الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/17

بسم الله الرحمن الرحيم

#درس_العقائد

#درس_العقائد_1447هـ

#فقه_العداوة_بين_المؤمنين

فقه العداوة بين المؤمنين (11) حرمة الهدنة والصلح مع القوة

السبت (17) رمضان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 الامام الحسن(ع) شرط الهدنة والسلم مع عدم القوة

04:15 الحكم الأولي القتال في سبيل الله مع وجود القوة

10:03 المنازلة مع العدو بحسب القدرة المادية والنفسية

10:04 النصر في المعركة بحسب القدرة النفسية لا المادية حصراً

16:00 مواجهة الأمة لمشروع السقيفة

16:01 أمير المؤمنين (ع) وعدم الاستكانة لا جليس الدار

19:47 الهدنة والسلم بحسب قدرة المؤمنين على تحمل المسؤولية

24:35 غاية الجهاد الدفاعي الردع والدفع والرفع

27:18 حرمة الفرار ليس هدفها الدفع بل الردع أيضاً

30:00 جهاد المواساة - عظمته على جهاد الدفاع

30:01 صعوبة التفسير الفقهي لسيرة الامام الحسين والأئمة (ع)

30:02 أبعاد جهاد المواساة عند أهل البيت (ع)

30:01 تعدد فلسفات فقه المقاصد جهاد المواساة

35:37 فتوى السيد محسن الحكيم عن المسؤولية العامة

39:28 مراد الفقهاء والاطلاع على الأبواب الفقهية

43:09 تعدد أدوار ومواقف الباقر والصادق والأئمة(ع)

43:10 جهاد المواساة والتضحية لإحياء القيم والمبادئ

45:49 ضرورة مواصلة الحرب مع القوة لتحقيق الردع

45:50 الحرب الاستباقية والجهاد الدفاعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ضوابط السلم والحرب في ضوء بيان الإمام الحسن وسيرة المعصومين

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء وأشرف المرسلين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين، وعجل فرجهم وفرجنا بهم.

كان الكلام فيما ذكره الإمام الحسن (عليه السلام) من أنَّ الهدنة مع العدو أو إيقاف الحرب، إنَّما يُركن إلى ذلك فيما إذا لم تكن هناك قوة أو قدرة كافية، وإلا فمع وجود القدرة والقوة فلا هدنة مع العدو ولا سلم.

القاعدة الأساسية: الصلح عند الضعف والقتال عند القوة

وعليه، فإنَّ عموم قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]، يُحمل على ما بيّنه الإمام الحسن (عليه السلام). خلافاً لما يُشاع من أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد اتخذ من عدم الحرب والصلح والهدنة نهجاً أولياً أساسياً؛ إذ إنَّ بيانه الذي سنقرؤه لاحقاً، سواء في شأن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) حين هادن وصالح، أم في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أم في شأنه هو، يؤكد أنَّ الركون إلى الصلح أو الهدنة إنَّما يكون مع عدم وجود القوة لدى معسكر المسلمين والمؤمنين، وإلا فالفرض هو الضغط لردع العدو أو دفعه عن عدوانه. فعموم دفع العدو ومقاومة الاعتداء حكم أولي باقٍ على حاله، وإنَّما يُصار إلى الهدنة أو السلم أو الصلح في حال الضعف وعدم القوة.

وعلى هذا، فإنَّ الآية الكريمة المذكورة إنَّما هي في هذا المورد حسب ما يبينه الإمام الحسن (عليه السلام). كما أنَّ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77]، يندرج في السياق نفسه.

وكذلك الحال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35]. وهذه الآية أيضاً مطابقة لما بيّنه الإمام الحسن (عليه السلام) من أنَّ السلم إنَّما يُصار إليه مع الضعف، وإلا فمع القوة لا تُفتح صفحة السلم أو الهدنة أو إيقاف الحرب مع العدو، بل يلزم ردعه عن عدوانه.

