الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/27

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه العداوة بين المؤمنين (16) أبعاد خفية في حياة الأئمة (ع)

الثلاثاء (27) رمضان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 قاعدة الأمن والحذر من العدو الداخلي

01:01 جهاد المنافقين على يد أمير المؤمنين (ع)

04:47 اقتران الحذر بولاية الله ورسوله(ص)

04:46 التخاذل للتعلق بالأهل والاولاد في تحمل المسؤولية العامة

09:00 حرمة نشر المعلومات لإضعاف المؤمنين

11:30 تعدد الأبعاد الخفية في حياة الإمام زين العابدين(ع)

13:34 نفوذ البصيرة عند أبي الفضل العباس(ع) لشدة المعرفة بالإمام

20:00 ضرورة الشحن الروحي في الحروب

23:58 أنشطة الصادق (ع) الخفية في اليمن ودول المغرب

28:55 شدة الحالة الأمنية والبوليسية في عهد زين العابدين (ع)

31:03 الأنشطة الخفية للباقر (ع) في كاشان

33:05 الأنشطة الخفية للكاظم (ع) في جورجيا

35:30 الأنشطة الخفية للهادي (ع) عبر عبد العظيم الحسني

37:32 زين العابدين (ع) وعدم تعطيل المسؤوليات العامة

39:03 المرابط من أوصاف المهدي (عج) والحراسة للمسؤوليات

39:02 شدة الخفاء و المهدي غيبة المهدي (عج) مع قمة النشاط والمسؤولية

44:18 المخاطرة والمغامرة عند النبي والوصي (ص)

46:57 تحريض زين العابدين (ع) للجهاد الابتدائي رغم المخاطر الأمنية الأموية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاعدة الحذر والأبعاد الخفية في سيرة أهل البيت

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء وأشرف المرسلين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء الراشدين.

وصلنا إلى قوله تعالى في سورة المنافقين، ضمن قواعد الحذر: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4]. ومقتضى ذلك أنَّ الحذر لا يقتصر على العدو الخارجي، بل يشمل العدو الداخلي، وهو أمر متوجّب على كل حال.

وفي كثير من الآيات قُرن الكافرون والمنافقون معاً. فإذا وُجد عدوٌّ ظاهر، فإنَّ هناك عدوّاً داخلياً يجب الحذر منه بشدّة. وعليه، فإنَّ قاعدة الأمن لا تختص بالعدو الخارجي فحسب، بل تشمل العدو الداخلي الذي يهوى قلبه هوى العدو الخارجي.

وقد كان من اطراد هذه القاعدة أن ورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73]. وإنْ ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) تفسير إحدى الآيتين بأنَّ المراد هو: (جاهد الكفار بالمنافقين)[1] . ولكن مجاهدة المنافقين قد أُوكلت إلى وصي النبي (صلى الله عليه وآله) في حروب الجمل وصفّين والنهروان، في قتاله للناكثين والقاسطين والمارقين.

فكأنَّ التصعيد الأمني أو المحافظة الأمنية تجاه العدو الخارجي والداخلي قد يصل إلى حدّ المواجهة العسكرية. وهذا ما نجده ماثلاً في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ إنَّ التعامل مع العدو الداخلي قد يبدأ من الجانب العسكري. فالعدو الداخلي يعيش حالة من الإرباك الدائم، كما يصفه قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4].

إذن، فموضوع الحذر هو العداوة، سواء كانت من العدو الداخلي أم الخارجي. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4]. وكلمة ﴿قَاتَلَهُمُ﴾ قد تفيد معنى الدعاء عليهم، أو تحمل معنىً عاماً آخر. وقد ورد في الحذر من العدو الداخلي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14].

ولكن، ما هي السياسة المتّبعة مع هذا العدو الأسري الداخلي؟ يجيب تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]. وهذا التوجيه يختص بالأسرة، أمّا بالنسبة للمجتمع فالأمر يختلف. فالحذر والأمن يجب أن يكونا على درجة واحدة في التعامل مع العدو الخارجي والداخلي، ومن الخطأ الغفلة عن أيٍّ من الجانبين.

أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: 92]. فنرى أنَّه في سياق الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول وتولّيهما، يأتي الأمر بالحذر. فكأنَّ قاعدة الولاية لله وللرسول مقرونة بالحذر، أو أنَّ الحذر مقرون بولاية الله ورسوله. وهذا يكشف عن أنَّ الحذر مبدأ عظيم الأهمية. وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): «الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»[2] . فالمؤمن الحق هو الذي ينهض بمسؤولية الأمن واليقظة والتأهّب، ومَنْ لا يقوم بذلك فهو منقوص الإيمان على أقل تقدير.

