الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/09/09

بسم الله الرحمن الرحيم

 

#درس_العقائد

#درس_العقائد_1447هـ

#فقه_العداوة_بين_المؤمنين

فقه العداوة بين المؤمنين (7) سبع قواعد فقهية عرفانية أخلاقية عقائدية

الجمعة (9) رمضان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 العدالة عند القدماء في الدين والمروءة والحكم

01:01 اختلاف الاعلام في أخذ المروة في العدالة

04:27 عدم عداوة المؤمن للمؤمن شرط في العدالة

07:14 انتفاء المروة مخل بالعدالة وإن لم تكن معصية

07:15 اختلاف الأعلام في الاستثناء من حرمة عداوة المؤمن للمؤمن

12:26 استثناء حلية العداوة الدنيوية للمؤمن المظلوم

14:00 حسد المؤمن للمؤمن ليس معصية ما لم يبرزه بفعل

16:40 عدة قواعد فقهية عرفانية أخلاقية عقائدية غامضة

29:37 الفعل الذي ليس بمعصية ويخل بالعدالة

30:35 الريبة والالتباس ليست معصية ويخل بصحة الشهادة

37:00 الشخصية الاجتماعية لسيد الانبياء(ص)

43:21 اختلاف الفقهاء في تنظير الموضوعات الكلية للقواعد الست

43:21 اختلاف الأعلام في القواعد السبعة تنظيراً ومصداقاً

43:22 كلمات الأعلام في المسائل الفقهية العرفانية الاخلاقية العقائدية

48:21 البغض الإلهي في بعض الافعال المحللة

48:20 قائمة المسائل العقائدية و الأخلاقية والعرفانية في الفقه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحث العدالة في الشهادة: المروءة والعداوة والقواعد الفقهية

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغويّ الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء الراشدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.

مفهوم العدالة وأقسامها عند الفقهاء

في خضمّ استعراض أقوال الأعلام في شرطية عدالة الشاهد، وهي شرطية صحة أو قبول شهادة الشاهد المؤمن، ومفادها ألّا يكون معاديًا للمؤمن المشهود عليه، وقد ورد هذا التعبير في كتاب الكافي في الفقه للحلبي.[1] فالعدالة شرط، وقد مرّ بنا تقسيمها عند القدماء، حيث إنَّها ليست مجرد الاجتناب عن المعاصي والذنوب، بل تشمل عندهم: العدالة في الدين، والعدالة في المروءة -كما في المبسوط[2] - والعدالة في الحكم.

فالعدالة في الدين: تتحقق في القول والفعل؛ فالعدل في القول يراد به سلامة المعتقد، والعدل في الأفعال هو امتثال الطاعات واجتناب المحرّمات. وأمّا العدالة في المروءة: فتتعلق بالاتزان في الجانب الأخلاقي. ومسألة أخذ المروءة في حقيقة العدالة مختلف فيها بين المتقدّمين والمتأخرين؛ فالمشهور يأخذونها شرطاً، بينما يستشكل في ذلك متأخرو العصر، كالسيد الخوئي.[3] وأمّا العدالة في الحكم: فيراد بها البلوغ وكمال العقل. فإذاً، تقسّم العدالة إلى: عدالة في الدين قولاً وعملاً، وعدالة في الأخلاق (المروءة)، وعدالة في الأحكام (البنية التكوينية).

والسؤال المطروح هنا: أنَّ شرط انتفاء العداوة، هل هو مأخوذ في مفهوم المروءة، أم هو شرط مستقل قائم برأسه؟ وهذا البحث ينسحب على فرض كون العداوة محللة، فضلاً عمّا لو كانت محرّمة. وأصل عقد هذا البحث هو لتحرير هذه المسألة، وهي أنَّ العداوة بين المؤمنين هل هي محرّمة مطلقاً، أم أنَّها محرّمة غالباً مع وجود بعض المستثنيات؟ وما هي درجة العداوة المانعة من قبول الشهادة؟

يظهر من عبارة الحلبي في الكافي إدراج انتفاء العداوة في مفهوم العدالة، حيث قال: “العدالة شرط في صحة الشهادة على المسلم، ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والإيمان واجتناب القبائح أجمع، وانتفاء الظن بالعداوة والحسد والمنافسة وغير ذلك من أسباب الريب”.[4] ومقتضى كلامه: أنَّه أرجع شرط انتفاء العداوة إلى انتفاء التهمة، ثم أرجع انتفاء التهمة إلى حقيقة العدالة، فصار عدم التهمة درجة من درجاتها. إذن، عدم عداوة المؤمن للمؤمن شرط في العدالة بحسب ظاهر عبارة الحلبي، وهو لم يفصّل في نوع العداوة، فجعلها مطلقة.

