وَاقْطَعْ عَنْهُمُ الْمَدَدَ، وَانْقُصْ مِنْهُمُ الْعَدَدَ، وَامْلَأْ أَفْئِدَتَهُمْ بِالرُّعْبِ، وَاقْبِضْ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْبَسْطِ، وَاخْزِمْ أَلْسِنَتَهُمْ عَنِ النُّطْقِ، وَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”.

ثم يقول: “اللَّهُمَّ وَقَوِّ بِذَلِكَ مَحَالَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ”، والمحال يعني القوة، أي مَواطن القوة والحَول. “وَحَصِّنْ بِهِ دِيَارَهُمْ، وَثَمِّرْ بِهِ أَمْوَالَهُمْ، وَفَرِّغْهُمْ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ لِعِبَادَتِكَ، وَعَنْ مُنَابَذَتِهِمْ لِلْخَلْوَةِ بِكَ”.

والغاية من ذلك: أنَّ جهاد الدعوة والجهاد الابتدائي يهدف إلى توسيع دار الإسلام “حَتَّى لَا يُعْبَدَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ غَيْرُكَ”. وهنا يبيّن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو في زمن بني أمية أهل الجور والفجور، أنَّ نظام الإسلام يجب تفكيك ملفه عن حكومة بني أمية، فلا يندمج الملفان، وهذه من البصائر المهمة في البحوث الفقهية والسياسية.

فيقول: “حَتَّى لَا يُعْبَدَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ غَيْرُكَ، وَلَا تُعَفَّرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ”، فغاية الجهاد الابتدائي هي أن يظهره الله على الدين كله. ثم يقول في سياق الجهاد الابتدائي نفسه: “اللَّهُمَّ اغْزُ بِكُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمْدِدْهُمْ بِمَلَائِكَةٍ مِنْ عِنْدِكَ مُرْدِفِينَ حَتَّى يَكْشِفُوهُمْ إِلَى مُنْقَطَعِ التُّرَابِ قَتْلًا فِي أَرْضِكَ وَأَسْراً”. فإذن، ليس الغرض هو القتل فقط، بل الأسر أيضاً.

واللطيف هنا: أنَّ الإمام (عليه السلام) يبيّن أنَّ جهاد الدعوة ليس كما يقول العامة: إما الإسلام أو القتل. بل يطرح خياراً آخر حتى في حق المقاتلين، فيقول: إما قتلاً وأسراً، أو “يُقِرُّوا بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ”. فالجهاد في ذلك ليس لأسلمة العقائد، إذ يمكن أن يبقى الأسير على دينه ويصير مملوكاً للخدمة في الدولة الإسلامية.

والحال أنَّ هذا الظاهر لا يتفق مع قاعدة ضرورية في فقه أهل البيت (عليهم السلام) يفتي بها الجميع، وهي ليست قاعدة اجتهادية ظنية، بل ضرورية من ضروريات المذهب. وهناك قاعدة أخرى تصب في المطلب نفسه، وهي أنَّ غايات الجهاد ليست “إما الإسلام أو القتل”، خلافاً لما عنونه أكثر فقهاء الإمامية في هذا الباب.

**

منهجية الاستنباط: ضرورة النظرة الشمولية في الفقه

وقد نبّه كبار فقهاء الإمامية قائلين:** لا يغرنّك فتاوى الفقهاء في بابٍ ما لم تُحط بفتاواهم في باب آخر، أو لا يغرنّك طائفة من الروايات والآيات دون أن تطّلع على مجموعها. فلا بد من الإحاطة بمنظومة الأدلة وفتاوى الفقهاء، وإلا اغتر الإنسان ببعض الأدلة. وهذا ما عبّر عنه صاحب الجواهر[3] وكاشف اللثام[4] وغيرهما من الأكابر، من أنَّ الاقتصار على عموم معين أو دليل معين أو كلمات فقهاء في باب معين، يخادع الإنسان عن إدراك الحقيقة التي لا تتضح إلا بمجموع الأبواب والأدلة.

