47/09/07
مراتب العدالة ومصادر المعرفة في المنظور الإسلامي
#درس_العقائد
#درس_العقائد_1447هـ
#فقه_العداوة_بين_المؤمنين
فقه العداوة بين المؤمنين (6) العدالة والعصمة ونزاهة أصحاب المسؤوليات العامة
الأربعاء (7) رمضان 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 صعوبة العدالة بزيادة المسؤوليات العامة
01:01 شرائط الفقيه العالم وراء العدالة وزيادة
06:04 الفرق بين عدالة المعصوم وعدالة العلماء والفقهاء
10:00 أمير المؤمنين (ع) خازن كل علم النبي (ص)
10:01 علي (ع) أعلم الصحابة بكل علوم الدين وافتقارهم إليه
15:00 عجز البشرية عن استيعاب علوم الوحي بدون النبي والآل (ص)
21:15 حاجة البشرية الى رجعة أئمة أهل البيت بعد الظهور
21:16 قطب الرحى في القيامة سيد الأنبياء (ص) وأمير المؤمنين(ع) في الرجعة
25:34 إجماع الأمة بدون المعصوم ليس بحجة
26:24 الوحي غيب وراء الحس والعقل والتواتر يقين حسي
30:19 العدالة في المعصوم تنظيراً وتطبيقاً
33:32 مواضع التهمة مخل بإحراز العدالة مثال النبي يوسف
35:00 إزالة مواضع التهمة عن النبي لتكون الحجة بالغة
38:34 القرآن يميز تحريفات التوراة والإنجيل عن الوحي فيهما
38:35 وحي القرآن مهيمن على وحي التوراة والإنجيل
44:35 تصديق جميع الكتب السماوية مع عدم التهوك
44:36 نظرية المعرفة في عدالة العلم بالعقائد والأخلاق والفقه
49:52 مسؤولية الحوزات العلمية والوحي مصدر للعلوم الروحية
50:48 الحلي والطوسي وابن ميثم - ثلاثية العلوم
50:50 تقدير السيد الخوئي للتخصص العلمي
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء الراشدين.
العدالة والنزاهة: شرط زائد أم عين العدالة؟
في أثناء بحثنا في أقوال الفقهاء، وسنقرأ لاحقاً الروايات والأدلة التي أوردها صاحب الوسائل[1] لاشتراط نزاهة الشاهد في الشهادة، فضلاً عن القاضي والحاكم والوالي، يعتبر كثير منهم -كما مر- أن هذا الشرط وراء العدالة، أي زيادة عليها. بينما ذهبت جماعة من الفقهاء، وهم ليسوا بالأكثر، إلى أن هذا ليس شرطاً زائداً على العدالة.
وعلى أي حال، فإن طبيعة العدالة تقتضي أنه كلما ازدادت المسؤوليات، صار الحفاظ عليها أمراً صعباً. ويفسر بعضهم ذلك بأن العدالة، وإن كان تحققها في الشؤون الفردية أمراً هيناً، إلا أنه إذا تقلد الشخص مسؤولية معينة وازدادت أعباؤه، فإن مراعاة العدالة تصير أصعب وأشد. فكلما ازدادت المسؤولية، اشتدت وصعبت رعاية وصف العدالة لدى الإنسان.
وهذا التردد عينه بين الأعلام في شرطية النزاهة في الشاهد، جارٍ في الفقيه المرجع. فهل يُشترط فيه، زيادة على العدالة، ما ورد في النصوص من أوصاف أُخَر؟ وهل تلك الأوصاف هي شروط وراء العدالة أم أنها هي عين العدالة؟ - فذهبت طائفة من الأعلام، وهي ليست بالقليلة، إلى أنها شروط زائدة على العدالة. - وذهبت طائفة أخرى إلى أنها هي عين العدالة وليست أمراً وراءها. - أما الطائفة الثالثة فترى أنها هي العدالة عينها، ولكن وصفها وتحققها في الفقيه المرجع شديد.
وقد نُقل عن السيد محسن الحكيم[2] -رحمه الله- أنه كان يرى صعوبة تحقق وصف العدالة في من يتصدى للمسؤوليات الكبرى، وذلك لثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه. إذ لا تقتصر التكاليف حينئذ على الدائرة الفردية، بل تتعداها إلى تكاليف عامة شديدة وشاقة، فرعاية تلك التكاليف أمر ليس بالسهل. فمآل قول هذا الفريق أن هذه الأوصاف هي عين العدالة، ولكنها عدالة يكون تحققها والمحافظة عليها في غاية الصعوبة في بعض المواطن.
