الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/10

بسم الله الرحمن الرحيم


مفهوم العداوة بين المؤمنين في ضوء عقيدة الولاية

#درس_العقائد

#درس_العقائد_1447هـ

عنوان الدرس : عناوين مختلطة في فقه العداوة بين المؤمنين

تأريخ الدرس : السبت 10 رمضان 1447 هـ

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:10-حرمة عداوة المؤمن فرديا واجتماعيا

03:00-مانعية الخصومة ولزوم الحيادية ونزاهة الشاهد

05:10-عناوين و افعال ملتبسة في الخصومة والعداوة

07:17-تنوع و درجات العداوة القلبية والفرق بين الحذر والعداوة

09:30-الحذر في المسؤوليات العامة و عداوة المؤمن للمؤمن حرام

12:40-ضبط و ترويض النفس وافعال القلب في عداوة المؤمن

15:18-تنوع عناوين ملتبسة مع العداوة للمؤمن

18:04-موالاة المؤمن وموالاة الكافر

21:10-درجات وحدود الخصومة الدنيوية و الحيادية

23:20-حدود العداوة مع غير المسلمين الدينية والدنيوية

24:35-دليل عبادية الجهاد في سبيل الله عند الفقهاء

27:00-نزاهة الحاكم بين الكافر والمؤمن

29:22-الترفع عن للنفس الاقتصاص والعفو والمحبة لله

32:08-وظيفة الحب في الله والبغض لله اعظم من الصلاة

35:18-درجات البغض بين الحلال والحرام

36:40-الصلاة والصيام دون ولاية الله

39:00-صعوبة مودة لأهل البيت (ع)

41:30-نزاهة الشاهد والميول النفسية والولاية

43:17-الولاية و النيه العبادية والدواعي المحللة والمحرمة

46:25-ولاية أهل البيت (ع) باب الولاية للنبي (ص) ولله تعالى

48:00-التشهد في الصلاة ومعنى جزئية الصلاة على النبي (ص) والال (ع)

49:50-ركنان للأيمان المعرفة والولاية بالله وبالنبي وبالامام

مفهوم العداوة بين المؤمنين في ضوء عقيدة الولاية

كان الكلام في مسألة حرمة عداوة المؤمن للمؤمن، وهي مسألة ذات زوايا معقدة، لا تقف عند الصعيد الفردي أو الأسري أو ذي المساحة الاجتماعية المحدودة، بل تأخذ طابعاً اجتماعياً وسياسياً ونظامياً، تتداخل فيه أدوار القاضي، والشاهد، والفقيه، والمرجع، والوالي، والحاكم السياسي.

وتفكيك هذه العناوين المتشابكة ليس بالأمر السهل، حتى إنَّ الفقهاء قد تساءلوا: هل كل خصومةٍ عداوة؟ وقد وقع الخلاف بينهم في ذلك. ويرجع هذا البحث إلى ما ورد في الروايات من كون الخصومة مانعاً من حيادية الشاهد، إذ إنَّ من شروط الشهادة تحقق النزاهة والحياد، وهي مرتبة فوق مجرد العدالة.

وقد ورد في زيارات أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي وصف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يؤسس لهذه القاعدة: «الضَّعِيفُ عِنْدِي قَوِيٌّ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ»[1] ، فمساندة الضعيف مشروطة ومحدودة بكونه مسلوب الحق، كما أنَّ إضعاف القوي مقيد بأخذ الحق منه، فمراعاة هذه الحدود للحقوق أمر بالغ الأهمية.

تعريف العداوة والمصطلحات ذات الصلة

إنَّ تشابك هذه العناوين والأفعال هو أحد أسباب تعقيد البحث في هذه المسألة. فهل الخصومة عداوة؟ وهل النفرة عداوة؟ وهل التبرم، وهو قريب من النفرة، يعد عداوة؟ هذه كلها عناوين محل بحث، مع ملاحظة أنَّ دواعيها قد تكون دنيوية، وقد تكون دينية. فمحل البحث يشمل عناوين متعددة كالخصومة، والتبرم، والنفرة، والحقد، والبغض.