فإذا رجعت إلى كثير من الكتب الفقهية، تجدهم يذكرون كالعامة أنَّ الغاية من الجهاد الابتدائي هي أسلمة العقائد أو القتل. ولكن عندنا أدلة ضرورية في مذهب الإمامية، وليست اجتهادية ظنية، على أنَّ هذه ليست هي الغاية.

وها هو الإمام (عليه السلام) يبيّن أنَّ غاية الجهاد الابتدائي تشتمل على ثلاثة خيارات للمقاتلين: إما القتل، أو الأسر، أو أن يقرّوا بالتوحيد.

والقاعدة الضرورية التي يُستند إليها في عدم الأخذ بظاهر كلمات الفقهاء في هذا الباب، هي قاعدة تعتبر من ضروريات مذهب أهل البيت، وليست محلاً للاجتهاد الظني الخلافي، بل يفتي بها الفقهاء من باب التسالم والاتفاق، وهي مما يتميز به المذهب عن المذاهب الإسلامية الأخرى.

وهذه القاعدة هي: أنَّه إذا وضعت الحرب أوزارها، لا يحلّ قتل الأسير ولو كان عابد وثن.

ومعنى وضع الحرب أوزارها: ليس هو وقف إطلاق النار، ولا انتهاء القتال في موقع معين، بل له معنى عسكري خاص حددته الأدلة. وهذا حكم ضروري في فقه أهل البيت بحسب دلالة مجموع آيات القرآن الكريم بعد ملاحظة الناسخ والمنسوخ[5] . بينما نجد أنَّ المذاهب الأخرى تذهب إلى جواز قتل الأسير مطلقاً إذا لم يسلم، أو جواز فدائه.

والسبب في ذلك: هو ما يروونه وينقلونه عن عمر بن الخطاب في قصة أسرى بدر، وهو ما جعلهم لا يفتون بفتوى أهل البيت. وهي قصة ملتبسة على كل حال، وقد شرحناها في كتابنا “عدة الصحابة”[6] .

والمقصود: هو ملاحظة الترابط بين السيرة التاريخية للإسلام والنبي (صلى الله عليه وآله) وبين فهم أصول التشريع في القرآن والسنة. فبدون الاطلاع على السيرة التاريخية، قد لا يتنبّه الفقيه المجتهد لكثير من القضايا. وقد ذكرنا سابقاً أنه كانت في النجف الأشرف قبل نحو ثمانين سنة موجة علمية تدعو إلى قراءة الفقه مقارناً، وكتابته بتاريخه السيروي المستند إلى حقائق سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، كي يتبين عظمة فقه أهل البيت وأجدريته، ويؤثر ذلك في فهم الروايات وتمييز ما صدر منها تقيةً[7] عن غيره. بيد أنَّ هذا المشروع العلمي لم يُكلّل بالنجاح ولم يُنجز.

إنَّ مبحث أهداف الجهاد حساس جداً في منطق التفسير الحقوقي والقانوني، وتؤثر فيه قضية السيرة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ في الآيات، وهو ما لا يُعرف لولا أمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام). فقضية حكم الأسير بحث فقهي له أبعاد تتصل بواقعة بدر وموقف الخليفة الثاني من بعض القضايا التي أخطأ فيها، ثم صححوها له هم على نحو عكسوا فيه القضية.

والحاصل: أنَّ البحث في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وسبب نزول القرآن في بدر يؤثر على فهم باب كامل في الفقه. فالإمام الصادق (عليه السلام) يبيّن أنَّ القول بفضيلة صلاة العصر بعد المثل إلى المثلين واصفرار الشمس، مبني على روايات صدرت تقية، وقد التفت القدماء إلى ذلك، لكن الطبقات اللاحقة من الفقهاء غفلوا عن هذا المطلب.