والشيء بالشيء يذكر، فإن هذا المبحث سيال. فهل العدالة المشترطة في الرئيس السياسي، أو الوالي، أو الوزير، أو قاضي القضاة، هي عينها التي قد يُعبَّر عنها في الاصطلاح الوضعي المعاصر بمصطلحات أخرى كالأمانة والكفاءة؟ وقد ورد في القرآن الكريم في وصف نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه السلام: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وفي وصف نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. إن اشتراط العدالة بهذا المعنى أمر صعب التحقق والرعاية.
محدودية علم العلماء وحاجة الأمة للمعصوم
والعدالة في العلماء والفقهاء ليست هي العدالة التي في المعصوم، كلا، فالعدالة المعصومة شيء آخر. ولو قيل إن العصمة يمكن أن تكون مكتسبة عند النوادر من العلماء، فإن هذا القول، مع صدوره عن بعض الكبار، يفتقر إلى الدقة العلمية. وذلك لأنه لو افترضنا وجود فقيه لم يُلاحظ عليه ارتكاب ذنب، فإنه من جهة التنظير، هل بلغ مجموع العلماء على مر خمسة عشر قرناً تمام الأحكام الشرعية؟ الجواب بالنفي قطعاً، فلا أحد يستطيع ادعاء ذلك. فمجموع العلماء من الأولين والآخرين لم يصلوا إلى كل العلم.
ولو وصل مجموع العلماء إلى كل العلم لاستُغني عن المعصوم بقاءً، وهذا محال. وهنا مكمن الاشتباه عند المخالفين القائلين بالاستغناء بالصحابة عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ما لا يمكن. وهل استغنى الصحابة الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به عن علي بن أبي طالب؟ مع أن النبي أعظم علماً وشأناً من أمير المؤمنين عليه السلام. لم يستغنوا به عنه.
فإن قيل: ما هو وجه عدم الاستغناء؟ قلنا: ليس القصور في النبي، حاشاه، ولا في القرآن، حاشاه، وإنما القصور في المتلقي. فالتلميذ لا يستطيع أن يستوعب كل ما لدى المعلم. قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109]. فإذا كان البحر الذي هو مداد الكلمات ينفد، فكيف بالمتلقي؟ فالأزمة ليست في القرآن ولا في النبي، بل في قدرة المتلقي البشرية المحدودة التي تعجز عن استيعاب الوحي بكليته.
ومما يثبت هذا المعنى ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن علياً خازن علمه،[3] فكل علم النبي قد خزنه علي عليه السلام. وكل القرآن خزنه أمير المؤمنين. ولذلك عندما نقول في الزيارة: “السلام عليكم يا أهل بيت النبوة”،[4] فهم ليسوا بأنبياء، ولكنهم المخزن الملكوتي الذي اختُزنت فيه نبوة سيد الأنبياء. فالإشكالية إذن في المتعلم المتلقي.
إن هذا المقدار من صحبة الصحابة للنبي لا يؤهلهم للاستغناء في الاسترفاد من النبي أو القرآن عن قناة الاتصال الغيبي المتمثلة بأهل البيت عليهم السلام. فإن قدرتهم على تلقي المعارف الغيبية محدودة، كما أن الحواسيب الفائقة في عصرنا قد تتطلب ظروفاً خاصة كالتبريد الشديد لمعالجة الكم الهائل من البيانات، وهذا في عالم الحس والمادة، فكيف بعالم الغيب والوحي؟
ولذلك ورد في شأن أبدانهم الخاصة: “أجسامكم في الأجسام… وأبدانكم في الأبدان”،[5] فكيف لهم أن يستوعبوا تلك الطاقة التي لا يستوعبها غيرهم؟ ونظير ذلك ما يروى عن رجل أتى الإمام الحسين عليه السلام فقال: “يا ابن رسول الله، حدثني بفضائلكم”، فقال له الإمام: “إنك لا تطيق”، فألح عليه، فهمس الإمام في أذنه، فما استتم كلامه حتى شاب شعر رأس الرجل ولحيته في الحال،[6] فإنه لم يقدر على تحمل ما سمع.