وسيأتي في كلمات الفقهاء بيان ضابطة صدق عنوان العداوة، وهي هنا العداوة القلبية التي تمثل أولى درجات العداوة، ومظهرها ما بيّنه القرآن الكريم: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [سورة آل عمران: 120]. فالمساءة لما يسرّ الطرف الآخر، والمسرة لما يسوؤه، هي أولى درجات العداوة أو أدناها. وقد ذُكر في التعاريف اللغوية أنَّ من معانيها الحذر.

بيد أنَّه لا يلزم من كل حذرٍ وجود العداوة، فالقرآن الكريم وإن قال في شأن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [سورة المنافقون: 4]، إلا أنَّه في موضع آخر قال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [سورة التغابن: 14]، ولم يقل: “فاتخذوهم عدوًا”، فكأن الحذر أعم من العداوة، وهو أصل عظيم من أصول المسؤوليات العامة.

**

الحكم الشرعي لعداوة المؤمن والاستثناءات

وماذا عن التظلم؟** هل يُعدّ إظهار تظلم المؤمن المظلوم من مؤمن ظالم له في أمر دنيوي عداوة أو خصومة؟ لقد استدل جملة من المتأخرين والمعاصرين على حرمة عداوة المؤمن للمؤمن دنيوياً بالأدلة العامة التي سنتعرض لها.

الأصل الأولي: هو حرمة عداوة المؤمن للمؤمن، والأدلة على ذلك كثيرة متواترة.

أما الاستثناءات: فقد وقع الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين في وجودها من عدمه. وحتى على القول بجوازها للمظلوم، فإنَّ عداوته للمؤمن الظالم له دنيوياً مقيدة بحدود، وليست مطلقة؛ لأنَّ للعداوة درجات وآليات. فالشارع، حتى على فرض تجويز هذا الاستثناء اليسير، لم يسوّغ الحلية في العداوة بكل درجاتها مهما بلغت، بل قيدها بحدود.

وبعبارة أخرى، تقوم قاعدة فقهية مسلمة عند علماء الإمامية على أنَّ الإنسان يجب أن يضبط نفسه ويروضها عن أن يعادي أخاه المؤمن قلبياً، فضلاً عن الأفعال المترتبة على العداوة والضغائن.

ومن المباحث ذات الصلة: هل الكراهة عداوة؟ فقد يكره الإنسان عادات أخيه المؤمن أو أخلاقه، فيتبرم منه وينفر، فهل هذا المقدار من النفور الطبيعي يُعد عداوة؟ لقد قالوا إنَّ هذا ليس عداوة.

إنَّ منظومة البحث في هذا الموضوع الكلي تشتمل على عناوين عديدة متشابكة وشائكة، فضلاً عن مراتب أشد كالكيد والمكر والإضرار، فهذا المقدار من التجاوز في السعي لم يُستثنَ حتى للمظلوم، ويبقى محل بحث. إنَّ هذا النظام الإيماني يحمّل المؤمن مسؤوليات شديدة إذا أراد الالتزام بالضوابط الشرعية.

التفريق بين العداوة والنفرة وواجب الموالاة

ويجب التفريق بين العداوة والنفرة الطبيعية التي لا إشكال فيها. يقول القرآن الكريم في سورة المجادلة: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [سورة المجادلة: 22]. فالمؤمن لا يسوغ له أن يوادّ أعداء الله.

ولكن، هل الواجب على المؤمن تجاه أخيه المؤمن هو المواددة؟ قد لا يود الإنسان أخلاق مؤمنٍ ما أو أعماله، ولكن يجب عليه أن يوادد إيمانه. إنَّ الواجب بين المؤمنين هو التوالي، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ [سورة الممتحنة: 1]. فالموالاة تعني أن يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يوالي بعضهم بعضاً.

وقد بيّن القرآن هذا المعنى في سورة التوبة، فقال في وصف المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 71]. وأما المنافقون، فمع كونهم مسلمين في الظاهر، إلا أنَّه لا تجوز موالاتهم، بل يتولى بعضهم بعضاً، وقد توعدهم الله بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [سورة التوبة: 68]. فالموالاة مخصوصة بالمؤمنين.