وتأسيسًا على ذلك: قد يكون الشيء مُخِلاً بالعدالة عند القدماء مع أنَّه ليس بمعصية؛ فقد يسقط وصف العدالة عن الشخص لا لارتكابه معصية، بل لفقده الوقار الأخلاقي أو الخُلُق المتّزن. فعند مشهور القدماء، ليست العدالة مجرد عدم ارتكاب المعصية، بل هي عبارة عن توفّر الخُلُق المتّزن. وعليه، فالمروءة، التي تمثّل الحد الأدنى من الفضائل الأخلاقية، مأخوذة عندهم في حقيقة العدالة، وإن لم يكن الإخلال بها معصية.

حكم العداوة القلبية واستثناءات المظلوم

وأمّا العداوة المحللة، فالظاهر أنَّ الحلبي لا يرى للعداوة بين المؤمنين وجهاً محللاً، بل هي محرّمة عنده. وعلى مسلك المشهور من القدماء: يجب على الإنسان أن يضبط نفسه في العداوة الدنيوية، فلا يعادي المؤمن لأجل الدنيا؛ لأنَّ العداوة مطلقاً عندهم من المعاصي والمحرّمات المشهورة. بينما استشكل متأخرو العصر: في كون العداوة الدنيوية بين المؤمنين محرّمة بإطلاق، خصوصاً إذا نشأت عن نزاع دنيوي.

ومحل كلامهم هو في حكم مجرد العداوة القلبية أو البغضاء الناشئة عن دافع دنيوي، ما لم يترتب عليها أثر عملي محرّم كالغيبة والنميمة والنبز بالألقاب واللمز والغمز والهمز، فإنَّ هذه كلها معاصٍ بلا إشكال. فبينما يرى المشهور أنَّ مجرد العداوة القلبية معصية، يرى متأخرو العصر أنَّها قد تكون أمراً غير اختياري.

وقد فصّل متأخرو العصر، فمع قبولهم بأنَّ العداوة معصية في بعض صورها، إلّا أنَّهم استثنوا منها العداوة الدنيوية إذا كان المؤمن مظلوماً من مؤمن آخر ظالم له، كأن قتل أباه أو ابنه أو ألحق به أيّ نوع من الظلم. فقالوا: إنَّ هذه العداوة من المظلوم للظالم في الأمور الدنيوية ليست بمعصية. وقد ذهب إلى ذلك السيد أحمد الخوانساري[5] ، وتبعه جمع من المعاصرين، شريطة أن تقتصر على مجرد العداوة القلبية، أمّا الغيبة والنميمة والقذف والشتيمة، فكلها أفعال محرّمة وكبائر لا تسوغها المظلومية.

حكم الحسد وعلاقته بالمعصية والعقاب

والكلام ينسحب أيضاً على الحسد، وهو غير الغبطة. فقد ورد في الحديث الشريف ما ظاهره العفو عن الحسد ما لم يظهر، وهو المعروف بـ”حديث الرفع” الذي جاء فيه: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ… وَالْحَسَدُ…».[6] ولكن وقع الخلاف في فهم هذا الحديث: - فذهب قوم: إلى أنَّ الحسد ليس بمعصية ما لم يُبرَز بقول أو فعل، ولو كان الفعل غير محرّم في نفسه. - وذهب آخرون: إلى أنَّ نفس حديث الرفع دليل على حرمة الحسد ذاتاً، لأنَّ الرفع لا يكون إلّا لشيء ثابت، وما رُفع هو المؤاخذة والعقوبة لا أصل الحرمة.

وعليه: فالحسد عند المشهور، ما لم يُبرَز، فيه قولان: - القول الأول: أنَّه معصية وحرام، ولكنَّه معفوّ عنه من حيث العقاب. فإذا أبرزه صاحبه، ولو بفعل محلل كفلتات اللسان التي تكشف عنه، عُدَّ معصية متفقاً عليها، ويبقى البحث في كونها كبيرة أو صغيرة. - القول الثاني: أنَّ الحسد في نفسه معصية وحرام ذاتاً، وإنَّما رُفع عن الأمة العقاب عليه.

