الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/08/01

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

المحاضرة العقائدية لسماحة المرجع الديني الشيخ محمد السند حفظه الله تعالى

يوم الثلاثاء 1/شعبان/1447

حجية الكشف والادراك القلبي في نظرية المعرفة الدينية

#درس_العقائد

#درس_العقائد_1447هـ

حجية الكشف والإدراك القلبي في نظرية المعرفة الدينية

الثلاثاء (1) شعبان 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 رؤية الباري بتجليه في الآيات لا بالاكتناه والإحاطة

01:01 الصفات الذاتية صفات فعل إلهي عالي

04:05 حقيقة العلم الحضوري وإدراك القلب

06:55 مشروعية الرياضات الروحية بالعمومات الدينية

13:30 أهمية التثبت في الروايات في عملية الاستنباط

16:40 مقطوعات نهج البلاغة في الرياضة الروحية والقلبية

16:41 الشيخ أبن ميثم البحراني والتضلع في العرفان

20:33 حاجة الرياضة الروحية للممارسة

20:34 نظرية المعرفة الدينية ومراتب طبقات الحجج وعدم الخلط بينهما

20:35 الخطأ في الرياضات الروحية مع حجية العقل والمكاشفات

28:25 المكاشفات برهان إجمالي على الغيب ولا يغني عن الوحي

31:00 النبي (ص) أعظم مرتاض في المخلوقات

31:01 مراقبة الروح أثناء العبادة – التلذذ بها

 

رؤية الباري بتجليه في الآيات لا بالاكتناه والإحاطة

مر بنا في بيان أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ»، وهذا يعني: لا أعتقد بشيء غيب لا أراه. ولكن هذه الرؤية - كما مر - ليست رؤية إحاطة، ولا رؤية حسية، إنما هي رؤية الآيات، ورؤية تجلي الله في الآيات. فالتجلي نمط رؤية لله تعالى، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.

التجلي انكشاف وظهور، ولكن سبحان من لا يحويه الظهور ولا يحويه البطون؛ فهو فوق الظهور وفوق البطون، وهو فوق الأسماء وفوق الأوصاف، وفوق نعت الناعتين. وعجز العقول هو أسدّ وصف لله تعالى، إذ تعجز العقول عن نعته. ولكن هذا العجز ليس بمعنى التعطيل، بل هو:

     تثبيت بلا تشبيه.

     تثبيت بلا تحديد.

     تحميد مع تنزيه عن الحدود.

فبالتالي لا يلزم التعطيل، ومن جهة أخرى لا يلزم التشبيه؛ لأن كل هذه التوصيفات إن حملناها على الآيات فهو صحيح.

الصفات الذاتية صفات فعل إلهي عالي

وهذا يعني أن حتى الصفات الذاتية هي صفات فعل، لكن من نمط عالٍ. نعم، «وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ»، يعني بالآيات والدلائل، وليس بالاكتناه والإحاطة. وكما في قوله (عليه السلام): «وَيْلكَ يَا ذِعْلِبُ، لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ»، لأن القلوب إدراكها بالآيات والتكشف.

حقيقة العلم الحضوري وإدراك القلب

وهذا خلاف ما عرّف به الفلاسفة أو العرفاء "العلم الحضوري" الذي يمارسه القلب أو الوجدان؛ فقد عرفوا العلم الحضوري بأنه "حضور الشيء"، وهذا خطأ. فما معنى حضور الشيء؟ نادراً ما يكون العلم الحضوري حضوراً للشيء ذاته.

نعم، العلم الحضوري ليس علماً بالشيء بواسطة المعنى الفكري أو الصورة الحصولية، بل هو علم القلب - الإدراك بالقلب - وهو علم بآثار عينية عيانية للشيء؛ هذا هو الصحيح. وإلا نادراً ما يكون في العلم الحضوري حضور للشيء.

حتى النفس - مثلاً - يمثل الفلاسفة والعرفاء والمتكلمون للعلم الحضوري بعلم الإنسان بذاته ونفسه؛ وهذا علم حضوري وليس علماً حصولياً، فيعلم الإنسان بذاته لا عبر الصور، بل بحضور ذات النفس لدى الإنسان. لكن مع ذلك، حتى في هذا الحاضر لدى الإنسان من نفسه - وبحسب علوم النفس الحديثة - هو العقل الظاهر في الإنسان، أو درجات يسيرة من العقل الباطن، أو قل الطبقات الباطنة من ذات وروح الإنسان.