قصور القوابل البشرية وسر الحاجة للوسيط الغيبي
ويقولون بحجية العقل، ولكن أي عقل؟ فالعقول متفاوتة، منها عقل النابغة والمتوسط والعادي. فإلى أي عقل يكون المرجع؟ إن تجلي الحقيقة يختلف أثره باختلاف القوابل، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143]. فالتجلي فعل الله، وبهذا الفعل الإلهي صار الجبل دكاً، وحتى نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه السلام لم يستطع تحمل ذلك التجلي فخرّ صعقاً. وهذا النور الذي تجلى لموسى كان نوراً لمخلوق، وهو أحد الملائكة المقربين، فكيف لو كان التجلي أعظم من ذلك؟
إن أصل القرآن ومفتاحه يكمن في فهم هذه الحقيقة، وهي محدودية القوابل. فعندما قال تعالى للملائكة: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 31]، كان العجز من جهتهم لا من جهة الأسماء. فالمشكلة ليست في القرآن، بل في قصور استيعاب المتلقين. فإذا أقررنا بعظمة القرآن، فلا يسوغ أن نقول إن متعلماً محدوداً يمكن أن يكون قيماً عليه. إن القول بكفاية المجتهد أو الفقيه عن المعصوم هو تقزيم للقرآن نفسه، وتصغير لشأن الوحي. فلا بد من كتاب غيبي، ولا بد له من رجل غيبي. فإن قيل إن الرجل ليس غيبياً، لزم منه أن القرآن ليس غيبياً. فإما أن نقبل بغيبية القرآن ولا تناهي علومه، وإما فلا.
ومن ثم، فإذا كانت البشرية لم تستغنِ بمعايشتها للنبي عن علي، فليس ذلك لنقص في النبي صلى الله عليه وآله، بل لقصور في البشرية. ولماذا لم تستغنِ البشرية بالله عن رسله وأنبيائه؟ إن الله موجود، ولكن البشرية لا تستطيع أن تستوعب ما عند الله مباشرة، فالمشكلة فيها لا فيه سبحانه. فهي عاجزة عن الاسترفاد والاستفاضة من محض وجوده بنفسها، فلا بد من وسيلة غيبية، وهذا هو سر الحاجة إلى الأنبياء والرسل.
فإذا كان مجموع العلماء على مر خمسة عشر قرناً لا يغنون في مقام التنظير عن المعصوم، فكيف بعلم شخص واحد؟ ولذلك فإن قاعدة “لو كان لبان”[7] قد تكون عاطلة في هذا المقام.
فإن قيل: لو كان لبان. قلنا: يبان عند من؟ وهل كل ما عند النبي قد استبانه غيره؟
هل يستبين كل أحد ما عند النبي؟ ولمّا كان الأمر كذلك، فلماذا احتاج الناس بعد الإمام الباقر إلى الإمام الصادق عليهما السلام؟ ولماذا احتاجوا بعده إلى الإمام الكاظم عليه السلام؟ ولماذا احتاجوا بعد الإمام الهادي إلى الإمام الحسن العسكري عليهما السلام؟ ولماذا نحتاج إلى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
استمرارية الحاجة للمعصوم: من الرجعة إلى حجية الإجماع
بل حتى بعد الظهور وقيام دولته، نحتاج إلى رجوع الإمام الحسين عليه السلام، حيث تبدأ وقائع الرجعة، وأول من يرجع من الأئمة هو سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام.[8] فلماذا هذا الاحتياج المتجدد؟ والجواب هو الجواب نفسه. وبعد الحسين عليه السلام يرجع أمير المؤمنين عليه السلام، وهلم جرا في توالي الأئمة، بل إن أكثر الأئمة رجوعا هو أمير المؤمنين عليه السلام، إذ يرجع كرات ومرات. وقد ورد في الروايات أن: “قُطْبُ رَحَى الرَّجْعَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُطْبُ رَحَى الْقِيَامَةِ سَيِّدُ الرُّسُلِ”.[9] وإن كان سيد الرسل هو السيد في كل شيء، ولكن هذا بحسب ما يظهر للعيان في تلك العوالم.