ويتفرّع على ذلك: أنَّه يمكن أن تكون الكبيرة معفواً عنها من حيث العقاب، ولكنَّها مع ذلك تخلّ بالعدالة. والحاصل: أنَّ منظومة العدالة في الفقه نظام معقّد تحكمه قواعد كلية متعددة، لا قاعدة واحدة. ويمكن إجمال بعض هذه القواعد فيما يلي:

القاعدة الأولى: ليس كلّ حلال لا يخلّ بالعدالة. وبيان ذلك: أنَّ بعض الأفعال المباحة شرعاً قد تكون مُخِلّة بالعدالة، وأبرز مصاديق ذلك هو ارتكاب ما يخالف المروءة.

القاعدة الثانية: نفي المعصية لا يستلزم الحلية. وبعبارة أخرى: ليس كلّ ما ليس بمعصية فهو حلال؛ إذ قد يكون الفعل محرّماً ذاتاً ولكنَّ الحرمة معفوّ عنها من حيث المؤاخذة، فلا يصدق عليه أنَّه حلال.

القاعدة الثالثة: بعض الكبائر المعفوّ عنها تخلّ بالعدالة. ومثاله: الظهار، فقد التزم جماعة من الأعلام بكونه من الكبائر، مع أنَّه معفوّ عنه بعد الكفارة، ولكنَّه قد يُعدّ مُخِلاً بالعدالة.

القاعدة الرابعة: قد يكون الشيء غير محرّم ولا مُخِلّ بالعدالة، ولكنَّه يخلّ بصحة الشهادة. ومآل القول: أنَّ البحث الفقهي في الأخلاق قد يكون أدقّ وأصعب من البحث الأخلاقي المجرّد؛ لأنَّه يتعامل مع هذه الأحكام الأولية بتعقيداتها، لا مع أحكام ثانوية.

والبعض يلتزم بأن الكبيرة المعفو عنها لا تخل بالعدالة، ولكنها تخل بالنزاهة، وهي مسألة مختلف فيها بين الأعلام. إذن فبعض ما لا يخل بالعدالة قد يخل بالنزاهة، أو بصحة الشهادة، أو بصلاحية الفقيه، أو صلاحية الوالي الحاكم السياسي.

وكم من عادل لا تصح شهادته، وهذه النصوص محل معترك للآراء بين الأعلام في أبواب الشهادات. ولذلك تعد المسألة من العويصات الفقهية الشديدة، التي فيها عواصف علمية كثيرة.

وقد وقع هذا البحث إنصافاً عند الأعلام، وهو بحث أخلاقي وعرفاني فقهي وحياني، بل هو أصعب مما بحثه علماء الأخلاق والعرفان. وهو بحث معقد ومسهب، صال وجال فيه جهابذة الفقهاء في حيثيات المباحثة. فإذا تقرر ما سبق، فربّ شيء لا يخل بالعدالة، لكنه يخل بصحة الشهادة وبالصلاحية، وهو ما يجب الالتفات إليه.

القاعدة الخامسة: أن ربّ شيء ليس بمحرم ولا معصية، ولا يخل بالعدالة، ولكنه يخل بإحراز العدالة. فهو ليس بحرام ولا بمعصية ولا يخل بالعدالة، ولكنه يخل بإحرازها إلى درجة أنه حتى لو قامت شواهد معتد بها على العدالة، فإن هذا الأمر يمنع من إحرازها. فحتى لو كان الشخص مداوماً على صلاة الجماعة وحسن الظاهر، وكان موزوناً من جهة القضايا الأخلاقية وله مروءة ولا يرتكب معصية، لكنه إذا ارتكب القبيح العقلي، فإن ذلك يستلزم الخلل في إحراز العدالة.

والحاصل: أن عندنا ما يخل بالعدالة، وما يخل بإحراز العدالة. وهذا الأخير هو محل كلام من ذهب -مثلاً- إلى أن الحسد وإن لم يكن حراماً شرعاً إذا لم يبرز، لكنه قبيح عقلاً، فيخل بإحراز العدالة.

