47/09/25
فقه العداوة بين المؤمنين (14) معرفة القواعد والوظائف العسكرية الأمنية
الأحد (25) رمضان 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 تعدد غايات الجهاد في دعاء الثغور
05:25 الآيات الدالة على إضعاف العدو
08:45 الجهاد ومعرفة القواعد الشرعية العسكرية والأمنية
10:00 الردع لأهل الغدر والخيانة لا الجنوح للسلم
17:40 الحيطة والحذر وضمان عدم مباغتة العدو
20:25 التقوي بالآليات المادية والنفسية في الحرب
20:26 حرمة نشر المعلومات الموجبة للإحباط والإرجاف
20:24 بين الحذر ونشر المعلومات الموجبة للإحباط والإرجاف
25:20 خطورة الجهل بالقواعد الشرعية العسكرية والأمنية
26:16 الصبر والثبات في المواجهة العسكرية بين الجانب المادي والمعنوي
29:00 ثلاث جولات في معركة أحد والنصر على يد أمير المؤمنين
34:13 معركة بدر الصغرى واختصاص مشاركة المجروحين
37:23 إعداد القوة مستدام وحرمة إضعاف الصف الداخلي
41:37 السيد الخوئي وفريضة إغاثة الشعوب المستضعفة
41:41 ضرورة التعبئة المستدامة في كل المجالات قبل الحروب
48:41 خطورة التخدير الفكري بين المؤمنين
50:38 استضعاف والاستكبار في المجتمع الدولي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقه الجهاد بين دعاء الثغور وآيات القرآن
في أثناء التعرض لدعاء الثغور للإمام زين العابدين (عليه السلام)[1] ، مر بنا أن هذا الدعاء الشريف يتضمن قواعد فقهية كثيرة؛ فصحيح أنه مصوغ بلسان الدعاء، ولكنه على أي حال يتضمن قواعد فقهية وعقائدية متعددة. وليست القضية مجرد فعل قلبي وعاطفي عبادي تجاه الساحة الإلهية، فهذا شأن، ولكن مع ذلك فيه جوانب أخرى متعددة.
غايات الجهاد في دعاء الثغور
فمن الجوانب التي يبينها الدعاء غايات الجهاد، سواء جهاد الثغور الذي هو الدفاع مثلاً، أم مطلق الجهاد. ففي الفقرة الخامسة من هذا الدعاء الشريف، تُذكر غايات من قبيل: «اللَّهُمَّ افْلُلْ بِذَلِكَ عَدُوَّهُمْ، وَأَقْلِمْ عَنْهُمْ أَظْفَارَهُمْ»[2] . فإضعاف العدو إذن من غايات الجهاد الدفاعي، بل مطلق الجهاد، كما في قوله (عليه السلام): «وَفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَسْلِحَتِهِمْ، وَاخْلَعْ وَثَائِقَ أَفْئِدَتِهِمْ»[3] . ويتضح من ذلك أن الحرب النفسية والحرب الإعلامية هي من ضمن أدوات الحرب مع العدو. ويواصل الدعاء: «وَبَاعِدْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوِدَتِهِمْ، وَحَيِّرْهُمْ فِي سُبُلِهِمْ»[4] ، وهو ما يشبه في عصرنا الحروب السيبرانية والإلكترونية. ثم يقول: «وَضَلِّلْهُمْ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَاقْطَعْ عَنْهُمُ الْمَدَدَ»[5] . فهذه جملة من الغايات المذكورة في الجهاد، وهي غايات مطلق الجهاد.
إضعاف العدو وشروط السلم في القرآن
ومن الآيات التي تتعرض لإضعاف العدو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ¤ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68]. ومقتضى ذلك أن التواني عن إضعاف العدو مع وجود القدرة، والتساهل في أسره، هو أمر عظيم يعاجل الله عز وجل بالعقوبة الدنيوية عليه. وفي سورة النساء أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104]. وكذلك آية النهي الأخرى في سورة محمد: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35].
والحاصل: أن الدعوة إلى السلم مع وجود القوة عند المؤمنين لا وجه لها.