وهنا أيضاً، يروي الإمام الباقر (عليه السلام) في ذيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ما يربط القضية بالمسؤولية العامة السياسية والاجتماعية والعسكرية، حيث قال: «وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْهِجْرَةَ تَعَلَّقَ بِهِ ابْنُهُ وَامْرَأَتُهُ وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَذْهَبَ فَنَضِيعَ بَعْدَكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِقُّ لَهُمْ فَيُقِيمُ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ طَاعَتِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْضِي وَيَذَرُهُمْ وَيَقُولُ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تُهَاجِرُوا مَعِي ثُمَّ يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ لَا أَنْفَعُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَداً. فَلَمَّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُوفِيَ وَيُحْسِنَ وَيَصِلَهُمْ»[3] . وهذا يُعدّ أحد أسباب تخاذل بعض المحبّين في معركة كربلاء؛ وهو التعلّق بالأهل والأولاد.

إذن، فالمسألة ليست مجرّد موقف أسري، بل هي مرتبطة بالمسؤولية العامة والتملّص منها، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾، فالقضية تتجاوز البُعد الأسري لترتبط بتحمّل المسؤولية العامة.

وعلى أيّ حال، فإنَّ قاعدة الحذر مبدأ مهمٌّ جداً، وهي تختلف عن قاعدة حرمة الإذاعة التي تشير إليها الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]. فبينما يتكتّم العدو على خسائره، نجد أنَّ البعض في الصف الداخلي يرى ضرورة نشرها. إنَّ إيصال المعلومات إلى ذوي الشأن بحثٌ آخر، أمّا أن تشاع في عموم المجتمع لإضعاف الروح المعنوية والجو العام، فهذا محرّم وغير جائز.

وقد وردت آيات كثيرة تنهى عن المساهمة في الحرب الإعلامية الداخلية التي تهدف إلى الإضعاف، وقد استعرضنا بعضها، ومن أمثلتها آيات حديث الإفك. فهذه الحادثة كانت في حقيقتها مؤامرة تستهدف الطعن في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) وزعزعة مكانته، حيث قذفوا مارية القبطية[4] ، ولكنَّ الله أخمد تلك الفتنة. وللمسألة جانب سياسي وديني وعقائدي، وفي هذا السياق ورد قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. فالكلمة التي تخرج من الأفواه مسؤولة جداً. وفي مقابل الحذر، هناك الإضعاف، وترتبط به قاعدة إضعاف الصف الداخلي والجو العام. فكلمة تصديق، أو كلمة تثبيط، أو كلمة جزع، أو كلمة خوف ووجل، هل تساند جانب الحق، أم تساند جانب الضلال من حيث يشعر الإنسان أو لا يشعر؟

ومقطع آخر في الدعاء الشريف، وهو دعاء الثغور[5] ، وهذا المقطع حسّاس أيضاً. وقد تعرّض له الإمام زين العابدين (عليه السلام). ومن المهم جداً تتبّع زمن صدور هذا الدعاء منه (عليه السلام)؛ هل كان قبل قضية المختار أم بعدها أم أثناءها؟ ففي حين كان الإمام (عليه السلام) مشغولاً بتبعات واقعة الطف، ومنها قضية الانتقام لدم سيد الشهداء (عليه السلام) - وإنْ كان هذا الانتقام لا يتم على وجهه الأكمل إلا بدولة الرجعة - وفي خضمّ تلك الفتنة الداخلية وقتلة سيد الشهداء وهتك حرمة البيت، نراه مع ذلك يركز على المسؤوليات العامة الأخرى. فعلى أيّ حال، كانت فترة الإمام زين العابدين (عليه السلام) كلّها فترة اضطرابات شديدة، ومع ذلك نراه يركز على المسؤوليات العامة، ولا يترك بنيان سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) تحت أي ذريعة، كذريعة أنَّ الأمويين قد يستفيدون من ذلك أو يستغلونه؛ فلا تفكيك بين الملفات.

وملف آخر يذكره الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو أمرٌ يستدعي التدبّر بجدّية. فلو تعرّض له الإمام الرضا أو الهادي أو الحسن العسكري (عليهم السلام) لكان له وجه، ولو تعرّض له الإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام) لكان متوقّعاً، أمّا أن يتعرّض له الإمام زين العابدين (عليه السلام) في تلك الظروف، فهذه وقفة تستدعي تدبّراً كبيراً.

فما هو هذا الملف؟ إنَّه ملف الجهاد الابتدائي، الذي يُسمّى أيضاً جهاد الدعوة، وهو ليس من قبيل الجهاد الدفاعي أو المرابطة. والآن، دعونا نقرأ كلماته (عليه السلام) قبل الخوض في التفاصيل الجغرافية والتطبيقية، كتحديد مدينة أو عاصمة أو حدود، فهذا بحث جزئي تطبيقي، وكلامنا في المبدأ الكلّي لا في الجزئيات. وكذلك البحث في أي قومية أو عرقية أو أرض أو زمان، فهذه كلّها تفاصيل غير أساسية.