وقد يعتبر البعض من هذا الباب مسألة الريبة؛ فهو لا يرتكب خلاف المروءة، لكن فيه ريبة والتباس، وقد لا يكون هو من صنع هذه الريبة والالتباس، وقد ورد في الحديث: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً جَبَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ»[7] . هو بفعله لم يوقع نفسه في موضع التهمة، بل آخرون أوقعوه فيه ظلماً، فهذا وإن لم يكن تقصيراً من نفس المؤمن، لكنه يخل بإحراز العدالة.

القاعدة السادسة: أن بعض الأمور تخل بصحة الشهادة، لا بالعدالة ولا بإحرازها، وإنما تخل بصحة الشهادة أو بصلاحية الفقيه أو صلاحية الحاكم. وهي تختلف عن القاعدة الرابعة التي مفادها أن بعض الأفعال ليست مخلة بالعدالة ولكنها تخل بصحة الشهادة، كالحرام المعفو عنه.

والفارق بينهما: أن مناط القاعدة الرابعة هو فعل الشخص نفسه، أما مناط القاعدة السادسة فهو أمر خارج عن فعله، بل هو بفعل الآخرين ولو ظلماً. فموضوع القاعدة السادسة هو السمعة الاجتماعية التي لم يصنعها هو، بل نشأت بحسب أفعال الآخرين، وهي ما يوجب انتفاء الريبة والنزاهة. ولذلك قد يفقد الشخص صلاحية إمامة الجماعة، أو صلاحية القضاء، أو صلاحية الفقيه الوالي.

ومثال ذلك: ما تعرض له الأنبياء (عليهم السلام) من القذف بالجنون أو السحر ونحو ذلك. وهنا يتدخل اللطف الإلهي ليثبت صلاحية الأنبياء للنبوة، فيؤمّن لهم الشخصية الاجتماعية اللائقة بهم ويدفع عنهم هذه التهم. ومن هذا الباب يُفهم لماذا لم يمارس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكتابة والقراءة مع علمه بهما، ولم يذهب إلى أحد ليتعلم منه شيئاً، وذلك صوناً لمقامه الشريف. فبينما نجد أن بعض الأنبياء كالنبي عيسى (عليه السلام) أو الأئمة (عليهم السلام) قد جُعلوا صورياً عند معلم، فإن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقع ذلك في شأنه قط. فهل كانت الكتابة والقراءة محرمة عليه؟ كلا. وهل هي مخلة بالمروءة؟ كلا. وإنما كان ذلك لأجل حفظ شخصيته النموذجية المثالية التي قد تتأثر بصنع الآخرين، لكي لا تفقد صلاحية الحجية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت - 48]. ومثال ما نحن فيه قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح - 2].

وذلك باعتبار أنهم طعنوا في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه مجنون أو ساحر، أو أنه -بزعمهم- قد صبأ، أي أخرج فتية قريش عن دينهم، فكانت دعواهم أنه جعلهم لا دينيين. ولذلك يؤكد القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران - 68].

فالحاصل: أن هذه ست قواعد، وربما هناك أكثر. وهي ترتبط بصلاحيات الشاهد، أو القاضي، أو الفقيه المرجع، أو الحاكم السياسي، بل تتعدى ذلك إلى النبي والإمام. وهو مبحث كلامي فقهي أخلاقي غليظ ومركّب، وليس بالشيء السهل.

والنزاع بين الأعلام في هذه القواعد الست يقع على جهات متعددة: - أولاً: النزاع في أصل الحكم: أي في الشبهة الحكمية التنظيرية، وماهية الحكم المذكور في هذه القواعد، وهل هو حكم فقهي أم غير فقهي. - ثانياً: النزاع في تنظير الموضوع الكلي: أي في تحديد ماهية هذا الموضوع؛ هل هو من باب المروءة؟ أم كبيرة معفو عنها؟ أم صغيرة؟ أم أنه ليس شيئاً من ذلك بل هو فعل له حكم عقلي محض؟ أم أنه فعل لا حكم له أصلاً؟ - ثالثاً: النزاع في مصاديق الموضوعات الكلية.