وأصل القضية كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) يرجع إلى عدم التفات هؤلاء إلى سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) في وقت الظهرين، وما كانت عليه سيرته في مسجده. وعليه، فإنَّ بحث سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) من منظار أهل البيت عليهم السلام، والتمحيص والتحقيق في كتب التاريخ والسيرة وأسباب النزول، ولا سيما من منظار أهل البيت الذين يأتون بدلائل دامغة على التحريف الذي حصل، هو من أصول فهم القواعد الفقهية.

فهذه الموجة العلمية التي قامت في النجف الأشرف قبل ثمانين سنة تقريباً، كانت موجة صافية جداً ومهمة، ومؤثرة في قواعد الاستنباط؛ إذ ركزت على معرفة حقائق سيرة النبي وسيرة صدر الإسلام، وإزاحة التحريفات التي أُلصقت بها. وهذه نكتة منهجية مهمة جداً ينبغي الالتفات إليها، ليتبيّن أثر السيرة في فهم الأحكام.

وهنا يتضح المثال الحي الذي قدمناه، فبالرجوع إلى كتب الأعلام كـالمبسوط والخلاف وشرائع الإسلام وغيرها، نجد أنَّ غاية الجهاد الابتدائي تبدو محصورة في خيارين، حتى على مستوى الأدلة المطروحة. بينما توجد لدينا أدلة قطعية -ليست ظنية اجتهادية خلافية- أفتى بها الفقهاء أنفسهم في باب آخر، فإنَّ الجمع بينها وبين سائر الأدلة يصحح القول بأنَّ غايات الجهاد لا تنحصر في أسلمة العقائد، بل تشمل أسلمة الأنظمة السياسية. فالنظام الحاكم يجب أن يكون نظاماً إسلامياً قائماً على وفق العدالة الإسلامية، وهذا غير أسلمة الشعوب أو إكراههم على العقائد. فحين تختار الشعوب أن تكون من مواطني دار الإسلام، فإنها تُصنّف درجات، فيكون المسلم مواطناً من الدرجة الأولى، وغيره من الدرجة الثانية أو الثالثة، فالفرق بين الأمرين كبير.

ولذلك يبيّن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنَّ غاية الجهاد الابتدائي ليست محصورة في القتل أو الإسلام، بل هي: القتل، أو الأسر، فيصبح الأسير مواطناً من درجة ثانية، أو يقرّوا بالتوحيد. وهذا ما يوجب الحذر عند النظر في كلمات الفقهاء، فإذا لم يُلحظ مجموع فتاواهم في منظومة الأبواب الفقهية، فقد يقع الناظر في الانخداع بكلماتهم في باب دون آخر.

وقد نبهنا على هذا مراراً نقلاً عن الأكابر، وشبيهه ما ذكره الفقهاء في باب ابن الزنا؛ فإنَّ الناظر في تسعين بالمئة من الأبواب الفقهية يجد أنَّ الراجح في كلماتهم هو أنَّ ابن الزنا ليس بولد ولا نسب له. ولكنهم في باب واحد، بل في فصل من باب واحد، صرّحوا بأنَّ مرادهم من نفي النسب عنه هو نفي النسب الطاهر الشرعي، لا مطلق النسب التكويني.[8] وهذا التفريق جوهري؛ إذ تترتب بعض الأحكـام على مطلق النسب، سواء أكان طاهراً أم حراماً، كمحرمات النكاح التي تثبت بمطلق النسب. ففي بحث محرمات النكاح صرّحوا بأنَّ مرادهم من نفي النسب عن ابن الزنا ليس نفي مطلق النسب، بل خصوص النسب الطاهر الحلال، وأنَّ كثيراً من الأبواب الفقهية مأخوذ في موضوعها النسب الطاهر لا النسب الأعم.

قاعدة: إنَّ هذه نكتة منهجية أخرى في الاستنباط، غير ما ذكرناه سابقاً، وقد أشرنا إليها في بحوث الفقه والأصول أيضاً، وهي أن لا يغتر الإنسان بكلمات الفقهاء في بعض الأبواب أو جملة منها ما لم يُحط بمنظومة الأبواب كلها، وإلا انخدع عن مرادهم الحقيقي.