التركيز ينصبّ على البحث الكلّي. فأين أقرّ ابن عباس[6] الإمام زين العابدين (عليه السلام)؟ هذا ليس مهمّاً، بل المهم هو ما ثبت من فلتات كلام ابن عباس من إقراره بأنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان رجلاً ذا أدوار متعدّدة، لا دوراً واحداً، وهذه نكتة مهمّة. فالإمام زين العابدين (عليه السلام) ليس فقط (زين العابدين)، بل هو (زين المجاهدين) وسيّدهم، باعتراف عبد الله بن عباس الوارد في كتاب أصول الكافي[7] . وقد انتزعنا هذا الاعتراف من عبد الله بن عباس، وهذا بحث آخر. فالشيخ يهتم بالتفاصيل، أمّا نحن فنقول: لنأخذ اللّب واللّباب، ودعونا من التفاصيل.

فالإمام زين العابدين (عليه السلام)، كما مرّ بنا، هو رجل ذو أدوار باعتراف عبد الله بن عباس. وهذا يعطينا صورة عظيمة، ويكشف عن خطرٍ دائمٍ يكمن في أنَّنا بأقلامنا وتدويناتنا نطمس أبعاداً خفيّة في شخصيات المعصومين (عليهم السلام). وهذا شبيه بما يقع في حق أبي الفضل العباس (عليه السلام)، حيث يركّز البعض على (صُلْب الإيمان) في شخصيته - وهو ركن عظيم بلا شك - ولكن يغفلون عن التركيز على صفة (نافذ البصيرة).

ونفاذ البصيرة يعني أنَّه لا يُخدع بالحرب الإعلامية والثقافة الفقهية التي روّج لها بنو أميّة، والتي أرادوا بها تهجين الناس وتثبيطهم وتدجينهم.

فكيف لم يُهجَّن أبو الفضل العباس (عليه السلام)؟ هذه نكتة مهمّة. لقد كان نافذ البصيرة؛ سمع كلام عبد الله بن عباس للحسين (عليه السلام)، وسمع كلام محمد بن الحنفية، وسمع كلام عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، فهل أوجد ذلك كلّه شكّاً في قلبه وفكره تجاه مشروع الإمام الحسين (عليه السلام)؟ ها هنا تكمن نفاذ البصيرة. لقد كان حاضراً وموجوداً، فلماذا لم يتزعزع؟ ولماذا لم يشكّك؟ ولماذا لم توسوس له نفسه؟

الجواب هو شدّة معرفته بالإمام (عليه السلام). حتى إنَّ أحد المحقّقين قال: إنَّ سبب كون أبي الفضل العباس (عليه السلام) صُلْب البصيرة هو شدّة معرفته بالإمامة، فلم يتزعزع قيد أنملة أمام كل تلك التثبيطات الفقهية والقوانين الوضعية، بل كان كحديدة محمّدة. لقد كان نافذ البصيرة أمام كل العروض التي عُرضت عليه في كربلاء، فلم يتزلزل أبداً، ولم يتلكّأ، ولم يتباطأ. وهذا بُعدٌ مهمٌّ في شخصيته (عليه السلام) يُغفَل عنه للأسف. فالبعض يذهب إلى مشاغبات أخرى، ونحن نقول له: إنَّنا نركّز على نفاذ البصيرة، وهو ركن عظيم في شخصية أبي الفضل، فلماذا تغيّبه وتطمسه بذهابك إلى أمور أخرى؟

وهذا المدح من الإمام الصادق (عليه السلام) لعمّه العباس بأنَّه (نافذ البصيرة)[8] هو من هذا الباب. والآن، دعونا من الجانب الغيبي، ولنلتزم بالموازين الظاهرية؛ فبالموازين الظاهرية وحدها نحن لا نلحقهم.

أقول: من أين اكتسب هذه البصيرة النافذة؟ وفي أي المواقف عُرضت عليه الفتن فلم يُفتتن، ولم يُهجَّن، ولم يتلكّأ، ولم يتباطأ، ولم يجمد، ولم يسكن؟

يخفف الوتيرة؟ وقد أجاب بعض المحققين بأنَّ مردّ ذلك إلى شدّة معرفته بالإمام، وهي التي تجعله بصيراً.

ولذلك ليس في كلام المعصومين (عليهم السلام) في وصفه أنَّك “نصحت”، أو “أبلغت النصيحة”، بل ورد التعبير الأدق: «بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ»[9] ، أي بلغت الغاية في عدم الغش والإخلاص.

وقد وصفه الإمام الحسين (عليه السلام) بأنَّه ظهره، فقال عند مصرعه: «الْآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي»[10] ، وهذا الظهر الذي هو الركن الركين يجب أن يكون صلباً هكذا؛ صلباً في البصيرة، وصلباً في الموقف.