والإمام جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه) يقول في معرفة الإنسان لطبقات ذاته السبعة - حيث إن الإنسان فيه سبع طبقات - ويعبر عنها بـ "الأطباق السبعة". وهذا التعبير بـ "الأطباق السبعة" ليس اصطلاحاً تعبدياً شرعياً، بل هو تعبير تكويني؛ وقد سُميت أطباقاً لأن كلاً منها مهيمن على الآخر. ويذكر الإمام الصادق (عليه السلام) أن هذه الأطباق السبعة في ذات الإنسان لا تنكشف له إلا بالرياضة المشروعة.

مشروعية الرياضات الروحية بالعمومات الدينية

أين ذكر الإمام الصادق ذلك؟ ذكره في رواية أوردها زميل أو تلميذ الصدوق: محمد بن الحسن الخزاز الأشعري القمي، في كتاب "كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر". وهي رواية عظيمة في فقه القلوب والرياضات الروحية.

وفي هذه الرواية يبين الإمام الصادق (عليه السلام) أن الرياضات الروحية إذا التزم الإنسان فيها بالعمومات الدينية فهي مشروعة، ولا تحتاج إلى تعبد خاص؛ فعموم الذكر، وعموم محبة الله، وهذه العمومات الوحيانية الموجودة كافية في مشروعية الرياضات الروحية.

ويبين (عليه السلام) أنه بالتجارب قد يبتكر الإنسان - لا أنه يشرع من نفسه - بل بالممارسة يرى أن الذكر الفلاني له هذه الخواص، والعبادة الفلانية لها تلك الخواص، وكلها مشروعة. فيصبح "صيدلانياً روحياً" أو "صيدلانياً قلبياً"، فما المانع من صيدلية القلب؟ إن عموم هذه العمومات المشروعة تكسبه هذه الخبرة، وهذا ليس بدعة.

فيبين الإمام (سلام الله عليه) أن الوصول إلى كمالات الروح والقلب بالعمومات المشروعة في الدين له أنواع وألوان وأساليب متعددة تندرج تحت العمومات، وذات أزياء متنوعة؛ فبعضها قصير الطريق والمسافة، وبعضها فيه دوران وتبعيد للمسافة، وبعضها متوسط، كما يبين الإمام في هذه الرواية. ولمن تدبر كلمات الإمام، فإن هذه الرواية عظيمة جداً، وقد وقفنا عندها في العام الماضي كثيراً.

أهمية التثبت في الروايات في عملية الاستنباط

هذه الرواية رواها الخزاز بطريقين مختلفين: أحدهما عن الفقيه عبد الله بن أبي يعفور، والثاني عن يونس بن ظبيان؛ وكان خطاب الإمام طبعاً مع يونس بن ظبيان. وقد طُعن على يونس بن ظبيان بأنه "خطابي"، ولكن هناك شواهد - لعلها حتى عند الوحيد البهبهاني - تفيد أن ساحة يونس بن ظبيان مبرأة عن الخطابية. وأياً ما كان، فقد روى هذه الرواية أيضاً ابن عقدة في كتابه بطريق ذكره، فالرواية متعددة المصادر عن الإمام الصادق (عليه السلام).

وهنا، قد يعترض معترض قائلاً: "الرواية مرسلة".

فنقول: من قال إنها مرسلة؟ أنت تتبع بنفسك وستجد أن لها طريقين عند الخزاز نفسه؛ مسندان متصلان، وله طريق ثالث ذكره ابن عقدة في الفضائل. دع عنك "الحوالات"؛ فالحوالات المصرفية في بعض الأحيان فيها غش وخداع. اذهب بنفسك وتثبت من المطلب؛ فهذه نكتة مهمة في علم الحديث وعلم الرجال: لا تعتمد على الحوالات المصرفية أو الاعتبارية (قيل وقال).

يقول المجلسي الأول (رحمه الله): "سبعة قرون مضت على بحث الشهادة الثالثة في الأذان، وعجيب من رؤساء عظام غفلوا عن التثبت في المواد الروائية الواردة في الشهادة الثالثة". فالغفلات تحصل، والمعصوم هو المعصوم.