فإن قيل: وماذا عن قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61]؟
قلنا: إن هذه الآية نزلت في ظرف لم يكن فيه المسلمون ذوي بأس وقوة. أما عند حصول البأس والقوة، فلا معنى للدعوة إلى السلم، ولا يزال العدو يبيت الغدر. وحينئذٍ تنطبق هذه الآية: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ¤ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 56-57]. واللطيف هنا أنه لا معنى للدعوة إلى السلم والمهادنة مع وجود القوة.
**
أهمية فقه السيرة النبوية في الجهاد
وفي نكتة لطيفة** في دعاء الثغور، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) إن من ضروريات الجهاد للقيادة العسكرية والمجاهدين أن يفقهوا قواعد السيرة النبوية في الجهاد العسكري. وهذا التعبير دقيق جداً؛ فالجهاد ليس مجرد بذل النفس وما شابه ذلك، بل هو منظومة متكاملة، لأنه إذا كانت لديك قوة، فكيف تدعو للهدنة؟ يقول (عليه السلام) في دعائه للقائد العسكري: «وَعَلِّمْهُ السَّيَرَ وَالسُّنَنَ، وَسَدِّدْهُ فِي الْحُكْمِ»[6] . فالتصميم العسكري والعزم القتالي يريد له سنناً وسيراً وقواعد. ومن أحكام الجهاد ما قرأناه في الآية الكريمة: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35]. فإذا كانت لديكم قوة، فكيف تقبلون الهدنة والفدية وما شابه ذلك قبل إنهاك العدو؟ وهذا شبيه بالآية التي مرت بنا.
إذن، الجهاد العسكري والمواجهة العسكرية لهما قواعد، كما أن للسلم قواعده وشروطه، وللجهاد شرائطه من حيث الزمان والكيفية والمكان. فأما قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]، فهذا كان في مرحلة لم يكن للمسلمين فيها بأس وقوة. أما إذا صاروا ذوي بأس وقوة، فيجب أن يحققوا غايات الجهاد التي منها ردع العدو: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 57]. فقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي في الحرب العسكرية، فالتشريد يعني التنكيل بهم بقوة. ومن صفات الله عز وجل التي يجب أن نتخلق بها قوله في الدعاء: «يَا أَشَدَّ الْمُعَاقِبِينَ»[7] . ولكن متى؟ في موضع النكال والنقمة. وحيث إنها صفة من صفات الله، فإن التخلق بأخلاق الله يكون بحسب الضوابط والقواعد الموجودة في باب الجهاد. ولذلك يؤكد الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن حتى القتال والدفاع العسكري له قواعد.
فإذا دعوت إلى السلم وقد غدر بك العدو، فالحكم يختلف. لاحظ في سورة الأنفال أن أهل الفجور لا ذمة لهم ولا وفاء، وهم لا يتقون. هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾، فلا يُقبل منهم سلم ولا مهادنة، بل يُردعون ردعاً يتوبون به؛ إذ لا يخفرون الذمم ولا وفاء لديهم.
**
سياسة التعامل مع العدو وتصنيفاته
بينما** قوم آخرون لا يُعرف عنهم غدر أو خيانة، وبينك وبينهم عهد وهم لا يغدرون. وقسم ثالث ليسوا غدارين، ولكن هناك خشية من أنهم قد لا يلتزمون بالمعاهدات. ففي مواجهة العدو، يجب أن ندرك أنه ليس على نمط واحد، بل هو أقسام. وهذا هو معنى السنن التي هي في حقيقتها سياسة عسكرية وتدبيرية أمنية.
فالقسم الأول: الذين صدر منهم الغدر مرة بعد أخرى، وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: 56]. هؤلاء لا منطق للتعامل معهم إلا الحرب والردع، فغاية التعامل معهم هي الردع وليس السلم.