لقد كانت الحروب الإعلامية التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) خلال الأيام التسعة قبل يوم عاشوراء في أرض كربلاء كثيرةً، ولكن أبا الفضل العباس (عليه السلام) كان كالصقر العجيب، وكالعُقاب حامل راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يشدّ به قلوب البقية. فهو لم يشدّ عزيمته فحسب، بل شدّ به قلوب البقية فلم يهنوا، وجاءت فيه الشهادة العظيمة: «أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ»[11] .

فالمعركة لا تحتاج إلى موقف فحسب، بل تحتاج إلى صلابة الموقف وعدم التزلزل، وألّا تصدر منك كلمة تخذيل. وإنَّ من أوصاف أبي الفضل العباس (عليه السلام) التي وصفه بها المعصوم أنَّه “صلب الإيمان”، كالمقداد الكندي.

ولذلك تلاحظ أنَّ الروحية في بدر كانت شيئاً آخر؛ فالمقداد لم يقل كما قالت بنو إسرائيل لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: 24]، بل قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): «يَا رَسُولَ اللهِ، امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ… وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى تَبْلُغَهُ»[12] . فمثل هذه الروحية ضرورية.

إنَّ هذا الشحن الروحي هو من الوظائف والمسؤوليات العظيمة في منازلات الحرب. فأي كلمة تفتّ في العضد نحن مسؤولون عنها، وبها نجرح قلوب أهل البيت (عليهم السلام). وأي كلمة توجب إضعاف عضد المؤمنين أو المسلمين، لا سيما في منازلات الحق، هي محرمة. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

والحاصل: أنَّ من ضمن الأبعاد المطموسة في شخصية الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنَّه رجل ذو أبعاد متعددة.

ومن الشواهد على ذلك: ما يُذكر في بعض الكتب التاريخية عن دول المغرب العربي، وهو كتاب يتحدث عن قبائل كُتامة، وهي أكبر قبيلة في البربر الأمازيغ، والتي تشمل مناطق المغرب والجزائر وتونس وشيئاً من ليبيا ومصر. ويُذكر أنَّ أمهات الأئمة الكاظم والرضا والهادي والحسن العسكري (عليهم السلام) كنَّ من هذه القبيلة البربرية.

أما أم الإمام الجواد (عليه السلام) فهي نوبية من جنوب السودان، فبالتالي يكون خمسة من الأئمة (عليهم السلام) أمهاتهم من تلك المناطق.

وقد ورد في بعض المصادر التاريخية المتقادمة أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) في ذلك الزمن بعث رُسلاً ودعاةً إلى الجزائر ودول المغرب العربي، فأثّروا في المنطقة كلها، بحيث إنَّ أهلها في زمن الغيبة الصغرى كانوا على المذهب الاثني عشري.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ الدولة الفاطمية حين أُسست أول مرة، إنما أُسست في تونس والجزائر – ولم تُؤسس في مصر ابتداءً – بخداع الشيعة الاثني عشرية هناك؛ حيث خدعهم الخطّابية والإسماعيلية بأنَّ المهدي الذي ينتظرونه هو منهم، وأنَّ هذا هو المهدي من نسل أهل البيت (عليهم السلام). ويُروى أنَّ اثني عشر تلميذاً من تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) بُعثوا إلى تلك المناطق. وهذا الأمر لم تكتبه كتب التاريخ التي أُلفت في الشرق الأوسط من الفريقين، بل دُوّن في مصادر تلك المناطق في دول المغرب.

وهناك أيضاً إشارات من الإمام الصادق (عليه السلام) تكشف عن بعدٍ آخر مجهول من أبعاد شخصيته، لم يكتب عنه علماء الفريقين الذين عاشوا في الشرق الأوسط. ففي مصادر هذا الشرق الأدنى – كما كانت تسمى تلك المناطق – كُتب عن أنشطة سرية للإمام الصادق (عليه السلام)، وأنشطة ديموغرافية، ووثائق وقضايا، وأنَّ الدولة الفاطمية لم تنشأ من فراغ.

والغرض هو بيان أنَّ للأئمة (صلوات الله عليهم) أدواراً متعددة، فليس كل إمام له دور واحد وهدف واحد، بل كل إمام له كل الأدوار، ولكننا قد لا نلتفت إليها أو لا ننتبه لها، فبعض الأدوار كانت خفية ومؤثرة.

فلذلك، فإنَّ تصوير الإمام زين العابدين (عليه السلام) بمظهر العابد المنقطع عن الدنيا فقط، هو تصوير غير متوازن وليس صحيحاً.

فالإمام زين العابدين (عليه السلام) كان بطلاً من الأفذاذ العسكريين في كربلاء، وقد ورد في رواية النعماني أنَّه أُثخن بالجراح يومها[13] . هذا هو الإمام زين العابدين (عليه السلام).

ولكونه كذلك، فله جهات متعددة.