والحاصل: أنَّ هذه العناوين شائكة ومتشابكة، وهي محل لغط بين الأعلام. فإذا نازع مؤمنٌ مؤمناً آخر في خصومة دنيوية على ملك أو غيره، فالنزاع في حد ذاته ليس حراماً، ولكن يجب أن تكون الخصومة حيادية ونزيهة، وأن لا يتجاوز المتخاصم على الطرف الآخر باسم الخصومة والنزاع، فيتحامل عليه حقداً وبغضاً في قلبه، فهذا غير صحيح، وهو يختلف عن مجرد النفرة الطبيعية.

فهل العداوة بين المؤمنين حرام مطلقاً؟ أم تسوغ في موارد معينة عند بعض الفقهاء؟ وبأي حدود ودرجات؟

تنبيه: إذا كان الداعي للعداوة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو داعٍ ديني لا دنيوي. ولكن الإشكال يكمن في أن تُوظَّف الدواعي الدينية لأغراض دنيوية، أو أن تختلط بها، فهنا تكمن المشكلة.

وقد وسّع الفقهاء دائرة البحث لتشمل العداوة مع غير المسلمين، وتساءلوا: هل العداوة الدنيوية معهم سائغة مطلقاً أم هي مقيدة بحدود؟ إنَّ القرآن الكريم، حتى في آيات القتال والجهاد، يضع ضوابط دقيقة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [سورة البقرة: 190]. وقد استدل المتأخرون بقوله: “في سبيل الله” على أنَّ الجهاد عبادة؛ لكونه مشروطاً بأن يكون لله لا للنفس، ومعنى عباديته أن لا يختلط بدواعٍ أخرى. فالقتال مع الأعداء يجب أن يتخذ صبغة وحدوداً وآليات تصب في الأهداف الدينية، لا الأهداف الذاتية أو المصلحية.

وقد أرشد إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل: 126]. فهذا الخطاب في مواجهة الكفار يضع حداً للعقوبة، وهو المماثلة، ثم يندب إلى ما هو خير، وهو الصبر والعفو. فإذا كان هذا هو الحال مع الكفار، فكيف يكون مع المؤمنين والمسلمين؟ بل ينبغي أن يكون قتال المؤمن أو مواجهته للطرف الآخر متمحضة لله، متنزهة عن المصالح الذاتية، حتى وإن كان مظلوماً.

ومن هنا انطلق الفقهاء إلى قاعدة واسعة، وهي أنَّ المحبة والعداوة يجب أن تتمحض في الله ولله، لا للنفس. وعلى هذا الأساس، تم التفريق بين العداوة الدنيوية والعداوة الدينية؛ فالعداوة الدينية، إن صدق عليها العنوان، تنطلق من الدين وتتمحض له، لا من الذات أو مصلحة النفس أو الميول الشخصية.

وإن كان بحقّ، حتى لو كان هذا مظلوماً. فالحبّ في النفس وللنفس أمرٌ، والعداوة للنفس أمرٌ آخر.

ومن ثمّ ورد متواتراً في روايات الفريقين، كما سنذكر بعض مصادرها، أنَّ أعظم وظيفة وأصعبها على الإطلاق هي وظيفة الحبّ في الله، لا في النفس ولا في المصالح الدنيوية والذاتية. فالحبّ في الله أو لله -وكلا التعبيرين وارد- والبغض في الله ولله، قد ورد أنَّه أوثق عرى الإيمان.[2]

وبالجملة، إنَّ الصلاة بما هي ليست بإمكانها أن تعدّ المؤمن أو المسلم لبلوغ هذه الدرجة. وفي الحديث القدسي إشارة إلى أنَّ ما يربي الإنسان إلى هذه الدرجة من الذوبان في الله ولله هو الولاية، لأنَّ الحبّ والبغض ميول نفسية، فما الذي يستطيع أن يتحكّم في هذه الميول ويضبطها؟ أيُّ عرفان هذا؟ إنَّه لأمرٌ شديد جداً، أن تكون ميول الإنسان وغضبه لله وليس لنفسه، وإن كان صاحب حقّ. فليس كل ما هو حقٌّ براجح أو كامل. وقد ذكرنا قاعدة مفادها أنَّ البغض درجات، ففي الحلال ما هو مبغوض لله، وبغض الله لبعض الحلال ذو درجات وليس درجة واحدة.