وكذلك الحال في الأدلة، فإذا اغتر الإنسان وانخدع بجملة من الأدلة الواردة في باب معين، ولم يلتفت إلى منظومة الأدلة الكاملة، فإنَّ المراد الحقيقي لتلك الأدلة لن يتضح له. إنَّ ترابط الأبواب والقواعد نقطة منهجية أخرى في شرائط الاستنباط. ومن ثمَّ، لا يقوى على الاستنباط مجرد الرواة، ولو كان الراوي حافظاً؛ لأنَّ الأمر يتطلب فقهاً وفهماً وموازنة بين القواعد. وقد ورد في الحديث الشريف: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».[9] فالقضية حساسة جداً.

وهنا أيضاً، عند مراجعة أبواب الجهاد الابتدائي، حتى عند أعلام كالسيد الخوئي (رحمه الله)، نجد أنَّ ظاهر كلماتهم أنَّ غايته هي أسلمة العقائد. بينما نجد دليلاً قرآنياً قطعياً، وهو أنَّ الأسير إذا وضعت الحرب أوزارها لا يُقتل وإن كان عابد وثن، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم.[10] وهذه قضية ضرورية من ضروريات مذهب الإمامية تبعاً للأئمة عليهم السلام، وليست مسألة اجتهادية ظنية. ومقتضى ذلك أنَّ الغاية ليست أسلمة العقيدة، وإنما هي الاستسلام، أو قُل: أسلمة الأنظمة الحاكمة. وهذا بحث مهم جداً، نبينه بخلاف ما يُذكر عادةً.

تصحيح مفاهيم الجهاد والعبودية في فقه أهل البيت

فإذا أُريد فهم فلسفة تشريع الجهاد الابتدائي، فلا ينبغي أن يُتصوّر أنه إجبار على العقيدة، بل فلسفته الحقيقية هي ما بيّنه القرآن الكريم: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. فالآية تبيّن أنَّ فلسفته هي إنقاذ الشعوب المستضعفة، وإن كانت غير مسلمة. وهذا بخلاف ما يُلحظ في الفقه السقيفي أو الأموي أو العباسي، الذي يصوّر أنَّ أصل الجهاد الابتدائي هو توسيع السيطرة والسلطان والملك والغنائم، على طريقة الأباطرة والقياصرة. إنَّ هذا التصوير للإسلام هو ما يوافق توجهات تلك المدارس، لا فقه أهل البيت عليهم السلام الذي تقوم فلسفته على العدالة وأسلمة الأنظمة.

فالنظام الإسلامي لا يُكره الشعوب على الإسلام، فإذا صار النظام إسلامياً فإنه لا يسمح بترويج الضلال، لكنه لا يُرغم الناس على اعتناق الإسلام، بل يدعوهم إليه كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. فمن أراد أن تقدم له الدولة الإسلامية خدمات المواطنة من الدرجة الأولى، فليكن مسلماً، ومن لم يُرد، فهو من أهل الأمان أو الذمة أو العهد. وأما الشعوب المستضعفة، فعندما يتم إنقاذها، فإنها تنجذب إلى الإسلام تلقائياً.

والحاصل: أنَّ فلسفة الجهاد الابتدائي هي تقديم خدمات أمنية وعسكرية لحماية المستضعفين، جذباً لهم إلى الإسلام، لا إرغاماً لهم عليه، فهي ليست أسلمة للعقائد، بخلاف ما يصوره فقه بني أمية وبني العباس.

قاعدة أخرى: وهي من ضروريات مذهبنا، أنَّ النساء والأولاد والشيوخ وكبار السن لا يُقتلون، حتى لو كانوا من عبدة الأوثان. نعم، قد يُسترقّون، فيجدون من الدولة الإسلامية خدمات من الدرجة الأولى إن أسلموا. فجذب هؤلاء يكون بالرعاية لا بالإرغام والإجبار. فهاتان قاعدتان ضروريتان، والثانية مفروضة حتى عند العامة، يجب الالتفات إليهما. إذن، من لم يُلمّ بباب الجهاد وأحكامه منظومياً، فقد يتوهم أنَّ الجهاد الابتدائي هو إرغام ودماء وعسكرة وحرب، بينما فلسفته الحقيقية هي التحرر والإغاثة والرعاية والدعوة الذكية إلى نور الإسلام.