المهم أن نصل لهذه الفقرة الآن في كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهي حول الجهاد الابتدائي، أو ما يسمى بجهاد الدعوة. يقول الإمام (عليه السلام) في هذه الفقرة ما يدل على أنَّه لم يكن يتكلم فقط في الجهاد الدفاعي والمرابطة، فهذا دعاء الثغور يمثل بالدقة قواعد عسكرية وأمنية وجهادية إلى ما شاء الله، وقد صدرت من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهي تحتاج إلى تدبر كثير.

ولا ريب أنَّ زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان زمناً فريداً، فبتصريح أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) هو الوحيد بين الأئمة الذي كتم إمامته لشدّة الوضع البوليسي الأمني. فكانت السمة الغالبة على عصره هي التقية، بل كانت أشد من وضع الإمام الصادق (عليه السلام) قطعاً، الذي عاش حالة فُرجة نسبية، ولم تكن الصعوبة الأمنية في زمنه كالصعوبة في زمن جده الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ولا في زمن الإمام الباقر (عليه السلام).

والشيء بالشيء يذكر: هناك منطقة تسمى “أردهال” من قرى كاشان، حيث بعث الإمام الباقر (عليه السلام) ابنه السلطان علي[14] ، ويمكن القول إنَّه أسس هناك ما يشبه الدولة، وجاهد عسكرياً دولة بني أمية، واستشهد هناك. ومرقده الموجود هناك شاهد على هذه الورقة المطموسة من التاريخ. إنَّ هناك سيراً ممنهجاً في تدوين الفقه وتاريخ الأئمة يهدف إلى طمس هذه الأبعاد.

والحقيقة أنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) بعث بابنه إلى هناك لوجود المؤمنين، لأنَّ كاشان وقم كانتا من قديم الزمان، أي منذ زمن الإمام الباقر (عليه السلام)، موطناً لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك قبل أن يؤسس الإمام الصادق (عليه السلام) الحوزة في قم. وهذه نقاط تاريخية مهمة جداً.

إذن، لم يكن الأئمة مقيمين في المدينة المنورة بلا حراك، بل كانت أياديهم تمتد إلى الأراضي الإسلامية البعيدة، ولكن بالخفاء طبعاً. ففي ملفات لم يطلع عليها الخطيب البغدادي ولا ابن الأثير ولا ابن الجوزي من مؤرخي الشرق الأوسط، كُتب عن أنشطة جعفر بن محمد (عليه السلام) في دول المغرب العربي. هذه حقائق يجب أن نعرفها ونلتفت إليها.

وهنا مثال قريب في جورجيا، فمن رواة وتلاميذ الإمام الرضا (عليه السلام) من كان من “تفليس”، عاصمة جورجيا. والمقصود أن نلاحظ كيف أنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) كانت له أنشطة حتى إنَّ حواري أصحابه لم يكونوا يعلمون بها. فانظروا إلى مستوى الخفاء الأمني الذي كان عند الأئمة (عليهم السلام)؛ فحتى حواري أصحاب الإمام الكاظم والإمام الصادق (عليهما السلام) لم يكونوا على دراية بكامل أنشطتهم. كانوا في ظاهرهم مقيّدين، ولكن في باطن الأمر كانوا في قمة النشاط. هكذا هم الأئمة (سلام الله عليهم).

هذه الأبعاد يجب أن تُذكر، ولها شواهد في رواياتنا وكتبنا. فالإمام الصادق (عليه السلام) كان دائم النشاط والعمل، ولكن في خفاء، ولم يكن يكشف أوراقه كمثل كثير من الثوريين في زمانه الذين كانوا يكشفون أوراقهم بسرعة فيفشلون، بل كان متستراً في العمل، وفي قمة النشاط تحت الطاولة.

كما أنَّ الإمام الهادي (عليه السلام)، لا ريب أنَّ السيد عبد العظيم الحسني[15] كان على صلة وطيدة جداً به، وكونه وكيلاً له كان أحد أسباب ملاحقة الدولة العباسية له واغتياله. بل إنَّ السيد عبد العظيم الحسني كانت له علاقة بتنشئة الدول الزيدية، وهو الذي حرض على قيامها وانفصالها عن النظام العباسي مستقلة في شمال إيران، وبقيت منيعة إلى القرن السابع. وهذه خطوة إلى الأمام نحو التشيّع.

إنَّ صلة الإمام الهادي (عليه السلام) بعبد العظيم يمكن أن تُقرأ “قراءة مخابراتية”، فالتاريخ يُقرأ هكذا؛ من خلال تتبع الحلقات والبصمات لمعرفة التموجات والتداعيات. فالإمام الهادي (عليه السلام) بلا شك كانت له واجهات، وكان السيد عبد العظيم الحسني إحداها، وصلته بالإمام فوق الحسبان، وهذا محل اتفاق بين علماء الإمامية. وكذلك صلته بالسادة الذين قاموا بثورات في شمال إيران هي أيضاً متصلة ومؤكدة. فماذا تنتج من ذلك؟ الحر تكفيه الإشارة.

فأنت ترى أنَّ الأئمة (سلام الله عليهم) كانوا يعملون تحت الطاولة، وهذه سنتهم القطعية (صلوات الله عليهم).