لذا، التثبت مهم. ثبّت المتن ثم انقش الرواية. (رحمه الله) الميرزا جواد التبريزي، كنا معه في جلسة تدوين "منهاج الصالحين" لسنين، فكان الإخوان في الجلسة يقرأون الإسناد، فيقول: "يا أخي، قبل الإسناد اقرأ لي المتن أولاً! انظر هل المتن مرتبط بالموضوع أم لا؟ ثبّت العرش (المتن) ثم انقش الطرق والمصادر".

مقطوعات نهج البلاغة في الرياضة الروحية والقلبية

المهم نرجع إلى مطلبنا؛ ففي تلك الرواية الشريفة - وهي نظير ما ذكره جده أمير المؤمنين في نهج البلاغة - حيث توجد مقطوعات لأمير المؤمنين حول الرياضة القلبية والروحية. منها المقطوعة الموجودة في النهج: «قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَأَمَاتَ نَفْسَهُ... حَتَّى بَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ». وهذه تشرح مراحل الرياضة والمكاشفات، وهي في نهج البلاغة، ونحن نؤمن بنهج البلاغة كله.

الشيخ أبن ميثم البحراني والتضلع في العرفان

وقد شرح هذه المقطوعات الشيخ ميثم (كمال الدين ميثم البحراني) شرحاً ممتازاً؛ لأنه متضلع في علم العرفان، وهو "صيرفي" في علم الأخلاق والرياضة الروحية، وله ثلاثة شروح (الكبير والصغير).

حتى أن الخواجة نصير الدين الطوسي طلب منه أن يدرسه العرفان، وهو طلب من الخواجة أن يدرس عنده الفلسفة. وكذلك العلامة الحلي طلب منه أن يدرسه العرفان، وهو طلب من العلامة أن يدرسه الفقه؛ فحصل تزاوج في التدريس والتتلمذ بين هؤلاء الأعلام الثلاثة: ابن ميثم، والعلامة الحلي، والخواجة نصير الدين الطوسي (رحمهم الله).

وعبارة ابن ميثم جزيلة جداً، فهو متضلع في علوم اللغة والبلاغة والعرفان العملي والنظري، وشرحه قوي يجمع بين الإيجاز والجزالة. وجمع الجزالة والإيجاز من أصعب المهمات؛ فخير الكلام "ما قل ودل": "قل" تعني الإيجاز، و"دل" تعني الجزالة.

حاجة الرياضة الروحية للممارسة

في هذه المتون الواردة عن أهل البيت في فقه القلوب، يبينون أن العمومات العبادية المشروعة في الوحي كافية لاتخاذ صياغات للرياضة الروحية؛ كمعجون من هذا العموم وذاك، فلا تخرج عن الشرعية. وبالممارسة تصبح لدى الإنسان خبرة ومدرسة، كما في الرياضة البدنية تماماً.

فيا إخوان، شئنا أم أبينا، الرياضة الروحية تحتاج إلى ممارسة. فكتاب "مفاتيح الجنان" عبارة عن مجموعات من الرياضات الشرعية، ترتاض وتدمن بها، فتبدأ لياقتك الروحية بالتنشيِط. وأول الرياضات القهرية التي سنزج فيها هي الموت؛ فالموت رياضة روحية رهيبة. وقوله (صلى الله عليه وآله): «مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا» أحد معانيها: تروضوا برياضات روحية يسهل عليكم الموت.

الخطأ في الرياضات الروحية مع حجية العقل والمكاشفات

لكن يجب الانتباه؛ المكاشفة لا تجعل الإنسان نبياً، وقد مر بنا هذا البحث؛ فمن جرب الموت ورجع هل صار نبياً؟ لا. وصياً؟ لا. حجة؟ مصطفى؟ لا.

عندما يقال "المكاشفة حجة"، فليس معناه ادعاء النبوة. وكثير ممن تحصل عندهم المكاشفات من أهل المعنى يتخيل نفسه نبياً أو قناة وحيانية لا غبار عليها، وهذا خطأ كبير يقع فيه المحبون للرياضات الروحية والمتحاملون عليها على حد سواء؛ فلا المحبون اتخذوا طريقاً وسطاً، ولا المتحاملون.

وهذا شبيه بحجية العقل؛ فهناك من يغالي فيها وكأن عقل البشر فوق الوحي أو النبوة، وهذا غير صحيح. فحجية العقل لا تعني العلمانية والاستغناء عن الوحي؛ بل هي لا تستغني عن جهود العلماء، فضلاً عن الوحي. ولكن عدم الافتقار إلى الوحي (في البديهيات) لا يعني نسف حجية العقل، فلا إفراط (علمانية) ولا تفريط (إلغاء العقل)، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي وضع في موضعه.