ولذلك يوجد تعبير واضح بأنَّ كتاب الجهاد المدون حالياً في مصنفاتنا الفقهية بحاجة إلى تغيير وتحوير بما يوافق القواعد الضرورية في الجهاد عند أئمة أهل البيت وفقهائهم. فبعض الصياغات الحالية متأثرة بفقه العامة، فقه السقيفة والأمويين والعباسيين، وهي بحاجة إلى تحوير لتتفق مع القواعد التي يسلّم بها علماؤنا، ولكن وقعت غفلة عن تطبيقها في صياغة القالب النهائي للباب. وقد ذكر صاحب الجواهر[11] (رحمه الله) في باب النفقة على الزوجة، عند عرضه لفتوى الفقهاء، أنَّ الضوابط التي ذكروها ليست مضطردة ولا منعكسة، وأنه لو أبقوا على القوالب الواردة في مجموع الروايات لكانت أضبط، لا سيما أنها قوالب متفق عليها بينهم.

فالمقصود على أي حال، أنه كما مرّ بنا، لا يمكن الأخذ بكلام الفقهاء في باب واحد بمعزل عن منظومة الأبواب، بل لا بد من استصلاح القالب الفقهي المصوغ من مجموع المنظومة. وإلا لو أخذنا ببعض الكلمات في قضية ابن الزنا، لقلنا إنه حيوان لا نسب له، بينما مرادهم هو نفي النسب الطاهر، لا مطلق النسب. فلا بد من جمع كلماتهم، وإلا وقع الاشتباه. وهذا ليس ملامة على فقهائنا، بل هي طبيعة الأدلة التي إذا لم تُجمع، فقد يبدو أنها تشير إلى شيء، بينما المنظومة الكاملة تشير إلى شيء آخر، ومصداقه قوله تعالى: ﴿…أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…﴾ [البقرة: 85]. وهذا لا يقتصر على الأمور القطعية، بل هو واجب حتى في الضوابط الظنية المعتبرة التي يجب أن يُجمع بينها منظومياً، فكيف بالقطعيات والمتفق عليها؟

إنَّ هذه واقعاً نقطة منهجية جداً مهمة في الاستنباط الفقهي، ولا سيما في الأبواب الفقهية السياسية والعسكرية وما شابهها. وهنا بيّن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أمراً عظيماً، وهو أنَّ فلسفة الجهاد الابتدائي حتى مع المقاتلين، فضلاً عن غيرهم، لا تنحصر في القتل، بل تشمل خيار أن يصبح المقاتل المستسلم مواطناً من درجة ثانية كأسير، فيتم استعباده، بمعنى أن تُؤخذ خدمته. وليس مفهوم العبودية في الإسلام كما يُصوّر، بل إنَّ باب العبيد والإماء بحاجة إلى تحوير في صياغته ليلائم القواعد المسلمة في فقه أهل البيت.

فحقيقة باب العبيد والإماء ليست استعباد البشر، وإنما هو عبارة عن مسؤولية المسلمين عن رعاية الوافدين الجدد. وهذه الرعاية يقوم بها مسلم أو المسلمون، وفي مقابل ذلك، يدفع هذا الوافد الجديد ضريبة الخدمة. فلا تجب عليهم الزكاة ولا الخمس ولا الجزية، وإنما ضريبتهم هي خدمتهم.

فلا يُفرض عليهم خُمس ولا زكاة، ولا هم من أهل الذمة ليدفعوا الجزية. فماذا يدفعون إذن؟ يدفعون ضريبة، وهذه الضريبة هي خدمتهم.