وقد شرح الإمام الحسن (عليه السلام) آية ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ بأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم إنَّما كفّ يده عن قريش لعدم وجود الأنصار له في مكة، وإلا لجاهدهم فيها.

فالحاصل أنَّ جملة من الآيات والروايات تطابق ما بيّنه الإمام الحسن (عليه السلام) من أنَّ الهدنة والصلح مع العدو إنَّما يُصار إليهما في حال الضعف. ويدعم هذا البيان، بالإضافة إلى ما تقدم، قوله تعالى الذي مرّ ذكره: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.

والنتيجة: أنَّ التكليف الأولي مع وجود القدرة أو احتمال الظفر هو عدم الركون إلى السلم والهدنة، بل استعمال القوة العسكرية والضغط بها. وهذا ما تفسره الآيات الكريمة، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، بمعنى اتركوا الحرب، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾.

فالحاصل: أنَّ الهدنة والصلح إنَّما يُصار إليهما مع الضعف، وإلا فالحكم الأولي هو القتال، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75]. فالحكم الأولي هو الضغط بالقتال لدفع العدوان والظلم والجائرين، فكيف يُصار إلى الهدنة وأخذ النفس، والحال أنَّ معسكر الحق هو الأقوى؟

والجمع بين الآيات: يتم بحمل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ على حال الضعف وعدم القدرة، كما بيّنه الإمام الحسن (عليه السلام)، وذلك للتوفيق بينه وبين العمومات الأخرى الداعية للقتال وإقامة القسط، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135].

وشاهد آخر على ما ذكره الإمام الحسن (عليه السلام) نجده في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فالآية واضحة في التفصيل بين حال القوة والضعف. وكذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65].

وهنا نكتة تستدعي التأمل: لماذا حُدّدت الأعداد بهذه الصورة؟ ولماذا جاء التحديد الآخر في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]؟ فما هو الفرق بين نسبة عشرة أضعاف ونسبة ضعفين؟

والسؤال: أنه حتى في حال القوة، حين ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، لماذا قيل مئتين؟ ولماذا لم يقل أربعمئة أو خمسمئة؟ مقتضى ذلك أنَّ المناجزة والمنازلة تكون بحسب القدرة. وهذا الضعف المذكور في قوله: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ قد لا يكون ضعفاً مادياً فحسب، بل قد يكون ضعفاً نفسانياً ووهناً. وسواء كان الضعف مادياً أم نفسانياً، فإنَّ المواجهة للعدو مقيدة بالقدرة، وليس المراد القدرة البدنية والمادية فقط، بل القدرة النفسية أيضاً، التي ربما تكون أهم من القدرة المادية.

وهنا إشكال: هل حرمة الفرار من الزحف مطلقة أم مقيدة بهذه النسب؟ لعل كثيراً من الفقهاء قيدها بذلك، فهل يحرم الفرار إذا كان العدو يزيد على ضعف الضعف مثلاً؟[1]

إنَّ الآية الكريمة: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، كأنَّها تكليف من الله للمؤمنين بأنَّهم بسلاحهم الإيماني وعقيدتهم هم أقوى من العدو، حتى مع تساوي القوة المادية، بل وحتى لو تفوقت قوة العدو المادية. ففي معركة بدر كان عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، مع تفوقهم في العُدّة والفرسان.

فالمقصود أنَّ جملة من الآيات تبين أنَّ عامل القوة ليس مادياً فقط، بل العامل المعنوي هو الأهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146].