نظرية المعرفة الدينية ومراتب طبقات الحجج وعدم الخلط بينهما

إن حجية العقل لا تعني أن الإنسان مجتهد أو عالم؛ فقد يكون صاحب علم ودرجته العقلية ضعيفة، وقد يكون عاقلاً لا علم له، كما في الروايات. فحجية العقل شيء، وحجية العلم شيء، وحجية الوحي شيء آخر؛ فالحجج بينها مراتب وطبقات. وإن أنكر الإنسان المراتب فقد غوى وهوى وهلك.

وكما مر بنا في نظرية المعرفة: العلوم الوحيانية غير العلوم النقلية، وغير العقلية، وغير التجريبية؛ فهي منظومات من العلوم لا ينبغي خلطها. فالعقل الوحياني غير العقل البشري، والعقل البشري متفاوت؛ بعضه مع العلم معلم، وبعضه متعلم. وبعض معاني حجية العقل حجيته كمتعلم لا كمعلم؛ فلك أهلية التعلم وهذه حجية، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فالتدبر حجة على الإنسان وحجة للإنسان.

المكاشفات برهان إجمالي على الغيب ولا يغني عن الوحي

والمقصود أنه عندما يقال "المكاشفة علم ووجدان"، فهذا لا يوصلك أيها المكاشف إلى النبوة والوحي أبداً، ولا يغنيك عن الثقلين. بل هو تمرين للعقل لكي يتعلم أكثر من الوحي، وتمرين للقلب ليتعلم أكثر.

وفي رواية أوردها الشيخ الأنصاري في المكاسب المحرمة حول "لِمَ خلق الله الحلم (الرؤيا في المنام)؟"؛ قال: لأن أقواماً قالوا لنبيهم: أنت تحدثنا عن العالم الآخر، فهلا فتحت لنا بصيصاً لنلمس ذلك العالم؟ فأحدث الله الحلم والرؤيا لكي يجد الإنسان أن هناك عوالم أخرى. فالمكاشفة برهان إجمالي - كالبراهين العقلية - تكشف لك أن هناك غيباً، فلا تجحد. أما أن تغنيك عن الوحي، وتصبح نداً للوحي؟ لا، هذا أكبر خطأ يقع فيه المرتاض في الرياضات الروحية.

النبي (ص) أعظم مرتاض في المخلوقات

فلا مفر من الرياضة. وأكبر مرتاض في الكائنات هو سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، فهو أكبر من روض نفسه على الإطلاق؛ حتى أن الملائكة المقربين (المسبحين والراكعين) يتعجبون من الرياضة الروحية العبادية التي يمارسها رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام)، وهناك بيانات عديدة في القرآن حول هذا.

مراقبة الروح أثناء العبادة – التلذذ بها

فالرياضة القلبية لا بد منها، والعبادات هي أصلاً رياضة روحية قلبية. فعندما تصلي أو تصوم أو تزور، راقب روحك. وهذه المراقبة ليست مراقبة عن الأعمال المحرمة (فقط)، بل راقب الآثار التي تلمسها روحك؛ ستجد معنى الرياضة شيئاً فشيئاً.

وحينما تزاول العبادة - ولو كان هذا الالتفات مشغلة عن التوجه التام، لكنه نافع في التلذذ بالعبادة - وهم (عليهم السلام) يؤكدون أن الإنسان إذا أراد أن يرتقي لا بد أن يتطعم التلذذ بالعبادة؛ فإن لم تتلذذ لن تعشق العبادة، ولن تنجذب إليها، وبالتالي لن تتوجه بعمق روحي إلى الله.

فالمقصود هو التدبر والتأمل أثناء الصلاة والركوع والسجود، وتفعيل شبكة المشاعر الباطنة؛ فهذا طريق للحراك الروحي. وقد جر بنا الحديث إلى قول أمير المؤمنين: «رَأَتْهُ الْقُلُوبُ» ولم يقل "رأته العقول"؛ فثمة رؤية عقلية ورؤية قلبية. وهذه الرؤية القلبية علم حضوري، ليس حضوراً للشيء نفسه، بل لتجليات الشيء، وآثار الشيء، وآيات الشيء.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.