وهنا تتجلى حقيقة باب العبيد والآماء؛ فمن باب التشاكل الاسمي، فإنَّ حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن وحقيقة سنة النبي التي هي عند أهل البيت عليهم السلام، تقتضي أنَّ باب العبيد والآماء ليس استعباداً، بل هو عبارة عن مسؤولية رعاية فكرية وتربوية من المسلمين للوافدين الجدد. وهذا هو فقه أهل البيت عليهم السلام، لا فقه السقيفة.

والشاهد على ذلك: أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد أعتق بكدّ يمينه -لا من بيت المال- ألف رقبة.[12] فماذا كان هدفه؟ أكان هدفاً تربوياً أم استرقاقياً؟ لقد كان هدفاً تربوياً. وكذلك حفيده الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي أعتق ظاهراً ألفاً، بل قيل مئة ألف.[13]

وعليه، فإنَّ ما يُصطلح عليه بـ«بوابة الباب» أو «بوابة الكتاب الفقهي» يجب أن تتغير، فهذه البوابات المتداولة تشبه صراحةً فقه السقيفة أو الفقه الأموي أو العباسي. إنَّ بوابتنا هي بوابة أهل البيت عليهم السلام، مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله): «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْمَدِينَةَ وَالْحِكْمَةَ فَلْيَأْتِهَا مِنْ بَابِهَا».[14] وهذا الأمر ليس مبنياً على الظن، بل على القطع عند علماء الإمامية؛ بل إنَّ الظني المعتبر يجب أن يراعى، فكيف بالقطعيات؟

لذا، فاللازم في الحقيقة أن يعاد صياغة بعض الأبواب، ولا سيما أبواب الفقه السياسي والفقه العسكري وما شابه ذلك. فلو لاحظنا مثلاً كتاب الجهاد عند السيد الخوئي[15] ، شأنه شأن سائر كتب الفقهاء طيلة ألف سنة، لوجدنا أنَّ من المسلّمات أنَّ الجهاد الابتدائي غايته إما القتل أو الإسلام. فأين ذهب خيار الأسر؟ فالأسير يصبح مواطناً من الدرجة الثانية، لا يُقتل، ولا يُجبر على تغيير عقيدته. وهذه نكتة أساسية ومهمة جداً في فقه أهل البيت وفقه فقهائهم.

فلا ينبغي للمستنبط أن يغتر بقراءة فتاوى الفقهاء في باب واحد، بل إنَّ فتاوى الفقهاء أنفسهم يجب أن تُجمع ويُنظر إليها بنظرة شمولية؛ فقد يذكرون أصلاً في باب، ثم يوردون ما يقيده أو يخصصه في باب آخر. وعلى كل حال، فإنَّ هذا المنهج كثير الورود في كلماتهم، وهو ما يستدعي التتبع والتفتيش.

وهنا نعود إلى مبحث آخر، وهو ما أثرناه سابقاً كبادرة، ويتعلق بما ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في زمن الأمويين. ففي ذلك الزمن، وكما تبين الروايات المستفيضة، لم يعانِ إمام من الأئمة الاثني عشر من إرهاب بوليسي غاشم وإجرامي كما عانى الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فلم يعانِ إمام مثله.

نعم، قد عانى الإمامان الهادي والحسن العسكري عليهما السلام من الاعتقال العسكري والإرهاب البوليسي، وسبب تسميتهما بـ«العسكريين» هو أنَّ سامراء لم تكن مدينة مدنية، بل كانت معسكراً ومدينة عسكرية تضم المخابرات العسكرية. فتسمية «العسكريين» هي بصمة تاريخية قطعية على أنَّ الإمامين كانا مسجونين في سجن عسكري، بل وفي سجن داخل ذلك المعسكر. وقد ابتلي الإمامان العسكريان بالإرهاب البوليسي العسكري، حتى رُوي أنَّ الدولة العباسية كانت تجعل في بيت الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري عليهما السلام خمسة من فقهاء العامة كجواسيس، لأنَّ العالم هو الأقدر على التجسس على عالم مثله دون أن يُلتفت إليه. وبطبيعة الحال، فقد لاقى الإمامان العسكريان من الإرهاب البوليسي العسكري شيئاً شديداً جداً، ولذلك تذكر زيارتهما أنواع المحن والابتلاءات التي مرا بها. وهذا بحد ذاته امتحان أو معجزة إلهية، إذ إنَّ من يجعله الله إماماً لا يستطيع الجبابرة أن يعجزوه بوليسياً أو عسكرياً أو أمنياً، فهو أقوى منهم في الإدارة والتدبير رغم كل جبروتهم.