أما القسم الثاني: وهو الذي لم يصدر منه غدر قط، وبينكم التزامات وعهود، ولكن ظهرت بوادر تدل على وشك الغدر. هنا ماذا نصنع ونحن ملتزمون بمعاهدة؟ لكي لا يكون الغدر من طرفنا، فإن الغدر مع أهل الغدر وفاء عند الله، وليس الغدر مع أهل الالتزام، ولا يجوز أخذ الآخرين بالظنة. لذلك يعالج القرآن هذا القسم في نفس سورة الأنفال بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]. فلا يجوز الغدر بهم، بل يجب إعطاؤهم إنذاراً بانتهاء المعاهدة، وتخييرهم بين أمور ترفع عن المسلمين شر خطرهم، وإلا فبينكم وبينهم القوة والحرب. أما إذا كانوا هم من خان عدة مرات، فبماذا تلتزم لهم وهم أهل غدر وفجور؟ إذن هناك قسمان على الأقل في التعامل.
وتستمر الآيات في سورة الأنفال بالتوصية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ¤ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 59-60]. فالهدف هو ردع عدو الله وعدوكم، والترهيب يعني الردع. يجب أن يكون الردع بهذه الدرجة والقوة رادعاً لأي عدو عن أن يفكر في الغدر أو المهاجمة. إذن، هذه قواعد عديدة موجودة.
ومن ضمن السنن التي ذكرها الله عز وجل في القتال، والتي أشار إليها الإمام في دعاء الثغور بقوله: «وَعَلِّمْهُ السَّيَرَ وَالسُّنَنَ، وَسَدِّدْهُ فِي الْحُكْمِ»، ما يلي: - أولاً: إزاحة العدو ودفعه، لقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. - ثانياً: الردع، الذي قرأنا آيات كثيرة فيه، وهو ما أشار إليه الإمام زين العابدين (عليه السلام). - ثالثاً: تحقيق الضمان من خداع العدو أو غدره، وهو من أهداف الدفاع والحرب العسكرية، قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]. فيجب قطع جانب احتمال الخطر، فالردع بهذا المعنى هو ضمان من عدم مباغتة العدو أو خداعه. - رابعاً: إضعاف العدو، كما مر بنا، وهو أيضاً مذكور في دعاء الثغور.
الإعداد المادي والنفسي وتحريم الإرجاف
ومن ضمن الفقرات التي تعرضنا لها في الليالي السابقة في دعاء الثغور، أن المجاهدين في القتال يجب أن يتحلوا بآليتين: الآليات المادية، أي الإعداد المادي، والإعداد النفسي، ولا بد من كليهما، فلا يكفي أحدهما دون الآخر. ففي سورة الأنفال مثلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65]. فالتحريض هنا يعني التعبئة.
وعليه، ففي جو الحرب العسكرية، تكون الوظيفة هي التعبئة وليست التثبيط أو الإرجاف، فهذا غير جائز. وقد يقول قائل: نحن ننقل المعلومات الحقيقية. ولكن هناك فرق بين نقل المعلومة وبين من تُنقل له؛ فنقلها للجو العام يسبب الإرجاف، وهو حرام حتى لو كانت المعلومة حقيقية، كما في قوله تعالى: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60].
فهذه قواعد يجب مراعاتها، لا سيما في أيام الحرب. فالإعلام له قواعد، وكل شيء له قواعد. أما بث الأخبار بشكل منفرد دون ضوابط فلا يجوز. وقد سمى القرآن ذلك إرجافاً، وهو نوع من بث الرعب في الصفوف الداخلية بدلاً من صفوف الأعداء. وقد يظن فاعله بحماقته أن هذا من باب الحذر، ولكن الحذر شيء، وبث المعلومة في الجو العام شيء آخر. وهذه القواعد العجيبة الغريبة في أيام الحرب العسكرية، بل حتى في إرهاصاتها، هي قواعد مطلقة.
لأنَّ الحرب النفسية والإعلامية تفت في عضد المسلمين والمؤمنين. والحذر وإن كان شيئاً مطلوباً، لكن ما هي ضابطته وآليته؟ فربّ من أراد أن يكحلها أعماها، إذ من لا يحسن التدبير والتصرف يقع في الخطر، حتى لو كانت نيته ساذجة. بينما الوظيفة في أيام الحرب، أو في موارد معرض الحرب، أو موارد عدم الأمان، أن يُلقى الرعب في الطرف الآخر، لا في الوسط الداخلي.