والحاصل أن الكلام في العدالة يقع على مستويين: - الأول: مستوى التنظير: وهو معرفة التكاليف الشرعية بأجمعها، فمن الذي يحيط بها علما؟ - الثاني: مستوى التطبيق: وهو إتقان إنفاذ الأحكام الشرعية، فمن الذي يتقنه؟ وهل هناك من يتقنه على وجه الكمال؟
إن للتطبيق تقنياته التي تختلف عن تقنيات العلم والتنظير، ومن هنا نفهم كثرة اعتراضات النبي موسى على نبينا وآله وعليه السلام على الخضر، فعلم النبوة القائم على التشريع والتنظير لا يغني عن علم الولاية القائم على التطبيق وحقائق الأمور. فهل هذه العصمة في العلم والعمل أمر مكتسب؟ إنها لا تُكتسب بمجرد اجتماع العلماء. ولذلك استقر عند علماء الإمامية أن إجماع الأمة، حتى مع اشتماله على جميع علمائها، ليس بحجة شرعية بنفسه.[10] إنما الحجية لإجماع الأمة إذا كان كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام. أما إجماعهم من دونه فليس بحجة وحيانية، وإن أفاد التواتر أو الوثوق. وهذه من القواعد المحورية في المنظومة العقدية والأصولية عند الإمامية.
فإجماع الأمة برمتها، بما فيها من نوابغ كابن سينا،[11] والشيخ الأنصاري،[12] والوحيد البهبهاني،[13] والشيخ الطوسي،[14] والشيخ المفيد،[15] كل هؤلاء لو أجمعوا على أمر من دون المعصوم، فإجماعهم ليس بحجة وحيانية. إن التواتر يفيد حجة حسية ويقينا حسيا، ولكن الوحي لا يُدرك باليقين الحسي؛ لأنه غيب وراء الحس يعجز الحس عن بلوغه. فماذا نريد من الدليل لإثبات أمر وحياني؟ - هل يكفي اليقين الحسي؟ كلا، لا يفيد. - هل يكفي اليقين العقلي؟ كلا، لا يفيد أيضا.
والسبب أن الوحي وراء العقل كما هو وراء الحس. فالرادار العقلي، وإن كان أقوى من الرادار الحسي، إلا أنه قاصر عن إدراك عالم الوحي. فلا بد من “رادار وحياني” لكشف حقائق الوحي.
فلاحظ في مسألة العصمة المكتسبة، إنها دعوى خاوية، فهل كان نبي الله موسى عليه السلام يفتقر إلى الورع حتى افتقد علم الخضر؟ إن المقصود أن العدل الذي في المعصوم لا يوصف، فهو أسمى تنظيرا وأسمى تطبيقا، وذلك شيء آخر لا يناله أحد. فضلا عن أن المعصومين أنفسهم بينهم درجات ومراتب، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، وذلك لأن “الرادار الوحياني” لدى الرسل ليس على درجة واحدة. وهذا لا ينافي الإيمان بهم جميعا، كما في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، فعدم التفريق هو في أصل الإيمان بالرسالة، وأما التفضيل فهو إثبات للمراتب التي جعلها الله لهم، فليس نحن من فضلناهم، بل الله هو الذي فضلهم. وتختلف درجات استيعابهم مع أن الشبكة المتصلين بها شبكة وحيانية. إذن، العدالة في المعصوم لا تُقَدَّر ولا يُتكلم في كنهها، فهي أمر آخر؛ عدالة في العلم والعمل، فهو عليم في التنظير، أمين وحفيظ في التطبيق. فالعدالة بمعنى العصمة شيء آخر.
النزاهة فوق الشبهات: من سيرة الأنبياء إلى هيمنة القرآن
نرجع إلى صلب الحديث، وهو أن العدالة تزداد صعوبتها كلما ازدادت التكاليف. ونجد في القرآن الكريم مبحث عدالة الشاهد ونزاهته، وهو محور بحثنا. فعندما يرتبط الأمر بفقه العدالة بين المؤمنين، يجب أن يكون الشاهد العادل المؤمن لا يعادي أخاه المؤمن عداوة دنيوية. هذا الشرط المنصوص عليه والمفتى به في باب القضاء، يختزن في طياته مباحث عقدية عظيمة ومباحث فقهية سياسية كبرى، إذ تترقى مراتبه من الشاهد إلى القاضي، فالحاكم، فالوالي، إلى الإمام. ولكن قد يُقال إن عدم الكون في موضع الريبة، هل هو شرط مستقل أم أنه يخل بإحراز العدالة؟ وقع الكلام بين الفقهاء في ذلك، وكثير منهم يرى أنه يخل بإحراز العدالة.