وكذلك ورد مثل ذلك في حق الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) من تعرضه لإرهاب بوليسي شديد. ولكن الفارق أنَّ الإمام الحسن العسكري والإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أظهرا إمامتهما، أما الإمام زين العابدين (عليه السلام) فكان ممن أخفى وكتم إمامته؛ لشدة الإرهاب البوليسي الإجرامي الذي مارسه الأمويون بعد واقعة كربلاء، والذي كان عصيباً وشديداً جداً.

واستمر هذا الوضع إلى أن زال حكم بني مروان وخُفف الوطء عن الإمام زين العابدين (عليه السلام).

فائدة: ذكر بعضهم أنَّ ادعاء محمد بن الحنفية للإمامة لم يكن عن انحراف في العقيدة، حاشاه ذلك، وإنما كان لأهداف منها: - لجمع شمل الشيعة من التشتت والضياع. - لإضفاء الشرعية على بعض التحركات كثورة المختار الثقفي، حيث نُسبت إليه لكي لا يُنسب الأمر مباشرةً إلى الإمام الحق. والدليل على عدم طمعه في الأمر أنه تنازل للإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد أن خفّ الجو السياسي. بل إنَّ أعيان الشيعة لما قالوا له: أنت ابن أمير المؤمنين وهذا حفيده، فكيف تتنازل له؟ قال: هذا هو الإمام، فارجعوا إليه. ومن الملفت أنَّ شخصية ابن الحنفية تألقت بين الشيعة بعد قضية المختار، وهذا مما يغري طالب الدنيا بالسلطة ويجعله يتصلب في دعواه، لكنه لم يفعل.

لقد فكك الإمام زين العابدين (عليه السلام) بين المسؤوليات العامة وبين واقع الحال.

الإشكال: كيف يدعو الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى توسيع واستمرار الجهاد الابتدائي مع أنه كان ممنوعاً وغير مبسوط اليد في الظاهر؟ وكيف يفسر دعاؤه هذا الذي يذكر فيه أطراف بلدان الإسلام؟

والجواب: إنَّ هذا الدعاء ليس تشريعاً لحكم بني أمية، وهذا يقودنا إلى قول ثالث، لا هو قول المشهور، ولا هو قول بعض الأعاظم، بل هو قول يجمع بين القولين، وقد ذهب إليه واحتمله الشيخ الصدوق[16] قدس سره، وهو الصحيح. وهذا القول نتابعه في ضوء ما ذكرناه في بحث «ملكية الدولة» لتوضيح المطلب.

توضيح: أما معنى ملكية الدولة، فليس المراد أنَّ الدولة بما هي كيان حاكم هي المالكة، بل المقصود هو «بيت مال المسلمين»، فهل يملك بيت المال أم لا؟ الجواب: نعم، يملك. وفقهاؤنا المتأخرون في هذه المسألة بين قولين: قول بأنه مجهول المالك، وقول بأنه ملك للمسلمين. فقد ذهب السيد أبو الحسن الأصفهاني[17] إلى الملكية، بينما ذهب السيد البروجردي[18] إلى القول الآخر، أو العكس.