فالإمام زين العابدين (عليه السلام)، مع كل ما كان يحيط به من جو بوليسي ورهاب وحذر وخوف، لم يكن ليعطّل المسؤوليات العامة لدار الإسلام ودار الإيمان.

زيادة على ذلك، يدخل الإمام زين العابدين (عليه السلام) الآن في باب الجهاد الابتدائي، وبيانه الذي سنقرأه لا يعطّله أيضاً.

وهنا يبرز الإشكال: كيف يدعو الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى عدم تعطيل الجهاد الابتدائي وزمام الأمور ليس بيده؟ هذه وقفة مهمة جداً.

قضية فيها نظر وجدل مع المشهور، ولكن عندما رأيت هذا الكلام من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، نبهني إلى سلسلة من الخيوط وقراءة جديدة، التفتُّ فيها إلى ما ذهب إليه السيد الخوئي، [16] ولكن بوجه آخر ذكره أخيراً، وسنذكره إن شاء الله.

المقصود: أن نلاحظ جو الإمام زين العابدين (عليه السلام)، إذ كان النظام الأموي يفرض جواً إرهابياً بوليسياً عنيفاً وشديداً عليه. وهذا أمر معروف لمن يقرأ التاريخ، ومن ثم ورد في أوصاف الأئمة عليهم السلام جملة من الروايات، حتى في الحديث القدسي، ما يعبر عن أن إمامة الإمام زين العابدين (عليه السلام) كانت مكتومة.[17] ورغم ذلك، لم يترك الإمام المسؤولية العامة، فضلاً عن مسؤولية الحراسة والدفاع والرباط والمرابطة وغيرها.

والشيء بالشيء يذكر: من الأوصاف المستفيضة في وصف الإمام الثاني عشر (عليه السلام) أنه “الإمام المرابط”. فإن قيل: ما معنى الإمام المرابط؟ قد يقول قائل: هو المنتظَر. قلنا: لا، بل للمرابط معنى أخص، وهو الذي به تتم حراسة دار الإسلام وبنيان الإسلام، وحراسة دار الإيمان وبنيان الإيمان خفاءً، بل وحراسة البشر والمستضعفين من المستكبرين والمتجبرين، وهو الإمام الثاني عشر (عليه السلام). ففي زمن الغيبة الكبرى، لا ينبغي أن يُظن أن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بمعزل عن هذه المسؤوليات، بل هو في قمة المسؤولية، وهو المرابط في الثغر الأكبر.

وهذا تعبير الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن الإمام المهدي (عليه السلام) في كتاب أصول الكافي، حيث يصفه بالمرابط.[18] فمسؤولية المرابطة والحراسة كلها واقعة على عاتقه. وهذا يوافق ما ورد في التوقيع الشريف المنسوب للناحية المقدسة: «إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ».[19] فالمسؤولية قائمة عند الإمام.

إننا نعد نهاية الغيبة هي الظهور، وليس نهاية الغيبة هي الحضور، وهذا خطأ شائع حتى في كلمات بعض الأعلام. فنهاية الغيبة هي الظهور، والظهور يعني أنه موجود لكنه محتجب، وهو في قمة المسؤولية. وقد ورد في الروايات ما يصفه بأنه أكبر مخاطر ومغامر، وأنه خواض الغمرات كما كان جده الحسين (عليه السلام). فهو في الغيبة الكبرى أكبر مغامر على الإطلاق لا يسبقه مجاهد. هذا هو الإمام، وليس إماماً جامداً أو متفرجاً، حاشا للإمام من ذلك.

وللأسف، إن كثيراً من الزيارات المأثورة للإمام المهدي (عليه السلام) يُطمس على هذه الأبعاد فيها فكرياً. مثال ذلك: ما ورد في زيارته: «السَّلَامُ عَلَى السَّيْفِ الشَّاهِرِ».[20] فالسيف الشاهر يعني قيامه بالحرب العسكرية، أما كيف يكون وقتها وتكتيكها، فهذا بحث آخر. فالنص يقول: «السَّلَامُ عَلَى السَّيْفِ الشَّاهِرِ»، لا السيف المغمود. هذا هو الإمام المهدي (عليه السلام).