والشاهد على لزوم عدم الكون في موضع التهمة، هو ما فعله النبي يوسف على نبينا وآله وعليه السلام، فلماذا أراد أن تنقشع التهمة عن نفسه قبل الخروج من السجن، مع أنه معصوم؟[16] لقد فعل ذلك لأنه لكي يقوم بمسؤولية النبوة، يجب أن يزيل تلك التهمة وإن كان بريئا منها ومظلوما فيها، وذلك لكي لا يكون للناس على الله حجة، وتكون الحجة البالغة لله.[17] وإلا لتذرع المتذرعون بأن عليه كلاما أو علامة استفهام.
وعلى هذا المنوال، فسر أهل البيت عليهم السلام قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]. فبما أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوم، فأي ذنب له حتى يغفره الله؟ جاء في بيانهم أن الذنب المنسوب إليه هنا هو ما كان في أعين قريش والقبائل المعادية، التي كانت ترى أن النبي صلى الله عليه وآله مذنب لأنه “صبأ” بفتيانهم، أي أخرجهم عن دين آبائهم.[18] فهذه تهمة وطعن في النبي صلى الله عليه وآله، وإن كان طعنا جائرا، إلا أنه كان لا بد من إزالته لتتم حجة الله البالغة على الناس، ولكي لا يكون النبي صلى الله عليه وآله محلا للتهم والريب، مع أنه منزه عن كل ذلك. وعلى أي تقدير، ورد في قراءة: “لقد تاب الله بالنبي على المؤمنين”، بدلا من القراءة المشهورة.
وكما في آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]. فكان النبي صلى الله عليه وآله ممنوعا من قِبل الله عن ممارسة القراءة والكتابة، لا لعدم قدرته والعياذ بالله، بل حُرِّم عليه ذلك سدا لذريعة ارتياب المبطلين. فلما كان النبي صلى الله عليه وآله طيلة حياته لا يمارس القراءة ولا الكتابة، فكيف أتى بهذا الكتاب العظيم وبأخباِر الأمم السابقة، ولم يراجعه في ذلك أحد من البشر؟ بل إنه أبطل ما في التوراة والإنجيل من تحريفات. فكيف يقال إن القرآن نسخة من التوراة والإنجيل؟ كذبت أيها المستشرق، وكذبت أيها الباحث غير النزيه. إن القرآن يبطل ما في التوراة والإنجيل من تحريفات، فكيف يكون نسخة منهما؟ إن القرآن يميز ما في التوراة من وحي عما فيها من تحريف، ثم إن الوحي الذي في التوراة لا يرقى إلى الوحي الذي في القرآن، وكذلك الشأن مع الإنجيل. ومن يلتفت إلى هذه الحقيقة؟ نوابغ علماء العقل، ونوابغ علماء الروح، ونوابغ علماء الدين. كل صاحب علم يدرك أن ما في التوراة من وحي هو قطرة في بحر ما في القرآن من وحي، فكيف يكون مأخوذا منه؟
لذلك، من وظائف القرآن الكريم أنه يبطل زيف ما حرفه اليهود في التوراة، وما حرفه النصارى في الإنجيل. وزيادة على ذلك، فإن الوحي الذي في القرآن لا يبلغ شأنه الوحي الذي في التوراة والإنجيل. وهذا برهان على وحيانية القرآن، فلو قبل النصراني أن الإنجيل وحياني، وكان حياديا في عقله وعلمه، لرأى أن القرآن أعظم من الإنجيل في جانبه الوحياني، فضلا عن كونه يميز له ما في كتابه من وحي وتحريف.
أن يميز لك ما في الإنجيل من تحريف ومن وحي، وكذلك القرآن أعظم مما في التوراة من وحي، ويميز ما في التوراة من وحي عما فيها من تحريف. ولذلك قال سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لجماعة من أصحابه أرادوا أن يجعلوا للتوراة أو للإنجيل مركزية، فقال منكراً عليهم: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا؟»[19] ، ومقتضى ذلك وقوعهم في ضلال من نمط خاص.