وأصل الفكرة: أنَّ الأئمة عليهم السلام، ورغم أنَّ الدولة كانت مغصوبة منهم، سواء في عهد السقيفة، أم عهد بني أمية، أم عهد بني العباس، إلا أنهم أمضوا تصرفات تلك الدول الغاصبة، لا إمضاءً للغاصب نفسه، بل تسهيلاً على المؤمنين، جرياً على قاعدة “لك المهنأ وعليه الوزر”. وهو بحث صناعي دقيق يقوم على قاعدة «إجازة الفعل لا إجازة الفاعل». وهو نظير ما يبحث في بيع الفضولي، حيث إنَّ إجازة المالك للفعل لا تعني إمضاء تصرف الفضولي ليكون الثمن له، بل يقع البيع للمالك وفق المقررات. وهذا المبحث في غاية الأهمية، وقد تم جمعه وتفصيله في مظانه.

وعلى هذا المنوال، يمكن النظر في ملف آخر، وهو بحث الفتوحات في صدر الإسلام، فهو يتصل ببحث الجهاد الابتدائي من الناحية التاريخية والفقهية. ورغم أنَّ بعض الأجلاء حذّر من الخوض في هذا الباب لوعورته وتعقيده، إلا أنَّ الضرورة العلمية تقتضي بحثه. وقد تم تفكيك هذا الملف في بحث مستقل إلى ثلاثة ملفات متمايزة: ملف أصل الفعل المشروع، وملف فساد القائمين به، وملف فساد البديل؛ فلا يجب الدمج بين هذه الملفات التي يمكن وصف أحدها بالأبيض والآخرين بالأسود.

وهو بحث معقد نرجئ تفصيله، وسيكون فاتحة لفهم مبحث القواعد الفقهية في باب الجهاد الابتدائي.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين.
[2] الإمام زين العابدين، علي بن الحسين. الصحيفة السجادية.. الدعاء السابع والعشرون: “دعاؤه لأهل الثغور”
[3] هو الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”، وهو من أشهر الموسوعات الفقهية الشيعية.
[4] هو الفاضل الهندي، بهاء الدين محمد بن الحسن الأصفهاني (ت 1137هـ)، صاحب كتاب “كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام”.
[5] علم الناسخ والمنسوخ هو علم يُعنى بدراسة الآيات القرآنية أو الأحاديث التي يبدو أنها ترفع حكماً شرعياً سابقاً وتأتي بحكم جديد.
[6] إشارة إلى مؤلفات المتحدث في هذا الباب.
[7] التقية: هي إخفاء الحق أو كتمانه عن المخالفين خوفاً على النفس أو الدين أو العرض أو المال، وهي من المبادئ المعتبرة في الفقه الشيعي في ظروف الخطر والاضطهاد.
[8] يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب الفقه، أبواب النكاح، فصل الموانع والمحرمات، وباب الميراث، للوقوف على تفريق الفقهاء بين النسب الشرعي ومطلق النسب وآثارهما المختلفة.
[9] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص403، باب “فضل العلم”، ح9
[10] وهي قاعدة فقهية مستفادة من قوله تعالى: ﴿…حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً…﴾ [محمد: 4]، وقد فصّل الفقهاء أحكامها في كتاب الجهاد، باب الأسرى.
[11] هو الشيخ محمد حسن النجفي (ت. 1266هـ)، صاحب كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.، وهو من أهم الموسوعات الفقهية عند الشيعة الإمامية
[12] يُنظر: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج41، ص43، باب “عتقه (عليه السلام) ألف مملوك من كد يده”
[13] المصدر نفسه. ج46، ص104، باب “مكارم أخلاقه وعتقه الموالي”.
[14] الصدوق، محمد بن علي. الأمالي.. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، ط1، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، 1417 هـ، ص474، المجلس 72، ح12
[15] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول.
[16] هو الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي (ت 381هـ)، من أبرز محدثي وفقهاء الشيعة، وصاحب كتاب “من لا يحضره الفقيه”.
[17] هو السيد أبو الحسن بن محمد الموسوي الأصفهاني (ت 1365هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف.
[18] هو السيد حسين بن علي الطباطبائي البروجردي (ت 1380هـ)، المرجع الأعلى للشيعة في عصره.