ولأجل بيان مدى تشعّب هذا البحث، فقد عقدنا ورشة عمل متخصصة في مبحث الشهادات، استمرت قرابة شهرين، وكان الهدف منها مجرد استجلاء كلمات الفقهاء وتصور مذاهبهم المختلفة في هذه المسألة دون الدخول في مقام المحاكمة والترجيح. ولو أن باحثاً شمّر عن ساعد الجِدّ وجمع كلمات الفقهاء في هذه المسألة وبوّبها ونظّمها، لخرج منها كتاب أخلاقي فقهي عظيم، وكلها من أقوال أكابر الفقهاء. حتى إن صاحب الجواهر[8] مع سعة باعه في الفقه، يرى أن يترك تفصيل هذه المباحث لعلماء الأخلاق، وذلك لشدة تعقيدها، مع أنها دخيلة في أصل صلاحية القاضي، ومرجعية الفقيه، وصحة شهادة الشاهد، وغيرها من الأمور الحساسة.

فهو بحث في حقيقة الأمر يتعلق بالوجاهة والمكانة اللائقة. وفضلاً عن ذلك، فإن الإنسان الذي يريد أن يواجه ربه، كيف له أن يضبط نفسه في هذه القضايا الدقيقة؟ فليس كل ما هو حلال يسوغ فعله، وقد ورد في الحديث: «إِنَّ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الطَّلَاقُ»[9] . ويُقال إن لبعض الأفعال الحلال حوبة، أي تبعة، وإن لم تكن عليها عقوبة، فليس كل حلال يمارسه الإنسان لا أثر له، فقاعدة «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[10] أوسع من دائرة المعاصي والمحرمات، وتشمل حتى بعض الحلال في سنن القضاء والقدر. ففي الحلال حساب، وفي الحرام عقاب. وقد يُسأل: إذا كان حلالاً فلماذا عليه حساب؟ والجواب: أن الحساب هنا بمعنى المجازاة بالآثار الوضعية. ولذلك قيل: «الْمُخْلَصُونَ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ»[11] . فليس الكلام في المتقين فحسب، بل حتى في المخلصين.

والخلاصة: أنه بحث فقهي أخلاقي عرفاني بالمعنى الوحياني، وهو متميز جداً في الفقه، ويدل على أن في الفقه قائمة من المسائل الأخلاقية الدقيقة. فكما أن في الفقه قائمة من المسائل العقائدية التي لم يبحثها علم الكلام بتعمق، كذلك فيه قائمة من المسائل العرفانية التي لم يخض فيها العرفاء وعلماء الأخلاق، ولكن ضرورة استنباط الحكم الشرعي ألجأت الفقهاء إلى بحثها.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/YA2smL_ICJY?si=UcKqNiEO4tRnI-eB

 


[1] أبو الصلاح الحلبي، تقي الدين بن نجم. الكافي في الفقه.. تحقيق رضا استادي، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) العامة، 1403 هـ
[2] الطوسي، محمد بن الحسن. المبسوط في فقه الإمامية.. تحقيق محمد تقي الكشفي، ط3، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1387 هـ
[3] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري.
[4] أبو الصلاح الحلبي، تقي الدين بن نجم. الكافي في الفقه.. تحقيق رضا استادي، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) العامة، 1403 هـ، ص425
[5] هو السيد أحمد بن يوسف الموسوي الخوانساري (ت 1405هـ)، من كبار فقهاء ومراجع عصره.
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص463، باب “ما رفع عن الأمة”، ح2
[7] لم يُعثر عليه بهذا اللفظ، والمروي عن أمير المؤمنين (ع): «مَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ مَوْقِفَ التُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ». الحر العاملي، محمد بن الحسن. وسائل الشيعة.. تحقيق مؤسسة آل البيت (ع)، ط1، مؤسسة آل البيت (ع)، 1409 هـ، ج12، ص47، باب “كراهة الدخول في مواضع التهمة”، ح1
[8] النجفي، محمد حسن. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.. تحقيق عباس القوجاني، ط7، دار إحياء التراث العربي، 1981 م
[9] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج6، ص54، باب “كراهية طلاق المرأة الموافقة”، ح1
[10] لم يُعثر عليه بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، وهو من الأمثال المشهورة.
[11] يُنسب هذا القول إلى الإمام الصادق (ع) في بعض المصادر المتأخرة، ولم يُعثر عليه في المصادر الأولية المعتبرة.