فائدة: هذه قواعد متعددة تُذكر في الدعاء الشريف وفي الآيات، وهو أمر عظيم، فكأنما التاجر إذا لم يتعلم فقه المتجر فهو فاجر. وكذلك المجاهد إذا لم يتعلم منظومة قواعد المواجهة مع العدو من الكتاب والسنة، فهذا أمر خطير. وقد مرّ بنا أن الحذر شيء والإرجاف شيء آخر؛ فالحذر معلومة لديك، حتى لو كانت محتملة الصدق والكذب، ولكنك توصلها إلى المعنيين، ولا تبثها في الجو العام، فإنَّ في ذلك إضعافاً لصفوف المؤمنين.
فالوظيفة في الجو العام قد مرّت بنا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]. وهنا يلاحظ أن الله عز وجل جعل معيار الغلبة عددياً، بحيث يغلب المؤمنون عشرة أضعاف عدوهم إذا كان الصبر موجوداً، فهذا الصبر يقابل عشرة أضعاف السلاح المادي؛ فما عجز البدن عما قويت عليه الروح. ثم قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]. وهذا الضعف المشار إليه هو ضعف نفسي كما هو واضح. فيتضح من هذا الجانب أن القوة المعنوية والقوة المادية كلتيهما مهمة في رباطة جأش الجيش.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]. فقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي قدرتم عليهم في الجولة الأولى، ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾، فإنَّ النزاع مؤداه الفشل. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي عصيتم الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث لم يلتزم الرماة بأمره. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾، وهنا تكمن المشكلة، فإنَّ حب الدنيا هو الذي يوجب الهزيمة في صفوف المؤمنين، فممن شهد أحداً من يريد الدنيا، وهذه مشكلة تسبب الفشل. ثم إنَّ قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ يشير إلى أنه قد حصل نصر ثانٍ للمؤمنين على يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن المصادر التاريخية تغيّب هذا الدور لما كان لعلي (عليه السلام) من بطولات.
وقد يُسأل: كيف تحقق صرفهم عن المسلمين؟ هل أصبحت قريش فجأة تتصف بالنـزاهة فلم تغير على المدينة بعد انتصارها الظاهري؟ إنَّ من يمثل بجثمان حمزة (عليه السلام) بتلك الدناءة، هل يُتوقع منه أن يرعى شرفاً ويحفظ أعراض المسلمات في المدينة؟ لا معنى لهذا. فالواضح أنه قد حصل نصر ثانٍ على يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو ما أدى إلى انصرافهم. وهذا المقطع من وقائع أُحد قد حُذف من كثير من المصادر. فهم في آخر لحظات الجولة التي كانت لهم، كانوا يمثلون بجثمان حمزة (عليه السلام)، وهكذا كانت دناءتهم، فهل يبقى معها شرف يُرتجى؟
والحاصل: أن العوامل المادية والمعنوية مؤثرة جداً في قواعد الحرب والعسكرة، ورعايتها أمر مصيري لا يقل أهمية عن أصل السلاح. وقد وردت روايات عديدة ومفصلة فيما سرده العلامة المجلسي[8] عن واقعة أُحد في بحاره، [9] وكذلك في زيارة الإمام الهادي (عليه السلام) لجده أمير المؤمنين (عليه السلام) المعروفة بالزيارة الغديرية، [10] حيث يُذكر أنه وقع أولاً نصر للمسلمين، ثم صارت الجولة للكافرين، ثم نصر الله المؤمنين بعلي (عليه السلام) في أُحد، حتى إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وجدهم يفرون. فالمقصود أن القضية مفصلة في مظانها.