ولذلك يصف الإمام زين العابدين (عليه السلام) حفيده الإمام المهدي (عليه السلام) في الرواية المتقدمة من الكافي بالمرابط. هذه أبعاد يجب أن نلتفت إليها. فإذا كانت المرابطة قائمة، فهي قائمة بإيمان صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، حجة الله في أرضه، وتشمل حراسة الأمن البشري كله، وليس فقط دار المسلمين، بل حتى دار الكفر؛ لأن في دار الكفر شعوباً مستضعفة مغلوبة على أمرها، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]. وإلا فإن العتاة والجبابرة يغشمون على شعوبهم وعلى غيرهم. وهذا كله يجري ضمن تدبير خفي، حتى في حكومات الكفر، من يأتي ومن يتقدم ومن يتأخر. وليس الأمر قصة معجزة، فالله تعالى أجرى الأمور بأسبابها.[21]

وقد يقول قائل: ما هذا؟ أليس الأمر “كن فيكون”؟ والجواب: ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) من أن الله لو كان يجري الأمور بـ”كن فيكون” على الدوام، لأجراها على سيد الرسل (صلى الله عليه وآله). وكما قالت فاطمة (عليها السلام) في خطبتها بعد أن مُنيت الأمة ببُهَم الرجال وذؤبان العرب وشرار أهل الكتاب.[22] فأمير المؤمنين (عليه السلام) من أول يوم إلى آخره كان في مخاطرة ومغامرة، هو وسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، فهما أكبر المغامرين والمخاطرين.

نرجع إلى كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو كلام في غاية الأهمية. هذا المقطع من دعاء الثغور فريد من نوعه. وقد تبين لنا كيف أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يغفل عن الحراسة والدفاع وسائر المسؤوليات.

وهنا يرد إشكال: إذا كانت الأمور ليست بزمام الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فلماذا يدعو للجهاد الابتدائي؟ وفي المقابل نجد الإمام الرضا (عليه السلام) ينهى عنه، وكذلك ورد عن غيره المنع، بينما الإمام زين العابدين والإمام الكاظم عليهما السلام يحثان عليه. فهل هذا تناقض بين الأئمة حاشاهم؟ لا بد من وجود تفصيل يجب أن ندركه للتوفيق بين هذه الأقوال.

إن نص العبارة في دعاء الثغور يكشف عن عظمة هذا الدعاء ودقته العجيبة، فإن فقه المقاصد لأبواب الجهاد والمسؤوليات الأمنية والعسكرية والسياسية موجود في هذا الدعاء الشريف العظيم. يقول (عليه السلام) في دعاء أهل الثغور:[23] > اللَّهُمَّ وَقَوِّ بِذَلِكَ مَحَالَّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَحَصِّنْ بِهِ دِيَارَهُمْ، وَثَمِّرْ بِهِ أَمْوَالَهُمْ، وَفَرِّغْهُمْ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ لِعِبَادَتِكَ، وَعَنْ مُنَابَذَتِهِمْ لِلْخَلْوَةِ بِكَ، حَتَّى لَا يُعْبَدَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ غَيْرُكَ، وَلَا تُعَفَّرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ.

وقوله “وقوِّ بذلك” إشارة إلى ما تقدم من إعداد القوة وإنماءها، لتصل إلى ذروتها، وهي الجهاد الابتدائي. وهذا ينسجم مع ما ذهب إليه السيد الخوئي من أن وظائف الدولة الإسلامية واجبة لا تتعطل، مما يقتضي وجوب قيام الدولة الإسلامية نفسها.[24]

ثم يصرح الإمام بالدعاء للغزو فيقول: > اللَّهُمَّ اغْزُ بِكُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

فهذه ليست مرابطة ودفاعاً، بل هو جهاد ابتدائي في زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام). إذن، كيف نوفق بين كلامه وكلام الإمام الصادق أو الإمام الرضا عليهما السلام؟ ليس هناك تناقض بين كلمات الأئمة، بل هناك تفصيل. ثم يكمل الدعاء: > اللَّهُمَّ وَأَمْدِدْهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِكَ مُرْدِفِينَ… اللَّهُمَّ وَعَمِّمْ بِذَلِكَ أَعْدَاءَكَ فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ، مِنَ الْهِنْدِ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالْخَزَرِ وَالْحَبَشِ وَالنُّوبَةِ وَالزَّنْجِ وَالسَّقَالِبَةِ وَالدَّيَالِمَةِ وَسَائِرِ أُمَمِ الشِّرْكِ، الَّذِينَ تَخْفَى أَسْمَاؤُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ، وَقَدْ أَحْصَيْتَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ، وَأَشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَتِكَ.

فذروة هذا الأمر، حسب كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) في زمانه، أنه لا يريد لهذا الواجب أن يتعطل. وفي رواية أخرى عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أنه سُئل عن شراء الجواري اللاتي سباهن بنو العباس في غزواتهم، فقال: «اشْتَرِ مِنْهُنَّ»، فقيل له: إنهم لا يراعون الأحكام والعهود مع الدول المشركة، فقال ما معناه: «قَدْ أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ».[25] وهذا النص مفتاح مهم، فصحيح أن ركوب موجة الجائرين والظالمين شيء، وأصل الفعل شيء آخر. والتفكيك بين الفعل وبين فاعله بحث نود أن نخوض فيه بشكل مفصل في الليلة القادمة، حيث نتعرض لكلمات المشهور وكلمات السيد الخوئي.