خطر التهوك وضرورة التكامل المعرفي في الحوزة العلمية
فوحي التوراة تبع للقرآن، وليس القرآن تبعًا للتوراة، ومن يسلك هذا المسلك يسمى متهوكًا، كما ورد في حديث التهوك المشهور. ووجه ذلك أن من يفعل ذلك يجعل الوحي الذي في التوراة مركزًا، وهو لا يصح؛ إذ لا يقوم الفرع مقام الأصل.
ويتفرع على ذلك، ووفقًا لمنهج نظرية المعرفة نفسه، أن جعل أصول الدين بمنزلة الفروع، والفروع بمنزلة الأصول، هو ضرب من التهوك. فالتهوك هو أن يُجعل الفرع أصلًا والأصل فرعًا، أو أن يُسَاوى بينهما. ومصداق ذلك أن يُجعل علم العقائد في الحوزات العلمية بمنزلة فقه الفروع، وهو أمر لا يستقيم، بل هو انحراف عن الجادة.
والصواب أن الاستقامة تقتضي الجمع بين التصديق بالقرآن والتوراة والإنجيل وجميع الكتب المنزلة على الأنبياء، فالإيمان يجب أن يكون بالمجموع. وعلى هذا المنوال، لا بد من الإيمان بأهمية علم العقائد في الحوزة، والإيمان بأهمية فقه الفروع. أما الاكتفاء بفقه الفروع دون علم العقائد، فهو التهوك بعينه؛ لأن استقامة الفقه إنما تكون بالعقائد. فالاستقامة تتحقق بالمجموع لا بالبعض.
وأما الجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، فمقتضاه أن الإيمان يجب أن يشمل المجموع، فلا نفرق بينهم من حيث وجوب الإيمان بهم جميعًا، ولكن مع الإقرار بوجود مراتب بينهم، فمنهم المهيمن والأصل، ومنهم من هو دونه.
وعليه، يجب أن تُدرَّس العلوم الدينية كلها في الحوزات، ولا سيما الأصول الثلاثة التي أشار إليها سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ»[20] . وهذا الحديث مستفيض، بل ادُّعي تواتره في مجموع طرق الفريقين.
فمن أراد أن يتبحر في الفقه وليس له باع في العقائد، أو كان باعه فيها متوسطًا، فقد أخل بالتوازن المطلوب. وكذلك من أراد أن يكون متكلمًا قويًا في العقائد وليس له باع في الفقه، فإنه يقع في عدم التوازن نفسه.
والحاصل أن التوازن إنما يكون في تحصيل مجموع هذه العلوم الثلاثة التي أشار إليها سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، والتي اعتبرها كثير من العلماء أركان نظرية المعرفة في الإسلام. وقد أُطلق على هذا التكامل “العدالة في العلم”، فلا يكون الإنسان ذا عدالة في العلم حتى يكون له إلمام بالعلوم الثلاثة: - العلوم المرتبطة بالعقائد (آية محكمة). - العلوم المرتبطة بالأخلاق والروح والقلب (فريضة عادلة). - العلوم المرتبطة بالفقه والأحكام (سنة قائمة).
وهذا التوازن ضروري، وإلا فإن المجتمع سيرتمي في أحضان مدارس الصوفية أو غيرها من المشارب الروحية؛ لأن في النفس البشرية ظمأً روحيًا، فإن لم تلبِّ الحوزات العلمية ذلك الظمأ، كان الارتواء من معين آخر. وإذا لم يُجعل الوحي مصدرًا للعلوم الروحية -وهي أوسع من مجرد علم الأخلاق- فستقع الأمة في محاذير شتى. وهذه من المسؤوليات العظيمة الملقاة على عاتق الحوزة العلمية، وقد وعاها كثير من العلماء الأعلام كالسيد الخوئي[21] .
فإن قيل إن العلوم الروحية حكر على الصوفية، قلنا إن هذا ادعاء باطل؛ فمن من أعلامنا لم يكن له اشتغال بالعلوم الروحية؟ فهذا السيد ابن طاووس[22] ، وذاك الشهيد الثاني[23] ، وغيرهم كثير. ومن أبرز الأمثلة كمال الدين ابن ميثم البحراني[24] الذي كان جهبذًا في العلوم الروحية، حتى إن حوزة الحلة آنذاك أصرت عليه أن يقدم إليها من بلاده ليملأ هذا الفراغ. وهذا برهان تاريخي على وعي علماء الإمامية بضرورة هذا التوازن، إذ أجمعوا على أن حوزة الحلة يجب ألا تخلو من العلوم الروحية.