فائدة: ينزه الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة يوم الغدير ساحة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) في واقعة السقيفة عن أن يكون قد استكان، فلا هو استكان ولا ضعف ولا وهن، وإنَّما كانت هدنته لحكمة أمره الله ورسوله بها، كي لا يرتد الناس عن دينهم. وإلا فهو بمفرده كانت له القدرة، ولكنَّها كانت مشروطة بموقف الناس ومسؤوليتهم. فالاستكانة هي الجمود وعدم النشاط، بينما لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) طيلة الخمس والعشرين سنة جليس البيت كما يُدّعى، بل كان فاعلاً ونشطاً، حتى إنَّ الأمة نفسها هي التي قوّضت مشروع السقيفة. فإذا دققنا النظر، نجد أنَّ مشروع السقيفة لم يستمر، وبدأت بوادر الاعتراض عليه منذ مقتل عمر بن الخطاب. وهذا ببركات وجود أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان مصداقاً لقوله: «كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ».[2]

وعليه، فإنَّ معنى ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ هو عدم الخضوع والسكون. فالإمام الهادي (عليه السلام) ينزه جده المرتضى عن الاستكانة أو الوهن أو المداهنة في السقيفة، وإنَّما كان موقفه لحكمة معينة، ولأنَّ الأمة كانت متقاعسة أو خائرة.

والحاصل: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) يضع ضابطاً واضحاً، كما ورد في رواية مسندة إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب الأمالي للشيخ الطوسي، [3] أنَّه لما أجمع على صلح معاوية، خطب خطبة مفصلة ذكر فيها: «وَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حِذَاراً مِنْ قَوْمِهِ إِلَى الْغَارِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ وَيَدْعُو إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً كَفَّ عَنْهُمْ، وَلَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً لَجَاهَدَهُمْ».

ثم يكرر الإمام الحسن (عليه السلام) الضابط نفسه في شأن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقول: «وَقَدْ كَفَّ أَبِي يَدَهُ وَنَاشَدَهُمُ اللَّهَ وَاسْتَغَاثَ أَصْحَابَهُ فَلَمْ يُغَثْ وَلَمْ يُنْصَرْ، وَلَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً مَا أَجَابَهُمْ، وَقَدْ جُعِلَ فِي سَعَةٍ كَمَا جُعِلَ النَّبِيُّ فِي سَعَةٍ».

فالقاعدة إذن: أنَّ المؤمنين لا يداهنون الظلم والطغاة والجائرين إذا تمكنوا من جمع القوة. فالقضية مرتبطة بالقدرة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له أيام السقيفة: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً… نَهَضَ فِي جَنَاحِهِ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ».[4]

ويقول الإمام الحسن (عليه السلام): «وَقَدْ خَذَلَتْنِي الْأُمَّةُ وَبَايَعَتْكَ يَا ابْنَ حَرْبٍ، وَلَوْ وَجَدْتُ عَلَيْكَ أَعْوَاناً يُخْلِصُونَ مَا بَايَعْتُكَ». فلو وجد الأعوان لما كانت هناك بيعة، وهذا يعني أنَّ الهدنة والسلم لا تكون مشروعة مع وجود القوة، وإنَّما تكون مع تكافؤ القوة أو ضعفها، وهذا بحث آخر.

وقد جعل الله عز وجل هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه، وكذلك أنا وأبي في سعة حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد عليهم أعواناً، وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً[5] .

غاية الجهاد: الردع وليس مجرد الدفع

وهذا تقييد بيّن من الإمام الحسن (عليه السلام)، سواء في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أم في عهد أمير المؤمنين، أم في عهده هو (عليه السلام). والآيات أيضاً دالّة على ذلك، ومفادها أن الغاية والقصد، بل فقه المقاصد من الجهاد الدفاعي، هو الردع وليس مجرد الدفع؛ فثمة دفع وردع، وليس مجرد الدفع، وفرقٌ بينهما.

فائدة: في مصطلح علم الأصول، يُطلقون على ما نسميه “الردع” اسم “الدفع”، ويطلقون على ما نسميه “الدفع” اسم “الرفع”. فالدفع في اصطلاح الأصوليين هو الوقاية السابقة على وقوع الأمر، وأما الرفع فهو علاج الأمر بعد وقوعه. ولا ريب أن الدفع بمصطلحهم، أي الوقاية، خير من الرفع، أي العلاج.

والحاصل: أن الهدف من الدفاع هو الردع لا مجرد الدفع. وتشهد لذلك الآيات التي تلوناها، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال - 64]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأنفال - 65].

وقد بحث الفقهاء في أن حرمة الفرار من الزحف، المنصوص عليها في مثل قوله تعالى: ﴿…وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ… فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ…﴾ [سورة الأنفال - 16]، مقيدة بهذا القيد العددي أم لا. فذهب البعض إلى أن ملاك حرمة الفرار ليس هو الدفع، بل حكمته هي الردع؛ بمعنى أن يرى العدو أن هؤلاء القوم مستميتون في طلب القتال والشهادة. فإذا كان هدف حرمة الفرار هو الردع، فإنها لا تتقيد بعدد ولا تتحدد بشيء، لأن نفس الاستبسال والشهادة رادع يخيف الخصم.

تنبيه: ذهب البعض إلى القول بوجوب المواساة، وهو باب لم يعنونه الفقهاء بعنوان مستقل تحت مسمى “جهاد المواساة”، مع أن هذا المفهوم مستفيض في النصوص القرآنية والروائية. وهو قسم مغاير لجهاد الدفاع والجهاد الابتدائي وجهاد الدعوة. وحكمة هذا الجهاد ليست الدفع ولا الردع، بل حقيقته هي المواساة عينها.

ومثال ذلك: منطق الجهاد في كربلاء، بدءاً من سيد الشهداء صلى الله عليه وسلم ومروراً بالعترة الطاهرة والأنصار، إذ لم يكن هدفهم الدفع ولا الردع، لعلمهم بمآل المعركة. بل كان الهدف هو أن يُقتلوا مع الحسين (عليه السلام)، وأن يستشهدوا كما يستشهد إمامهم.

وقد اعترف الفقهاء قاطبة، ومنهم صاحب الجواهر[6] ، بعجزهم عن تقديم تفسير فقهي دقيق وشامل لسيرة الحسين بن علي عليهما السلام. فنهضته (عليه السلام)، التي قدّم لها وجوهاً متعددة كقوله: “إن الله شاء أن يراني قتيلاً”، هي عملية استشهادية يستبسل فيها المجاهد في مقارعة العدو حتى الشهادة. وفيها يواسي الإمام الحسين (عليه السلام) جده المصطفى، ووالده المرتضى، ووالدته الصديقة الطاهرة، على ما أصاب الدين من تحريف في مسيرته، وهو أعظم خطب.

إن فلسفة المواساة لا تقتصر على تخفيف الحزن عن الطرف الذي تواسيه، بل لها فلسفات وجهات عديدة، منها: - إحياء المبادئ في النفوس. - إعداد القوة على المستوى البعيد. - الدفاع عن الدين على المستوى المعنوي والبعيد، وليس على المستوى المادي القريب. وهذا المبحث في “جهاد المواساة” لم يخض فيه الأعلام كثيراً للأسف، مع أنه في غاية الأهمية.

فإن قيل: ألا يندرج هذا تحت باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه المعروفة؟ قلنا: إن السيد محسن الحكيم[7] (رحمه الله) له فتوى شهيرة، نقلها عنه الشيخ عبد الهادي الفضلي[8] في كتابه في انتظار الإمام[9] ، رداً على استفتاء وُجّه إليه وإلى جملة من فقهاء النجف كالسيد عبد الهادي الشيرازي[10] ، حول تضحيات أمثال ميثم التمار[11] وحجر بن عدي[12] ورشيد الهجري[13] ، التي تبدو بحسب الشروط الفقهية الظاهرية كأنها إلقاء للنفس في التهلكة. فكان مضمون جوابه أن تلك الشرائط التي ذكرها الفقهاء إنما هي للفقه الفردي، والنزاعات الدنيوية، والأمور الدينية البسيطة. أما إذا تعلق الأمر ببيضة الإسلام وأصل الدين، فإن هذه الشرائط لا تكون معتبرة.

قصور الفقه المدون عن استيعاب الأبعاد السياسية

وقد صرّح السيد محسن الحكيم بكل وضوح أن ما دُوّن في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس في صدد معالجة الأبعاد الاجتماعية والسياسية الكبرى، فضلاً عن أصل العقيدة الدينية. وهذا يدل على أن أبواب الفقه السياسي لم تُنقّح بالكامل، وأن تلك الشرائط ليست كلية في جميع موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما أشار إليه غيره من مراجع النجف أيضاً.

وهنا تكمن إشكالية لدى بعض الأوساط العلمية، وهي الظن بأن ما دُوّن في أبواب الفقه هو كل الفقه الشرعي، وهذا خطأ فادح وانحباس فكري خطير. فكثير من الفقه الاجتماعي والسياسي الذي يفسر سيرة الأئمة عليهم السلام لم يُنقّح بعد على الوجه المطلوب. وكما ذكرنا، يعترف صاحب الجواهر وغيره من الكبار بأن الفقه المدون لم يستوعب إلى الآن تفسيراً شمولياً فقهياً دقيقاً لنهضة سيد الشهداء، لا تنظيراً ولا تنقيحاً.

والعجيب: أن بعض الفضلاء يريد أن يقيس سيرة الإمام الحسين على ما أفتى به الفقهاء، والحال أن العكس هو الصحيح، فيجب أن يُعرض فقه الفقهاء على سيرة الإمام الحسين. إن البناء على أن ما كتبه الفقهاء هو وحي منزل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها هو اشتباه كبير. فالفقه الوحياني لم يُنقّح كله إلى الآن، سواء ما يتعلق بسيرة المعصومين الماضية، أو ما يستجد من أبواب معاصرة.

وبالعودة إلى باب الجهاد، فقد بحث الفقهاء باب الهدنة والصلح، ولكن ليس باستيعاب كامل. وقد وقفنا على القيد الذي بيّنه الإمام الحسن (عليه السلام)، ودلت عليه الآية الكريمة: ﴿…فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السِّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ…﴾ [سورة محمد - 35]، فكيف يُدعى إلى السلم وإيقاف الحرب مع وجود القوة والعلو؟ وقد بيّن الإمام أن اللجوء إلى ذلك في سيرة جده المصطفى ووالده المرتضى وسيرته هو، إنما كان لخذلان الأمة وعدم وجود الناصر.

ولذلك فإن سيرة الإمام الصادق (عليه السلام)، التي يصورها البعض على أنها كانت مجرد مداراة أمنية، ليست كذلك على إطلاقها. فالإمام الصادق نفسه، في زمان أبيه الإمام الباقر عليهما السلام، أمره أبوه أن يخطب في المسجد الحرام خطبة على المكشوف، يعلن فيها أن الحق لأهل البيت. وكان هذا سبباً لاستدعاء النظام الأموي لهما، حيث أُلقي القبض عليهما في المدينة وأُخذا إلى سجن في الشام، ثم أُفرج عنهما خشية الفتنة بعد أن بدأ نور أهل البيت بالانتشار هناك، والقصة معروفة.

فهذا الموقف من الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، كيف يمكن تفسيره؟ إذا وصل الأمر إلى طمس بيضة الدين، فإن الشرائط التي يذكرها الفقهاء، سواء في الجهاد أو الأمر بالمعروف، لا تكون هي المدار. فالهدف والغاية يتجاوزان أصل الدفع والردع القريبين، لتكون الثمرة على المستوى البعيد، ولو بعد قرون، وهي زرع بذور المبادئ والقيم، وهو ما يمكن أن نسميه “جهاد المواساة” أو “جهاد القيم”.

وحتى على المستوى الفلسفي، لسقراط كلام يقارب هذا المعنى. ويشهد لهذا المنطق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال - 56]. فلا بد من الردع، لا مجرد الدفع. وللأسف، هذه الصورة ليست واضحة عند الكثيرين، الذين يحصرون هدف الجهاد الدفاعي في الدفع الآني للخطر المحدق.

الحرب الاستباقية كشكل من أشكال الدفاع

بل إن هذا المفهوم حاضر حتى في القوانين الوضعية المعاصرة، حيث تُعرف إحدى فلسفات الدفاع بـ”الحرب الاستباقية”. ومقتضاها أنه إذا وصل الخطر إلى درجة الوشوك، فلا يُنتظر حتى يهجم العدو. ويؤيد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا”[14] . فإذا علمت أن عدواً يحشد جيوشه على الحدود ويعسكر استعداداً للهجوم، فمبادرتك بالضرب قبل أن يبدأ هو، ليست عدواناً، بل هي عين الدفاع؛ إذ الانتظار في مثل هذه الحال هو استسلام محض. ويُعدّ خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك، وكذلك غزوة مؤتة، من مصاديق الحرب الاستباقية.

وهذا لا وجه له؛ فإن هذا ليس دفاعاً، بل هو عين الاستسلام، إذ إن الدفاع إنما يكون عند إحداق الخطر. بل إن هذا المعنى مقرر حتى في القانون الدولي الوضعي، حيث إن أي دولة تستشعر أنها مهددة بالخطر من طرف آخر، وكان ذلك التهديد وشيك الوقوع، فإنهم يمنحونها شرعية شن ما يسمى بـ«الحرب الاستباقية». فهل يُنتظر حتى يغزونا العدو في عقر دارنا، [15] ويصلوا إلى المدن المقدسة؟

والحال أن كثيراً من المفاهيم الفقهية قد غدت مقلوبةً وممسوخةً، تُعرض باسم العلم وببيانٍ يُزعم أنه علمي مصقول ودقيق، وهو في حقيقته لا نصيب له من العلم.

وعلى كل حال، فإن بقية الآيات المتعلقة بالمقام سيأتي التعرض لها إن شاء الله تعالى. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/UV0PQneEz8k

 


[1] وهي مسألة خلافية بين الفقهاء في تحديد النسبة العددية التي يجوز معها الانصراف عن العدو، وتفصيلها في كتب الفقه، باب الجهاد.
[2] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص78، باب “الورع”، ح14. ورد فيه: «كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِالْخَيْرِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ»
[3] الطوسي، محمد بن الحسن. الأمالي.. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، ط1، دار الثقافة، 1414 هـ، ص561، المجلس 21، ح1171
[4] لم يُعثر على هذا النص بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، والمشهور من كلامه (عليه السلام) في هذا السياق قوله في الخطبة الشقشقية: «فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ». الشريف الرضي. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص48، خطبة 3
[5] الطوسي، محمد بن الحسن. الأمالي.. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، ط1، دار الثقافة، 1414 هـ، ص564، المجلس 21، ح1163. مع اختلاف يسير في اللفظ
[6] هو الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، صاحب كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.، وهو من أهم الموسوعات الفقهية الشيعية
[7] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف.
[8] هو الشيخ عبد الهادي بن الشيخ ميرزا محسن الفضلي (ت 1434هـ)، عالم ومفكر إسلامي من السعودية.
[9] الفضلي، عبد الهادي. في انتظار الإمام.. ط2، دار المرتضى، 1402 هـ، ص124
[10] هو السيد عبد الهادي بن إسماعيل الشيرازي (ت 1382هـ)، من مراجع الشيعة الكبار في النجف الأشرف.
[11] هو ميثم بن يحيى التمار (استشهد 60هـ)، من خواص أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قتله عبيد الله بن زياد في الكوفة.
[12] هو حجر بن عدي الكندي (استشهد 51هـ)، صحابي جليل ومن أنصار أمير المؤمنين (عليه السلام)، قتله معاوية بن أبي سفيان في مرج عذراء.
[13] هو رشيد الهجري (استشهد في حدود 60هـ)، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن حملة أسراره، قتله عبيد الله بن زياد.
[14] الشريف الرضي. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص347، من كتاب له (عليه السلام) إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة، رقم 27
[15] في إشارة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا». الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص70، الخطبة 27