وإن كان بحثنا ليس في الجهاد الابتدائي بالذات، لكن إذا كان الجهاد الابتدائي، وهو أعلى نشاط وأخطره وأصعبه، يقول الأئمة عليهم السلام إنه غير معطل، فكيف بالأنشطة الأخرى الداخلية؟


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/XIhC5giSM0Q

 


[1] يُنظر: القمي، علي بن إبراهيم. تفسير القمي.. تحقيق سيد طيب الموسوي الجزائري، ط4، مؤسسة دار الكتاب، 1404 هـ، ج1، ص296، حيث يروي في تفسير الآية: «قال: جاهد الكفار بالمنافقين، يعني بأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن تبعه»
[2] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج64، ص199، باب “ذم الغفلة والنسيان”
[3] القمي، علي بن إبراهيم. تفسير القمي.. تحقيق سيد طيب الموسوي الجزائري، ط4، مؤسسة دار الكتاب، 1404 هـ، ج2، ص372
[4] مارية القبطية (رضي الله عنها)، إحدى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) وأم ولده إبراهيم.
[5] وهو الدعاء السابع والأربعون من الصحيفة السجادية.
[6] هو عبد الله بن عباس (ت 68هـ)، ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله) وأحد كبار المفسّرين والصحابة.
[7] يُراجع: الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص89، باب “العبادة”، ح5، حيث يروي عن أبي حمزة الثمالي قوله: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ…»، وفي روايات أخرى يصف ابن عباس شدّة عبادته واجتهاده
[8] يُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد. كامل الزيارات.. تحقيق عبد الحسين الأميني، دار المرتضوية، 1356 ش، ص257، باب85، ح1، حيث ورد في زيارته المروية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «…أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْوَفَاءِ وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النَّبِيِّ… وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ»
[9] ورد في زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام): «أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَعْطَيْتَ غَايَةَ الْمَجْهُودِ». ابن المشهدي، محمد بن جعفر. المزار الكبير.. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ، ص486
[10] الخوارزمي، الموفق بن أحمد. مقتل الحسين.. تحقيق محمد السماوي، ط1، أنوار الهدى، 1423 هـ، ج2، ص30
[11] ابن المشهدي، محمد بن جعفر. المزار الكبير.. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ، ص486
[12] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص288، ح435
[13] يُراجع: النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة.. تحقيق فارس حسون كريم، ط1، أنوار الهدى، 1422 هـ. الروايات التي تصف مرض الإمام (عليه السلام) يوم عاشوراء متعددة، وهو ما منعه من القتال وحفظ به نسل الإمامة
[14] هو السلطان علي بن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، أرسله أبوه إلى منطقة كاشان وفين بطلب من أهلها ليعلمهم أمور دينهم، فقاد حركة هناك وجاهد عسكرياً ضد ولاة بني أمية حتى استشهد في معركة غير متكافئة، ويعرف شهداؤها بـ”شهداء أردهال”.
[15] هو عبد العظيم بن عبد الله الحسني، من كبار المحدثين، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى (ع). كان من أصحاب الإمامين الرضا والجواد والهادي (ع)، وله منزلة عظيمة عندهم. هاجر إلى الري (طهران حالياً) ومات ودفن فيها، ومزاره اليوم من أعظم المزارات.
[16] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين، وصاحب مؤلفات أصولية وفقهية ورجالية مرجعية.
[17] ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «عَاشَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) أَرْبَعِينَ سَنَةً، تَقِيَّتُهُ فِي كِتَابٍ مَكْتُومٍ». الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص125، ح95
[18] روى الكليني عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول… فدعا علي بن الحسين ابنه محمداً فقال: «يَا بُنَيَّ… إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) لَمَّا قُبِضَ كَانَ النَّاسُ كَذَا وَكَذَا…» إلى أن قال في ذكر الأئمة: «…ثُمَّ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الْحُسَيْنِ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ، قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ… وَهُوَ الْمُرَابِطُ…». الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج1، ص535، ح1. مع اختلاف يسير في اللفظ
[19] الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج.. تحقيق محمد باقر الخرسان، ط1، دار النعمان، 1966 م، ج2، ص497
[20] المشهدي، محمد بن جعفر. المزار الكبير.. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ، ص579
[21] ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ». الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج1، ص183، ح7
[22] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله. شرح نهج البلاغة.. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، دار إحياء الكتب العربية، 1959 م، ج16، ص211. والنص فيه: «فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ وَمَأْوَى أَصْفِيَائِهِ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسِيكَةُ النِّفَاقِ… وَنَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِينَ، وَنَبَغَ خَامِلُ الْأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ، فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ، هَاتِفاً بِكُمْ…»
[23] الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع). الصحيفة السجادية.. دعاء رقم 27
[24] يُراجع: الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين.. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج1، ص365، كتاب الجهاد، مسألة 1
[25] لم يُعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، ولكن مضمونها يوافق قواعد فقهية مطروحة في باب الجهاد والسبي.