فقد كان العلامة الحلي[25] -وهو مرجع عصره- يدرس العلوم الروحية على ابن ميثم، بينما كان ابن ميثم يدرس الفقه على العلامة الحلي، في تبادل علمي فريد. وفي الوقت نفسه، كان العلامة الحلي يدرس المعقول على الخواجة نصير الدين الطوسي[26] ، وكان الخواجة يحضر درس الفقه عند العلامة.
فهؤلاء النجوم الثلاثة المعاصرون -ابن ميثم البحراني، والخواجة نصير الدين الطوسي، والعلامة الحلي- يمثلون ظاهرة عظيمة في تاريخ علماء الإمامية، حيث كان كل واحد منهم يكمل الآخر ويأخذ عنه ما ليس عنده. وهذا الأمر ضروري، ويمكن مراجعة تفاصيله في كتب التراجم والسير ككتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين[27] . ووجه الاستشهاد بذلك أن هذه العلوم الثلاثة ضرورية لتكامل الحوزة العلمية: - فجانب العقائد والعقليات تميز فيه الخواجة الطوسي. - وجانب العلوم الروحية تميز فيه ابن ميثم البحراني. - وجانب الفقه تميز فيه العلامة الحلي. ومع ذلك، لم يكن العلامة خاليًا من المعارف العقلية والروحية، ولكن ليس بالدرجة التي عند الخواجة وابن ميثم، وكذلك الحال معهما، وهذا هو سر عظمة ذلك الجيل.
تنبيه: على أهمية تقدير العلم وأهله، يُنقل عن السيد الخوئي رحمه الله ما يرويه أحد تلامذته، وهو صهره، أنه قال: “وبعيني رأيت السيد الخوئي يأخذني ويذهب بي إلى دكان النجار، محمد أمين نجار”، فلما سُئل عن سبب مجيئه إليه، قال: «هذا أعلم واحد في علم الرجال عند أهل السنة». وفي هذا دلالة واضحة على مدى تقدير زعيم الحوزة آنذاك للعلم، أيًا كان مصدره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأربعاء 7 رمضان 1447 هـ
#درس_العقائد
#درس_العقائد_1447هـ
#فقه_العداوة_بين_المؤمنين
فقه العداوة بين المؤمنين (6) العدالة والعصمة ونزاهة أصحاب المسؤوليات العامة
الأربعاء (7) رمضان 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 صعوبة العدالة بزيادة المسؤوليات العامة
01:01 شرائط الفقيه العالم وراء العدالة وزيادة
06:04 الفرق بين عدالة المعصوم وعدالة العلماء والفقهاء
10:00 أمير المؤمنين (ع) خازن كل علم النبي (ص)
10:01 علي (ع) أعلم الصحابة بكل علوم الدين وإفتقارهم إليه
15:00 عجز البشرية عن استيعاب علوم الوحي بدون النبي والآل (ص)
21:15 حاجة البشرية الى رجعة أئمة أهل البيت بعد الظهور
21:16 قطب الرحى في القيامة سيد الانبياء (ص) وأمير المؤمنين(ع) في الرجعة
25:34 إجماع الأمة بدون المعصوم ليس بحجة
26:24 الوحي غيب وراء الحس والعقل والتواتر يقين حسي
30:19 العدالة في المعصوم تنظيراً وتطبيقاً
33:32 مواضع التهمة مخل بإحراز العدالة مثال النبي يوسف
35:00 إزالة مواضع التهمة عن النبي لتكون الحجة بالغة
38:34 القرآن يميز تحريفات التوراة والإنجيل عن الوحي فيهما
38:35 وحي القرآن مهيمن على وحي التوراة والإنجيل
44:35 تصديق جميع الكتب السماوية مع عدم التهوك
44:36 نظرية المعرفة في عدالة العلم بالعقائد والاخلاق والفقه
49:52 مسؤولية الحوزات العلمية والوحي مصدر للعلوم الروحية
50:48 الحلي والطوسي وابن ميثم - ثلاثية العلوم
50:50 تقدير السيد الخوئي للتخصص العلمي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المحاضرة:
https://youtu.be/hKSj1rfXmsc?si=TKryl4hmyDm8sIev