ومن الشواهد الأخرى: أن واقعة بدر الصغرى[11] وقعت بفاصل يسير عن أُحد. وفي هذه الواقعة لم تثبت قريش، بل فرّت وانهزمت. فإذا كانوا هم المنتصرين في أُحد، فكيف يُرعبون ويهربون؟ واللطيف أن الله عز وجل أمر ألا يشارك في بدر الصغرى أحد من الذين فرّوا في أُحد، وقد كان منهم من له مكانة في الصحبة. فنهى الله عز وجل أن يشارك فيها إلا من جُرح. وعليه، كان جيش المسلمين في بدر الصغرى أقل عدداً منه في أُحد، فإذا كانت نهاية المسلمين في أُحد هي الهزيمة، فكيف استطاع جيش أقل عدداً أن يُرعب قريشاً فلا تثبت أمامه؟ يتضح من ذلك أن النتيجة لم تكن هزيمة للمسلمين، بل كانت نصرة لهم تحققت بأمير المؤمنين (عليه السلام). حتى ورد في رواياتنا أنه في أواخر معركة أُحد أخذ جبريل (عليه السلام) يلاحق فلول قريش بصورة أمير المؤمنين (عليه السلام).[12] وعلى أي حال، فإنَّ تفاصيل القصة مبثوثة في محلها.
وقد مرّ بنا أن الفرار من الزحف من كبائر المحرمات، فالذين فرّوا ممنوعون من المشاركة، إلا من ثبت. وهذا قيد وشرط. وقد مرّت بنا عدة آيات تحرم الإضعاف في الحرب العسكرية.
والقاعدة: أن إضعاف حومة المسلمين والمؤمنين حرام. فمن جانب يأمر الله عز وجل بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، فمخالفة هذا الأمر والسعي في الإضعاف يعد من كبائر المحرمات. فالأمر بالإعداد، والاستضعاف أو الإضعاف لحرمة المسلمين والمؤمنين من أكبر الكبائر، والإعداد من أعظم الواجبات.
فإن قيل: لماذا التعبئة العسكرية للبلد؟ قلنا: إنَّ محيطك كله بؤر عسكرية، والمنطقة برمتها كذلك، فما معنى الغفلة عن هذا الواقع؟ إنَّ الشعارات التي تخدر الجو العام بالغة الخطورة، وهي أعظم من السم، وأشد فتكاً من أي شيء يفت في قوة المسلمين والمؤمنين.
وآية أخرى تقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: 104]. فلا تفتحوا باباً للوهن. وهذا الحكم يصب في نفس مصب قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾. وآية أخرى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. فما الموجب للحزن والوهن؟ إذا كنت مؤمناً، فليس المطلوب منك أن تقوى على عدوك فحسب، بل أن تغيث غيرك. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يجوز بث الوهن داخل حومة المسلمين والمؤمنين؟
**
وجوب الإعداد المستمر ونصرة المستضعفين
ولهذا** يرى السيد الخوئي[13] (رحمه الله) وجوب إنقاذ المستضعفين في زمن الغيبة الكبرى حتى لو كانوا من الشعوب الأخرى، ويرى أن هذا فرض غير ساقط بغيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه، ولو كان هذا الرأي على خلاف المشهور بين علماء الشيعة. ويرى السيد الخوئي أنه مع وجود القوة، تجب هذه الفريضة كل عام، بحيث يجب أن يكون من المسلمين أو المؤمنين مدد عسكري وأمني للشعوب المستضعفة.[14]
وسنأتي للبحث عن هذا في سياق الدعاء الشريف، ونعقد له بحثاً مفصلاً في الليلة القادمة إن شاء الله. ولكن الذي نريد قوله الآن هو أن الإضعاف في الصف الداخلي، وبث الوهن والجمود والبرود، محرم لا في أيام الحرب فحسب، بل مطلقاً؛ لأن الاستعداد والتعبئة يكونان قبل الحرب لا حينها، وهذا بمثابة ضمانة دفاعية استباقية. فالمطلوب هو: أعدوا كي تردعوا العدو عن أن يغزوكم أو يحاربكم. فالتعبئة واجب مستدام غير مرهون بوقوع الحرب.
