الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/14

بسم الله الرحمن الرحيم

حفظ بيضة الإسلام: منهج التفكيك في استراتيجية أهل البيت (ع)

#درس_العقائد

#درس_العقائد_1447هـ

عنوان الدرس : ألفة القلوب وشرائط النصر

تأريخ الدرس : الأربعاء 14 رمضان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

00:40-دعاء الثغور و مسؤولية الأمن العام

04:00-التفكيك بين الملفات السياسية والمسؤوليات

08:00-التفكيك بين الجهاد في سبيل الله والجهاد لبني أمية

09:50-حفظ أمن المؤمنين مسؤولية لا تعطل

11:00-المسؤوليات العسكرية عند ائمة أهل البيت (ع)

12:00-تفكيك أمير المؤمنين (ع) بين حفظ بيضة الاسلام لابني السقيفة

14:50-ضرورة حفظ نظام الاسلام عند أهل البيت (ع) لابني أمية

16:10-العدة والعدد و التدبير في حفظ النظام

18:50-أسباب حرمة العداوة المؤمنين بين لألفة القلوب

20:00-فلسفة حرمة العداوة بين المؤمنين لإلفة القلوب

22:20-إلفة القلوب و نافذ العباس البصيرة و صلب الصبر

25:00-البصيرة و الخوارج في صفين

26:30-الصبر في الحروب النفسية فتنة والعسكرية وشروط دولة الظهور

29:30-نفوذ البصيرة عند المؤمنين والدولة المهدوية للحسين (ع)

31:30-خطاب الحسين (ع) البصيرة و تحقيق الوعد الالهي

33:00-الحرب النفسية و إنقلاب قلب القوة الى ضعف

34:50-إنقلاب قوة المؤمنين الى ضعف في نصرة الحسين (ع)

36:50-توازن القواعد المتعددة في النهضة اسباب للنصر

38:45-عامل الصبر والبصيرة في إدارة الحروب

41:00-اساليب العدو الفتنة لعدم بصيرة المؤمنين

43:00-الغيلة والحيلة والمكر والخداع الاموية للخوارج في رفع المصاحف

45:42-حكمة السيد الخميني (ق س) في إدارة الحرب و حفظ المؤمنين

48:14-فلسفة امير المؤمنين في الحرب وصبر المؤمنين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

@alsanaddroos 🔹

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنام، سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء الراشدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.

شرح دعاء الثغور وتأسيس مبدأ التفكيك

تقتضي الظروف الراهنة خروجاً يسيراً عن سياق البحث المعتاد، ولو لليلة أو ليلتين، لشرح شيء يسير من دعاء الثغور للإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو من أدعية الصحيفة السجادية. يبتدئ هذا الدعاء الشريف بقوله (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ».[1] فهذه أغراض وأهداف في أمن المسلمين يراها الإمام (عليه السلام) أمراً لا بد منه، في حين أنَّ النظام الحاكم كان أموياً، لكنه (عليه السلام) يبين أموراً كلية لا تسقط بسقوط الأنظمة.

والمقصود هنا حماية دار الإسلام لا حماية النظام الأموي، ويشهد لذلك موثقة يونس بن عبد الرحمن عن الإمام الرضا (عليه السلام)، وهي موثقة معتمدة ومحل فتوى عند الأعلام.[2] فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: «قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ مَوَالِيكَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يُعْطِي السَّيْفَ وَالْفَرَسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَتَاهُ فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ وَهُوَ جَاهِلٌ بِوَجْهِ السَّبِيلِ، ثُمَّ لَقِيَهُ أَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ السَّبِيلَ مَعَ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ وَأَمَرُوهُ بِرَدِّهِمَا، فَقَالَ: فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: قَدْ طَلَبَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَجِدْهُ وَقِيلَ لَهُ قَدْ شَخَصَ الرَّجُلُ، قَالَ: فَلْيُرَابِطْ وَلَا يُقَاتِلْ، وَإِنْ خَافَ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَلْيُقَاتِلْ، قَالَ: فَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَكَ لَوْ أَنَّ الرُّومَ دَخَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: يُرَابِطُ وَلَا يُقَاتِلُ وَإِنْ خَافَ عَلَى بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ قَاتَلَ، فَيَكُونُ قِتَالُهُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ لِأَنَّ فِي دُرُوسِ الْإِسْلَامِ دُرُوسَ دِينِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)، قُلْتُ: فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُرَابِطٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُقَاتِلُ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ لَا عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ فِي دُرُوسِ الْإِسْلَامِ دُرُوسَ دِينِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)».[3]

والحاصل: أنَّ هذه الرواية الشريفة تؤسس لمنهج التفكيك بين الملفات، فإذا كان المكلف مرابطاً، فإنَّه يرابط لحفظ أصل دار الإسلام، لا لتقوية النظام العباسي آنذاك. وتكون نيته الدفاع عن ذراري المسلمين وبيضة الإسلام من أن تتحول دار الإسلام إلى دار كفر، لا الدفاع عن بيضة بني العباس. وقد استدل بهذه الرواية الصحيحة السيد الخوئي (قدس سره) في كتاب الجهاد من منهاجه.[4]

ومقتضى ذلك أنَّ الأئمة (عليهم السلام) حتى في خضم الجهاد والقتال، وفي ظل دولة جائرة كالعباسية، كانوا يميزون بين الدفاع عن الدولة بما هي هي، وبين الدفاع عن كيان الإسلام من أن ينقلب إلى دار كفر. وهذا ميزان دقيق ينبغي اعتماده في سائر الأنشطة العسكرية والأمنية والسياسية، حيث قد يكون المؤمن في خندق واحد مع آخرين، لكن برامجه ودواعيه وأهدافه تختلف اختلافاً جوهرياً.

ويتضح من ذلك عمق عبارة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فمع أنه كان في ظل النظام الأموي، إلا أنَّه يفكك بين أموية النظام، وبين محمدية كيان الإسلام، وهما أمران متغايران. وهذا هو ديدن أهل البيت (عليهم السلام)، فقد فككوا بين حكم السقيفة وبين كيان الإسلام، فكان دفاعهم عن الثاني لا عن الأول.

والنتيجة: أنَّ الوظائف العسكرية والأغراض والأهداف الاستراتيجية لحراسة وحفظ دار المؤمنين والمسلمين لا تتعطل في حال من الأحوال. ولذلك لم يقل الإمام (عليه السلام) “ثغور الأمويين” أو “ثغور العباسيين”، بل قال: «ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ». فدل على وجوب التفكيك بين دار الإسلام بما هي كيان للمسلمين، وبين النظام الحاكم أيّاً كان. فهذه وظائف لا تتعطل، ولا يمكن أن يُتوهم تعطيلها تحت أي ذريعة، بل هي ملفات تُفكَّك عن بعضها البعض.

وهذا المنهج هو السائد في قاموس أهل البيت (عليهم السلام)، ومن أراد أن يعرف مرامهم فعليه أن ينظر إلى منظومة رواياتهم مجتمعة، لا أن يأخذ بطائفة دون أخرى.

والشاهد على ذلك: قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، حيث بيّن أنَّ دافعه للصلح والمسالمة كان الحفاظ على كيان الإسلام، لأنَّ في ذهاب الإسلام من الخسارة ما هو أشد عليه من ذهاب حقه الشخصي.[5] فكان (عليه السلام) يوجه الخطط الأمنية والعسكرية ليس في سبيل نظام السقيفة، وإنَّما في سبيل كيان الإسلام الذي بناه سيد الرسل (صلى الله عليه وآله). وهذا هو الجواب عينه الذي أجاب به (عليه السلام) على لسان حال المعترضين الذي حكته السيدة فاطمة (عليها السلام)، حيث فكك بين ذهاب الإسلام وبين حقه في الخلافة. فقضية حفظ دار الإسلام وبيضته لا تتعطل في حال من الأحوال أبداً.

لذلك حين يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ»، لم يكن ذلك أمراً فرضياً نظرياً، بل كان واقعاً معاشاً حتى في زمنه، وهو زمن أغشم الأنظمة الأموية، لكنه (عليه السلام) يفكك بين أموية النظام ومحمدية الكيان الإسلامي. ثم يواصل فيقول: «وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ». فالدعاء في صدد منظومة الدفاع والأمن بكاملها، وأنَّها لا تتعطل بحال.

ونظير ذلك: قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ… وَيُجَاهَدُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ».[6]

فالحاصل: أنَّ أصل ضرورة النظام وحفظه أمر ضروري لا يُعطّل، ولا يمكن للمؤمن أن يقف متفرجاً. فمن ضمن استراتيجية أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضح في لسان أمير المؤمنين وزين العابدين والرضا وسائر الأئمة (عليهم السلام)، أنَّ دار الإسلام تُحفظ، لأنَّ في حفظها حفظاً لدين سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع وجوب التفكيك بين الملفات. وقوله: «وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ» يدل على لزوم وجود المجموعات العسكرية، وقوله: «وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ» يدل على لزوم الدعم والتموين المالي والتنظيم الإداري. فكل هذه تشكل مقومات كيان الدولة، وهي من المسؤوليات والواجبات الكبيرة.

مقومات القوة والدعم في منظومة الدفاع الإسلامية

ثم يواصل الإمام زين العابدين (عليه السلام) فيقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَكَثِّرْ عِدَّتَهُمْ، وَاشْحَذْ أَسْلِحَتَهُمْ، وَاحْرُسْ حَوْزَتَهُمْ، وَامْنَعْ حَوْمَتَهُمْ، وَأَلِّفْ جَمْعَهُمْ، وَدَبِّرْ أَمْرَهُمْ، وَوَاتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ، وَتَوَحَّدْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ».[7]

فالمسؤوليات العسكرية لحفظ دار الإسلام، فضلاً عن دار الإيمان، تقتضي توفير العدّة والعتاد. وهذا التقسيم بين دار الإسلام ودار الإيمان، وبين حومة الإسلام وحومة الإيمان، موجود في الروايات وكلمات الفقهاء. والدعاء يشمل كل جوانب الدعم اللوجستي والغذائي والإداري، بل وكل المؤن في كل مجال، سواء كانت لوجستية أم تموينية أم إلكترونية في عصرنا.

وهذا هو الذي أفتى به الفقهاء قاطبة في باب المكاسب المحرمة، من أنَّ حفظ السلاح، أي القوة، واجب على المؤمنين، ويحرم بيع السلاح للعدو لما فيه من تمكينه منهم.[8] وهذا العنوان موجود في كل الرسائل العملية، ولا يكاد يخلو منه فقيه. ومعنى السلاح هنا هو القوة بمفهومها الشامل، لا القوة العسكرية فحسب، بل القوة في شتى المجالات. وعليه، يجب أن يكون في استراتيجية المسلمين، فضلاً عن المؤمنين، تنامي القوة لا تنامي الضعف.

ويتفرع على ذلك: أنَّ أحد أسباب حرمة العداوة بين المؤمنين هو أنَّ من الواجبات عليهم ألفة القلوب، إذ بدونها لا يمكن أن يتكون للمؤمنين عُدّة وعتاد وقوة. ففي سياق آيات الجهاد يأمر الله تعالى بتأليف جمعهم، فلا قوة إلا بألفة القلوب.

والشاهد القرآني: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ¤ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 62-63).

ففلسفة حرمة العداوة بين المؤمنين هي تحقيق ألفة القلوب، التي يترتب عليها القوة السياسية، والتماسك الاجتماعي، والاتحاد، والقوة العسكرية، والقوة في كل المجالات. وهذا يربط البحث بفقه العداوة بين المؤمنين، حيث يبين القرآن الكريم سبب حرمتها في موضع آخر، فيقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (سورة آل عمران: 103).

ومناط ذلك هو تأليف القلوب؛ لتتحقق بذلك المنعة والقوة للمؤمنين والمسلمين، وهو ما يصطلح عليه في فقه المقاصد من أن حكماً يجر إلى حكم أهم، وغاية شرعية تستتبع غاية شرعية أخرى.

وقد بيّنت آية أخرى في سورة الأنفال هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. ويتحصل من ذلك أن عوامل النصر وأسبابه متعددة، منها: - ألفة القلوب. - انتفاء العداوة بين المؤمنين. - درء الفتن بين المؤمنين والمسلمين. فإن ألفة القلوب يترتب عليها القوة، وهذه القوة إذا ضُمّ إليها الصبر تحقق النصر؛ إذ لا تكفي ألفة القلوب وحدها، ولا القوة بمفردها، بل لا بد من الصبر، فهو دواء كل الحالات.

ومثال ذلك: ما ورد في زيارة سيدنا أبي الفضل العباس (عليه السلام): «نَافِذَ الْبَصِيرَةِ صُلْبَ الْإِيمَانِ».[9] وهذا التوصيف يشتمل على ركنين، ولا يكتفى فيه بنفاذ البصيرة وحده، بل لا بد من الإيمان الصلب. وتوضيح ذلك: أن جانب “نفاذ البصيرة” في شخصية العباس (عليه السلام) لم يُسلّط عليه الضوء بما يكفي، مع أنه ركن أساس. فهذا التعبير يشير إلى أن البصيرة تنقسم إلى نافذة وغير نافذة، والمراد بالنافذة تلك البصيرة الثاقبة التي تخترق الحجب لترى ما وراء الكواليس؛ لأن الوقوف على حقائق الأمور، وإدراك غايات الغايات، هو ما يمنح الإنسان بصيرةً نافذةً جداً.

ففي معركة صفين، كان من أشد ما فتّ في عضد المؤمنين موقف الخوارج، إذ لم تكن لهم بصيرة يدركون بها الحكمة الخفية وراء الدعوة إلى التحكيم، فوقعوا في فتنة التحكيم، وذلك في وقت كان النصر فيه قاب قوسين أو أدنى. وهنا يتضح الاقتران بين نفاذ البصيرة والإيمان الصلب؛ فالبصيرة وحدها لا تكفي، لأنه مهما بلغ الإنسان من البصيرة، فإنه في خضم الحرب النفسية والإعلامية وما يمارسه العدو من خداع ودجل، قد لا يتمكن من كشف جميع مؤامراته وكيده ومكره. وهنا يأتي دور السلاح الآخر، وهو الإيمان الصلب. فالبصيرة سلاح بلا شك، ولكن لولا الإيمان الصلب لتكررت فتنة التحكيم في صفين مرات ومرات.

تنبيه: إن الظهور المبارك، كما دلت عليه الروايات الشريفة، منوط بتحقق شروط عدة. الشرط الأول: قطع أيدي الدول الجبابرة عن المنطقة ككل، كما هو مقتضى طائفة من الروايات.

الشرط الثاني: استيلاء المؤمنين على غالب المنطقة، كثلاثة أرباعها أو ثلثيها، وهو مصداق لقوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]. ومن هنا يُفهم معنى روايات الخراساني واليماني، فليست القضية مجرد قصة شخص بعينه، بل هي كناية عن تمكن المؤمنين وهيمنتهم على مساحة واسعة من الأرض. بل ورد في الروايات أن جيش السفياني نفسه يضم عناصر من المؤمنين مغلوباً على أمرهم، مما يدل على أن جيشه ليس ذا عقيدة راسخة، ويمكن اختراقه وهزهزته بسرعة. فمقتضى ذلك أن تكون للمؤمنين اليد الطولى في المنطقة.

ويتفرع على ذلك فهم معنى ما ورد من قبيل: “لا مهدي من دون خراساني، ولا مهدي من دون يماني”، فإن مآله أن نصر الله، المتمثل في الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف، إنما يكون حين يأتي النصر من المؤمنين أنفسهم، تحقيقاً للشرط الإلهي: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾.

الشرط الثالث: نفاذ البصيرة عند المؤمنين، وهو شرط تواترت عليه الروايات. وقد ورد في الأخبار أن أجل الظهور كان قد قُرّر للإمام الحسين (عليه السلام) ليكون هو أول من يبني الدولة المهدوية، ولم يكن ذلك أمراً حتمياً لا يلحقه البداء، بل كان مقرراً ومشروطاً. فلو أن الدولة المهدوية قامت على يديه، لاستمرت من بعده على يد الإمام زين العابدين ثم الباقر فالصادق عليهم السلام، إلى أن تصل إلى الإمام الثاني عشر. إلا أن المؤمنين أخفقوا في تحقيق هذا الشرط الثالث، وهو نفاذ البصيرة.

والشاهد على ذلك: ما ورد في خطب الإمام الحسين (عليه السلام) نفسها، حيث يعزو خذلان أهل الكوفة، على اختلاف طبقاتهم من محبين وموالين، إلى السذاجة وانعدام البصيرة. ومن ذلك قوله (عليه السلام): «وَيْلَكُمْ!… صِرْتُمْ إِلْباً لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ… سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً لَنَا فِي أَيْمَانِكُمْ، وَحَشَشْتُمْ عَلَيْنَا نَاراً اقْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكُمْ».[10] فواضح من كلامه أن السذاجة والخداع والحرب النفسية قد تمكنت منهم. وعليه، فإن سبب عدم تحقق الوعد الإلهي في زمن الإمام الحسين (عليه السلام) يرجع إلى تخلف هذا الشرط، رغم توفر العدة والعدد لدى المؤمنين، إلا أن الحرب النفسية وتخذيل المثبطين قد قلبا موازين القوة إلى ضعف. وهذا ما حذّر منه القرآن الكريم في مواجهة الشائعات، حيث ينقسم الناس فريقين: فريق يزداد ثباتاً، وفريق يهتز ويتراجع: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

فائدة: إن الدولة المهدوية تختلف جوهرياً عن دولة النبي (صلى الله عليه وآله) ودولة أمير المؤمنين (عليه السلام)، من حيث إنها ستقوم على أُسس تمنع من وقوع انقلاب عسكري عليها كالذي وقع في السقيفة، أو تكرار الخداع والمكر الذي حصل في كربلاء أو مع الإمام الحسن (عليه السلام). فهي دولة لا زوال لها، وإن عصفت بها المحن، وهذا هو معنى “المهدوية” الذي صرّحت به الروايات. فالذي قلب موازين القوة في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، رغم كثرة المحبين لأهل البيت وقلة النواصب، هو انعدام نفاذ البصيرة. فقد كان العدو الأموي أقوى في الجانب الأمني والإعلامي، مع أنه كان خاوياً وضعيفاً في الجانب المادي، كما كان حاله في صفين. فكانت الحرب الإعلامية وحرب الخطط والتخطيط، للأسف، أقوى من جموع المحبين والموالين. فهذا العامل الثالث، وهو نفاذ البصيرة، عامل خطير جداً، إذ إنه يقلب النصر إلى فشل.

الشرط الرابع: الصبر والثبات. فإن الكيف أهم من الكم، كما قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]. ووجه ذلك أن القلة المؤمنة إذا تحلّت بالصبر، غلبت الكثرة الفاجرة. فالصبر هو الركن الرابع، لأنه إذا تملّك الإنسان الهلع والزلزال النفسي في خضم الحرب الإعلامية، فلا فائدة تُرجى منه.

ومثال ذلك: ما صوّرته سورة الأحزاب من أحوال المسلمين في معركة الخندق، حيث قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ¤ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11]. وفي مقابل ثبات المؤمنين، كانت هناك جماعة مهزوزة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]، وتحججوا بالواهي من الأعذار: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: 13]، و﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. فهؤلاء لو دُخل عليهم من أقطار المدينة وطلب منهم الكفر لما ترددوا: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 14]، مع أنهم ﴿كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: 15]. فإذا لم يكن هناك صبر وثبات، فلا يتحقق النصر والنجاح.

والحاصل: أن الألفة توجب المنعة والقوة، وهي من شروط النصر، ولكنها لا تكفي وحدها، بل لا بد من اقترانها بالبصيرة النافذة والصبر الراسخ. ومن أساليب العدو التي يستعملها لتبديد هذه القوة إشعال الفتنة بين المؤمنين، وهذا يرجع أيضاً إلى قلة البصيرة وقلة الصبر. فمن أساليب العدو في الكيد والمكر والخداع، الوقيعة بالفتنة بين المؤمنين.

هذا ممكن، فمهما كانت الاختلافات فلا ينبغي أن تؤدي إلى المواجهة والصدام، وإلّا كان مآلها الفشل وذهاب الريح. وإلى جانب ذلك، لا بد من الصبر.

إذن، للظهور أربعة شروط، ثالثها ورابعها نفاذ البصيرة، ومن لوازم نفاذ البصيرة ألّا ينجرّ الإنسان إلى الفتنة بين المؤمنين.

ومفاد كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصفه لحادثة رفع المصاحف أنها لم تكن لدعوة حقيقية إلى تحكيم القانون أو السلم، بل كانت حيلة ومكيدة. فكم مرة وعدوا بوقف إطلاق النار والسلم، ثم نبذوا عهودهم وخانوها؟

والقرآن الكريم يحدد أن غاية الجهاد الدفاعي هي ردع العدو، وإذا لم يتحقق الردع فلا معنى لوقف القتال. وعلى هذا الأساس بنى السيد الخُميني[11] فتواه عندما عرض عليه نظام البعث العراقي الصلح، حيث قال ما مضمونه: «لا صلح أبداً إلا أن يتوبوا، ويتوب من خلفهم فلا يجرؤون مرة ثانية على الهجوم على المؤمنين».

وبالفعل استمرت الحرب بعد ذلك لثماني سنوات، وقد اعترض كثيرون آنذاك بأن دماء المسلمين تذهب هدراً، فكان جوابه: «إذا لم نردع العدو، ستذهب دماء أكثر فأكثر».

إنها استراتيجية قائمة على الخداع؛ يرفعون شعارات القانون والسلم وهم كاذبون. فحينما أحسّوا بالضعف توسّلوا إلى وقف إطلاق النار والهدنة، ولكنهم في كل مرة ينقضون العهد، لأن الردع لم يتحقق بعد. قد تترتب على الصبر والمصابرة خسائر وتضحيات، لكنه السبيل لردعهم عن أن يجرؤوا عليك مرة أخرى.

وقد حذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الخدعة، واصفاً دعوتهم تلك بأنها: «…أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ»[12] . فالقبول بالهدنة في غير موضعها هو عين العدوان، لأنه يمنح العدو فرصة ليسترجع قواه وينقضّ عليك لاحقاً، وحينها لا يغدر بك فحسب، بل قد يستأصلك من الأصل.

ثم يأمرهم بالثبات قائلاً: «فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِذِكُمْ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ…»[13] . فإن تركتم ذلك ولم تستجيبوا، بقيتم في الضعف والذل.

فالحاصل أن ما جرى في فتنة صفين عند رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القانون لم يكن إلّا خدعة ومكراً وحيلةً وغيلة، فأي قانون يحتكم إليه معاوية وأمثاله؟ وقد أشار المتحدث إلى هذه الألفاظ الأربعة: المكر، والغيلة، والخدعة، والحيلة، منبهاً على الفروق الدقيقة بينها.

 

تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/U74u0iwT_kk

 


[1] السيد علي خان المدني. رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين.. ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1409هـ، ج2، ص150
[2] يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب الفقه، كتاب الجهاد، باب المرابطة في زمن غيبة الإمام (عج).
[3] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص21، باب المرابطة وحراسة الحريم، ح2
[4] الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين.. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج1، ص366، مسألة 11
[5] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص451، من كتاب له (عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر
[6] المصدر نفسه. ص82، خطبة 40.
[7] السيد علي خان المدني. رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين.. ج2، ص150
[8] وهو ما يُبحث في فقه المكاسب المحرمة تحت عنوان “بيع السلاح لأعداء الدين”، حيث يُجمع الفقهاء على حرمته لما فيه من تقوية شوكتهم وإضعاف المسلمين.
[9] ابن قولويه، جعفر بن محمد. كامل الزيارات.. تحقيق عبد الحسين الأميني، ط1، دار المرتضوية، 1356 هـ ش، ص257، باب85
[10] الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج.. تحقيق محمد باقر الخرسان، ط1، دار النعمان، 1966 م، ج2، ص300
[11] هو السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[12] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414هـ، ص178، خطبة 121
[13] المصدر نفسه. ص179.