فلذا نجد في الرواية المشهورة عند الفريقين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو عن أئمتنا (عليهم السلام)، أنَّ الله سأل النبي موسى (عليه السلام): ما هو أخلص شيء أتيت به؟ فلما ذكر له الصلاة والزكاة والجهاد، لم يرفض الله عزّ وجلّ خلوص نية النبي موسى فيها، ولكن بيّن له أنَّ لكلٍّ منها أثراً محدوداً، ثم سأله هل واليت لي ولياً أو عاديت لي عدواً قط، فعلم موسى أنَّ أفضل الأعمال هو الحبّ في الله والبغض في الله.[3] وإنَّما ذكر الله عزّ وجلّ أنَّ طبيعة الصلاة ليس لها قابلية أن توجد النزاهة المطلقة في الإنسان، وكذا طبيعة الصيام.

إنَّما هي الولاية: ولاية الله، ثم ولاية الرسول، ثم ولاية أهل العلم. فالولاية لله أعظم من الصلاة، وسنبين ذلك بالبراهين. فالصلاة، لو جهدت فيها جهداً يفوق صلاة الأنبياء، هي كفعل ليس لها قابلية أن تبلغ بك القمّة؛ إنَّها رادار محدود، مع كونها معراج المؤمن وقربان كل تقي، لكنها محدودة. والذي يبلغ بك الأوج هو الولاية. والولاية هي: الحبّ في الله ولله، والبغض في الله ولله. ثم الحبّ لرسول الله وفي رسول الله، والبغض في رسول الله ولرسول الله. ثم الحبّ لقربى النبيّ.

تأملوا في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]. إنَّ ما افترضه الله عزّ وجلّ علينا تجاه أهل البيت، وهو المودة، ربما كان أشقّ من السجود لهم لو أمرنا به، وهذا أمرٌ يستدعي عميق التأمل والتدبر. إنَّ أصعب شيء افترضه الله على الكائنات كلّهم من الملائكة والجنّ والإنس تجاه أهل البيت هو مودتهم، فمودة أهل البيت أصعب من السجود لهم أو الركون إليهم.

لاحظوا أنَّ الصلاة إنَّما تصحّ إذا كان فيها نيّة القربة، والقربة هي الزلفى، ولا تصحّ الزلفى والتزلّف إلا بخضوع قلبي، وهذا الخضوع القلبي هو نفس الولاية. فأصل الصلاة والصوم والزكاة والحجّ كلّها قائمة بنيّة القربة، ونيّة القربة هي ولاية صارخة شديدة. فالذي أكسب الصلاة عباديتها هو الولاية الكامنة فيها، أي نيّة القربة.

ومن هنا رأى الفقهاء في مسألة نزاهة الشاهد أنَّها مرتبطة بنزاهته عن الميول النفسية، سواء كان شاهداً أم قاضياً أم حاكماً أم ولياً. فحتى لو كانت هذه الميول الدنيوية صحيحة وحلالاً، فإنَّ ذلك لا يكفي في تحقق النزاهة المطلوبة، بل يجب أن يكون المرء متمحضاً في ولائه لله وللرسول وللقربى. وشهادة لله، ما مقتضاها؟ مقتضاها أن تكون خالصةً لله، لا تشوبها دواعٍ غير نزيهة، كدواعي التشفّي أو الخصومة أو المنافع الدنيوية، فهذه ليست بنزاهة. ومتى تكون النزاهة؟ تكون حين تقوم على أساس الولاية.

فالولاية هي التي تطهّر القلب من الميول النفسية والأهواء، وتمنع الإنسان من أن يكون عبداً لذاتياته. والعبودية هي الخضوع والانقياد لله، في الله ولله. فمسألة النزاهة في الشاهد والقاضي والمفتي والمرجع والوالي والحاكم السياسي، تقتضي أن تكون كل اندفاعاته لله، وأن يخلّصها من اندفاعات النفس، أو أن يتجنب تغليفها بدواعٍ باطنة ذاتية وأنانية. وهذا هو جوهر ما يبحثه الفقهاء في “نيّة العبادات”، من نية الصلاة والوضوء والغسل، حيث يفصّلون في الدواعي المحللة والمحرمة، والمخلّة وغير المخلّة بالنية.[4] وهذه البحوث التي عقدوها في النيّة ترجع في حقيقتها إلى بحث الولاية، التي هي رياضة روحية ونفسانية.

فالمسألة إذن، يرجع سبب تعقيدها إلى أنَّها مبحث من مباحث الولاية. ومعنى الولاية أن تتمحض حركات القلب ودواعيه وميوله في الانطلاق بدافع إلهي، بدافع لله وفي الله، وللنبيّ. فمعنى أن نتولى النبيّ أي نتقرب إلى الله بالنبيّ. ومعنى ولاية أهل البيت أن نتقرب إلى الله بهم.

وبوابة الولاية لله ولرسوله هي التسليم المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. وهو تسليم نفساني مطلق لرسول الله وأحكامه وتشريعاته. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. وهذا التسليم المطلق هو ما تشير إليه الصلاة على النبي وآله، فهي رمز للتسليم لهم ولولايتهم. وكما ذكر السيد المرتضى، [5] فإنَّ إدراج الصلاة على النبي والآل في تشهد الصلاة، الذي هو محل إقرار العقائد الحقّة، يربط هذا الفعل بالعقيدة والإقرار بها، استناداً إلى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

ويتفرع على ذلك تحرير مسألة عقدية دقيقة، وهي أنَّه توجد غفلة صناعية مشكلة في تحريرات بعض علماء الإمامية، حيث تُجعل الولاية في مقابل التوحيد. وهذا اشتباه، فالولاية ليست في مقابل التوحيد، بل هي في مقابل المعرفة. فإبليس لديه معرفة بالله، وهو يقول: “ربّي”، لكن ليس لديه ولاية لله، أي ليس لديه انقياد وخضوع له.

فالخلل في إيمان إبليس ليس في جانب المعرفة بالله، بل في جانب الولاية له. ومن هنا يتضح أنَّ تفسير التوحيد بمجرد المعرفة هو تفسير قاصر، بل هو خطأ. وهذا ما نجده للأسف مدوناً في بعض الكتب بصياغة كلامية صناعية مخلّة بالحقيقة، وهي غفلة وقع فيها بعض الأكابر رحمهم الله. فقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، هو تأكيد على نهاية التسليم وكماله. وإبليس كان يعرف أنَّ الله فضّل آدم عليه، إذ قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62]، لكنه لم يوالِ آدم. فالخلل في إيمانه لم يكن في المعرفة، بل في تمرده على الله ونبيّه وخليفته.

وعليه، فالقول بأنَّ حقيقة الإيمان بالإمامة هي المعرفة فحسب دون الولاية هو قول خاطئ، بل حقيقة الإيمان بها مركبة من المعرفة والولاية معاً. وهذا التصحيح في القالب العقدي تترتب عليه تداعيات وآثار جمّة لمن التفت إليها. فالولاية لله، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ…﴾ [المائدة: 55]، هي جوهر التوحيد وحقيقته.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/tx01yvBFIBI

 


[1] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص83، الخطبة 37
[2] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص126، باب “الحب في الله والبغض في الله”، ح6
[3] في إشارة إلى الحديث القدسي الذي فيه أنَّ الله تعالى سأل نبيه موسى (عليه السلام) عن أخلص عمل عمله له، فلما ذكر موسى الصلاة والصيام وغيرهما، بيّن له الله تعالى أنَّ تلك له، ثم سأله: «هل واليت لي ولياً وهل عاديت لي عدواً قط؟» فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله. يُراجع: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج66، ص252، ح27
[4] يُراجع هذا المبحث في كتب الفقه الاستدلالي، كتاب الطهارة أو كتاب الصلاة، في شروط صحة النية.
[5] هو الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (ت 436هـ)، من كبار متكلمي وفقهاء الإمامية في القرن الخامس الهجري.