ومثال ذلك: أن بعض الدول كانت لديها تعبئة لكل فرد من مواطنيها على الدفاع المدني، فلما وقعت الحرب كانت مستعدة. هذا هو معنى الاستعداد المسبق، لا أن يقع الحدث وتقع المصيبة ثم يُعلن النفير العام، فهذا تدبير خاطئ، إذ إنَّ كلفته تكون باهظة جداً.
وهنا يبرز تساؤل أمام بعض النغمات التي تروج للضجر من الاستعداد العسكري: هل القوة حرام؟ وهو أمر عجيب حقاً، فكيف يتم تخدير الجو العام بمثل هذه الأفكار؟
وهذا هو ما يذهب إليه السيد الخوئي[15] ، وهو رأي بيّن له بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر الفقهية الأخرى. وعليه، فإذا كان هذا الواجب ثابتاً، فإنَّ مقتضى ذلك هو لزوم إعداد القوة، وفي مقابل ذلك يقبح بث الأفكار المخدرة؛ فإنَّ المخدرات الفكرية التي تصيب العقول أخطر من المخدرات التي تصيب الأبدان.
وقد يُطرح إشكال: بأنَّ هذا المنطق يدعو إلى عسكرة البلد. والجواب: أنَّ البلد يجب أن يكتسب قوةً عسكرية، فما المانع من ذلك؟ إذ لا تعارض بين المسارات المختلفة؛ فيبقى مسار الإنماء المدني والتعليمي والصحي وسائر المجالات على حاله، ويسير إلى جانبه مسار بناء القوة العسكرية على حاله. إنَّ من يتأمل في تاريخ المنطقة يجد أنَّ القوى التي تدعو اليوم إلى نزع السلاح هي بعينها التي سلّطت الأنظمة البائدة على دماء المؤمنين طيلة ثلاثين أو أربعين سنة. وهم أنفسهم يقرّون في كتبهم ومذكراتهم بأنَّهم كانوا يزودون تلك الأنظمة بأحدث أساليب القمع والإرهاب، ولولا ذلك الدعم لما كانت لتلك الأنظمة قوة ولا إدارة ولا تدبير. ومع ذلك كله، يُراد لنا أن نطمئن إليهم اليوم.
وتأكيداً لهذا المعنى، تبيّن الآية الكريمة أنَّ الله عز وجل لا يعذر يوم القيامة من رضي بالاستضعاف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. فكيف يسوّغ الإنسان لنفسه أن يكون مسخراً للظالم، ويمكّنه من ظلم نفسه؟ وإذا تتبعنا آيات تخاصم أهل النار في القرآن، نجد هذا المنطق حاضراً بقوة، حيث لا يُقبل عذر التابعين في تبعيتهم للمستكبرين. ومن ذلك قوله تعالى في محاجتهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ¤ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: 47-48].
وهنا يثار تساؤل حول مصطلح “المجتمع الدولي”؛ فلماذا يُطلق هذا الاسم على البشرية جمعاء؟ إنَّما سُمي مجتمعاً لأنَّ البشر لا بد لهم من الاجتماع والتعامل والتعارف والتعايش. فإذا كانت البشرية مجتمعاً واحداً، فلا ينبغي أن نضيق الصورة على مجتمع في أرض واحدة، بل الكرة الأرضية كلها مجتمع. وعليه، فإنَّ منطق مستضعفي الأرض الذين يقولون: “ما نقدر”، وهو ما حكاه القرآن عن بني إسرائيل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22]، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، هو منطق مرفوض. فكيف والحال أنَّ النبي موسى (عليه السلام) قد أُمر بجهاد الجبارين؟
إنَّ سيرة الأنبياء عليهم السلام قائمة على مواجهة القوى العظمى في زمانهم؛ فمسؤولية النبي موسى (عليه السلام) كانت مع فرعون ثم مع الجبارين، والنبي إبراهيم (عليه السلام) كانت مواجهته مع النمرود. وهكذا هو دأب الأنبياء جميعاً. وما يُشاع عن النبي عيسى (عليه السلام) من أنَّه لم يجاهد جهاداً عسكرياً هو قول غير دقيق، بل جاهد جهاداً عسكرياً بحسب ما تقتضيه ظروف دعوته.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة: