47/07/29
بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة العقائدية لسماحة المرجع الديني الشيخ محمد السند حفظه الله تعالى
يوم الاثنين 29/رجب/1447
الرؤية لله تعالى ممتنعة الا بالآيات والوسيلة
#درس_العقائد
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : الرؤية لله تعالى ممتنعة إلا بالآيات والوسيلة
تأريخ الدرس : الأثنين ٢٩ رجب ١٤٤٧ ه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 آليات الرؤية القلبية بحقائق الايمان
04:00 تجلي الله في الآيات بنحو الطريقية كما في معاني الفكر
08:00 زيارة اعلام النجف لسيد الشهداء (ع) بما في كتاب التهذيب
12:20 الوسيلة و الوساطة والشفاعة التكوينية
17:00 طريق الصدوق الغو في جانب الشعور والمعرفة
25:00 الارادة الإلهية في عام القدر والقضاء الارواح الكلية لأهل البيت (ع)
26:00 الرؤية بالآيات و الوسائط والبراهين العقلية لعجز المخلوق
29:00 البرهان العقلي في المرآة و كبرياء آيات الله
32:20 التلازم العقلي التكويني بين معرفة الله وآياته وتجلي الكمالات
آليات الرؤية القلبية بحقائق الإيمان
مرّ بنا هذا التعبير كقاعدة معرفية متكررة في لسان أهل البيت (عليهم السلام)، ولسان أمير المؤمنين وبقية الأئمة: «رأته القلوب»، ولكن بماذا؟ «بآلية»، أي بالآيات وبحقائق الإيمان. وحقائق الإيمان تعني الآيات والبراهين والدلالات، وليس الرؤية رؤية إحاطة؛ فالإحاطة بالباري ممتنعة ودعواها تشبيه، سواء كانت رؤية حسية، أو رؤية قلبية، أو رؤية عقلية، أو رؤية بقوة أخرى من قوى الإنسان.
تجلي الله في الآيات بنحو الطريقية كما في معاني الفكر
لذلك صدرت تنبيهات وتعاليم أكيدة من أئمة أهل البيت للتربية العقلية في المعرفة، ومن هذه التوصيات التي تدل على هيمنتهم على المدرسة العقلية الوحيانية وتفوقهم على المدرسة العقلية البشرية، قولهم (عليهم السلام): «كلما تصورتموه وتفكرتموه في أدق أوهامكم... فهو مصنوع لكم، مخلوق لكم، مردود إليكم -أو عليكم-».
وهذه التوصيات جاءت لبيان نكتة دقيقة، مع أنهم (عليهم السلام) عندهم توصية أخرى -ولاحظ كيف يجمع الباحث منظومة بياناتهم العقلية الوحيانية- إذ قرروا أن الإنسان لا يكلف بأكثر مما لديه من قدرة عقلية وفكرية في معرفة الله، فأكثر من هذا لا يكلف. فنفس المعاني العقلية التي تأتي في فكر وعقل الإنسان، لا يكلف الإنسان بالمعرفة أكثر منها.
فمن جانب يقولون: «مخلوق لكم، مصنوع لكم، مردود إليكم»، ومن جانب آخر يقولون لا يكلف الإنسان بأكثر من هذا الذي يتفكره من صور. فكيف الجمع؟
لا منافاة في ذلك؛ لأن البيان الذي يفيد بأن الإنسان ليس مكلفاً بأكثر من هذا، يعني أن هذه الصور -التي هي مخلوقة صحيح للإنسان- لكن «يرى بها»، و«ينظر بها»، و«يعرف بها»، و«يتجلى الله عز وجل له بها». فهذه المعرفة كافية بنحو الآلية والطريقية.
أما الطائفة التي تقول «مخلوق لكم مصنوع لكم مردود إليكم» فتعني: لا تظن أن هذه الآلة هي "ذي الآلة"، ولا تظن أن هذه الآية هي نفس "ذي الآية"، بل هي مخلوقة.
فمثل هذا اللسان كالمرآة «يرى بها»؛ دورها وسيط وطريق، لكن في حين أنها طريق ووسيط، يجب أن تلتفت إلى أنها ليست هي كنه المرئي، وليست هي عين تحقق وجود المرئي، بل «يرى بها» كالمرآة، وأنت لست مكلفاً بأكثر من أن ترى بالمرآة، أي بالآيات.
لذلك الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في عيون أخبار الرضا، وفي احتجاجاته مع الملل والنحل المختلفة، يبين دور المرآة في الحكاية والإراءة؛ فالمرآة حاكية للمرئي من دون أن يكون المرئي وجوده وتحققه عين وجود وتحقق المرآة.
ومع ذلك يرى بالمرآة، ولا نقول إن المرآة هي المرئي نفسه، ولا نقول إن الحاكي -وهي المرآة- عين المحكي. فالمرآة من جهة هي وسيط وطريق، ومن جهة أخرى هي ليست المرئي. "هي هو" (أي المرئي) من جهة الحكاية، وليست "هي هو" من حيث الوجود، بل هما وجودان. فمن حيث الحكاية لا فرق بينها وبين المرئي، إلا أن وجودها يختلف عن وجود المرئي.
زيارة أعلام النجف لسيد الشهداء (ع) بما في كتاب التهذيب
ومثل هذا المعنى ما ورد في الدعاء في رجب: «لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك». وهذا الدعاء بحد ذاته "برهان عقلي"، بغض النظر حتى عن سنده، وهو وارد في التوقيعات ورواه الشيخ الطوسي في المصباح المتهجد. وطبعاً لأن الشيخ الطوسي روى هذا الحديث، فهل الشيخ من الغلاة مثلاً؟ وهل يتوهم واهم هذا التوهم؟ والشيخ الطوسي أيضاً رواه في "التهذيب"، فهل الشيخ الطوسي يروي ما لا يعي؟ حاشا، وهو زعيم الطائفة في العلم.
وعلى أية حال، كما أن الشيخ الطوسي في التهذيب يروي هذه الزيارة التي يقال إنه قبل سبعين سنة في النجف الأشرف كانت هي الزيارة العمدة التي يزور بها العلماء سيد الشهداء في كربلاء؛ وهي التي بدايتها: «السلام عليك يا حجة الله وابن حجته»، وفيها: «وتر الموتور»، و«قتيل الله وابن قتيله»، وفيها أن «سكن دمك في الخلد»، و«بكى لك من في السماوات ومن في الجنة ومن في النار». هذه الزيارة بحسب نقل علماء النجف الذين أدركناهم في قم، هي تقريباً "بورصة الزيارة" عند العلماء الكبار، يركزون عليها أكثر من غيرها في زيارة سيد الشهداء، ويعتمدون عليها ويدمنون عليها بكثرة.
الوسيلة والوساطة والشفاعة التكوينية
هذه الزيارة رواها الشيخ الطوسي في التهذيب، وتتضمن حوالي تسع جمل أو خمس عشرة معادلة، وفيها:
• «بكم يمحو الله ما يشاء ويثبت».
• «بكم فتح الله وبكم يختم».
• «بكم بدأ».
• «بكم يدفع الله الكرب».
• «بكم تنزل السماء رزقها».
• «بكم تسبح الأرض».
• «بكم تنبت الأرض أشجارها».
سبحان الله! الفعل فعل الله، وبعضها فعل الأرض وفعل السماء؛ عدة أفعال أسندت للسماء أو للأرض أو للكائنات العظيمة، وهذه الكائنات لا تُصدر هذا الفعل إلا بالشفاعة التكوينية لأهل البيت.
فعالم اللوح والمحو والإثبات «بكم يمحو الله ما يشاء ويثبت»، وهذا ليس لعجز الله -حاشا لله- عن أن يستعين بمخلوق، وإنما هو عجز المخلوقات وليس عجز الوسيلة. فالوسيلة ليست وسيلة في الدعاء والعبادة والإنشاء فحسب، بل الوسيلة وسيلة تكوينية أيضاً، وليست مجرد وسيلة اعتبارية، كما أن الشفاعة ليست شفاعة اعتبارية فقط، بل شفاعة تكوينية، أي وساطة تكوينية.
وهذه الوساطة ليست لعجز الله -حاشا لله عن ذلك- إنما هي عجز المخلوقات. وإلا لماذا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾؟ هل هذه وكالة عزلة؟ هل ينعزل الله؟ أعوذ بالله. هل هو عجز في الله فيستعين بعزرائيل؟ حاشا لله.
إذن لماذا وكّل ملك الموت؟ ووكل بأي معنى؟ كما أن النفخ في الصور وُكل إلى إسرافيل، وكذا وُكل إلى جبرائيل وميكائيل بحسب روايات الفريقين المتواترة، فهؤلاء موكلون، وكذلك الكرام الكاتبين، ومالك خازن النار، وخازن تعني "كَليد دار" (حامل المفاتيح)، وهي مفاتيح تكوينية وليست اعتبارية كفتح الباب.
فكيف يصبح رضوان واسطة تكوينية للجنة؟ الفيوضات من الله للجنة تمر عبر رضوان. كذلك هنا، الوهابية أو الصوفية أو بعض "وهابية الشيعة" يفكرون أن هذا كله عجز في الله! فيقول أحدهم "هذا ما أؤمن به"، في حين أنه ليس عجزاً في الله. أنت في أول آية في الدين، وأس أساس الدين تقول "أستعين ببسم الله"، والاسم مخلوق، فلماذا تستعين ببسم الله؟ وما هو دوره في الوساطة؟ إن أساس الدين هو فهم الوساطة والوسيلة، وهي الشهادة الثالثة بالدقة. فالبسملة هي الشهادة الثالثة، ومعناها وساطة المصطفين والاستعانة بهم.
طريق الصدوق الغلو في جانب الشعور والمعرفة
حتى فعل الأرض في الإنبات، والوساطة التكوينية فيه بأهل البيت: «بكم تنبت الأرض». هل هذا كله غلو؟! وكذلك فعل السماء: «بكم تنزل السماء قطرها ورزقها». هل هذه كلها "مال الغلاة"؟ وهل الشيخ الطوسي من الغلاة لأنه روى هذه الزيارة؟!
لننظر من في سند هذه الرواية، ليس فقط الشيخ الطوسي، بل سلسلة سند هذه الرواية كلها زعماء المذهب، فهل كلهم غلاة على منطق وهابية الشيعة؟! هذا ما يسمى علم الرجال، لنعرف "الغلاة":
• الشيخ الصدوق رواها أيضاً، فلننظر "غلو الصدوق" كم مقداره! الصدوق يرويها عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (وهو من أصحاب الإمام الرضا)، وسند الصدوق إليه يقع فيه زعماء المذهب، فهل هؤلاء كلهم صاروا غلاة؟!
• ابن قولويه صاحب "كامل الزيارات" رواها أيضاً، وهو أستاذ الشيخ المفيد، وزعيم الطائفة، والمدفون عند الإمام الكاظم. يرويها عن أبيه (وهو من زعماء المذهب وصديق ابن بابويه).
• ويرويها عن محمد بن الحسن بن الوليد (وهذه عجيبة! لأن ابن الوليد لا يقترب صوب المعارف العالية، فكيف اقترب هنا؟).
• عن سعد بن عبد الله (من زعماء المذهب).
• عن أحمد بن محمد بن عيسى "زعيم قم" (الذي يقولون فيه إنه يخرج الغلاة من قم، هو يروي هذه الرواية!).
• عن القاسم بن يحيى (السند معروف، حفيد وجد، والوحيد البهبهاني وكثيرون يعتمدون على وثاقتهم).
• عن الحسن بن راشد.
• عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة.
عن الإمام الصادق (عليه السلام).
إذن الزيارة عن الإمام الصادق، وهؤلاء زعماء المذهب تلقوا هذا المتن بالقبول؛ فلو كان هذا المتن مخالفاً لضروريات الدين لما رووه، ولما أثبتوا هذه الرواية في كتبهم الحديثية زعيماً بعد زعيم، مما يدل على أن هذه ثقافة المذهب. هل تريد أن تسميهم غلاة؟ هذا بحث آخر، لكن هي هذه ثقافة المذهب.
وفي الزيارة أيضاً: «بكم تسبح الأرض»، أي حتى جانب الشعور والمعرفة في الأرض يتم بأهل البيت (عليهم السلام).
الإرادة الإلهية في عالم القدر والقضاء الأرواح الكلية لأهل البيت (ع)
وفي نفس المتن ورد: «وإرادة الرب في مقادير أموره تنزل عليكم وتصدر من بيوتكم».
والإرادة هنا ليست فعلاً عرضياً، بل الإرادة هنا عبارة عن "وجود جوهري". هذا الوجود الجوهري الملكوتي عبارة عن روح أمري، ينزل على أهل البيت ويصدر من بيوتهم، أي أرواحهم كبيوت، وليس المراد البيوت من طين.
ومعنى «إرادة الرب في مقادير أموره»، أي بعد عالم القضاء والقدر؛ فالقضاء يمر عبر الأرواح الكلية لأهل البيت. فعالم التقدير وبعده يأتي عالم القضاء، ونفس عالم القدر وعالم القضاء -وهو ليلة القدر أيضاً بهذا اللحاظ- عبارة عن الأرواح الكلية لأهل البيت (عليهم السلام) التي يتنزل الأمر فيها. فتصدر هذه السلسلة من الأمور التكوينية كلها، ويمررها الله عز وجل عبر الأرواح الكلية لأهل البيت. «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، هذا نص الزيارة التي رواها كل زعماء المذهب وبنوا عليها.
الرؤية بالآيات والوسائط والبراهين العقلية لعجز المخلوق
فهنا نرجع إلى المطلب، وهو أن الرؤية بالوسائط وبالآيات، وهذه الوساطة والشفاعة كما مر تكوينية؛ فمن جهة أنت تقول "رأيت المرآة"، ومن جهة "رأيت المرئي". لا فرق بينك وبينها "حكايةً"، وليس "لا فرق بينك وبينها وجوداً وتحققاً". لذلك هذا الدعاء الذي رواه الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد برهانه فيه، وهذا البرهان أعظم من أن نعتمد فيه فقط على زعماء المذهب.
وهذا ليس عجزاً في الباري كما مر، بل هو عجز في المخلوقات؛ فالمخلوق لا يستقبل إلا عبر وسائط ووساطات. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، هل الغلاة كتبوها في القرآن؟ وما معنى أن الله يحتاج جنوداً؟
وقوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، يعني غير المضلين (الهادين) لم أشهدهم؟ ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني العصاة المذنبين لم أشهدهم، أما أولئك (المتقين) فقد أشهدهم.
فليس معناه أن الله عز وجل في عجز، حاشا لله، بل هي طبيعة. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، هل الله عاجز إلا من الماء؟ كلا، بل هي طبيعة الفيض أن يأخذ وساطات، لأن المستفيض لا يستقبل الفيض إلا بوسائط. وهذا معنى الوسيلة التكوينية والشفاعة التكوينية، ولأهل البيت (صلوات الله عليهم) الحصة الكبرى في عالم ونظام المخلوقات.
البرهان العقلي في المرآة وكبرياء آيات الله
إذن نرجع إلى ما قاله الإمام الرضا (عليه السلام): إن الله خلق مثل المرآة أموراً وموارد عديدة. فمن جهة "ترى بها"، ومن جهة ما المرئي بالمرآة كأنما هو المرآة، ومع ذلك هو غيرها. "هو غيرها"، و"هي هو"، "هو هي"، و"هو هو"، و"هي هي"؛ هذا ليس تناقضاً بل فيه برهان عقلي، وجداني وفطري. إنه "ترى بها"، وإذا صارت شفافة أصلاً لا تميز بينها وبين المرئي؛ «لا فرق بينك وبينها» لخلوصها عن شوائب ونقائص المخلوقات.
ومن ثم مر بنا أن تعظيم أسماء الله تعظيم لله. وتنقيص أسماء الله ليس لله، ففي القرآن: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾، أما "أسماء السوء" فليست لله. وأنت إذا لم تعظم أسماء الله، بالتالي لم تعظم الله. وإن لم تنزه أسماء الله عن النقائص، لا تستطيع -في المعرفة لا في التكوين- أن تنزه الله.
فالطريق إلى تعظيم الله، وتنزيه الله، وكبرياء الله هو "كبرياء آياته". هل هذا غلو؟! أنت لا تفهم، إذا لم تكبر آيات الله -أعوذ بالله- فإما أنك قطعت وعطلت الطريق إلى الله، أو شبهت الله بنقائص المخلوقات؛ ما عندك أي خيار غير هذين الخيارين: إما تعطل أو تشبه.
التلازم العقلي التكويني بين معرفة الله وآياته وتجلي الكمالات
إذن تعظيم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ لأنه طريق لتسبيح الله. ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ طريق لتنزيه وتعظيم الله. فتعظيم الله من دون تعظيم آياته التي يتجلى فيها ليس تعظيماً لله، بل ازدراء لله عز وجل وليس ازدراء للآيات.
إذن هناك تلازم عقلي تكويني معرفي بين معرفة الله ومعرفة آياته، وبين تعظيم الله وتعظيم آياته، وبين تنزيه الله وتنزيه آياته، في حين أن هذه الآيات مخلوقة. ولكن مع ذلك فنحن نرى بها، ونعرف بها، وبالتالية من جهة تجلي العظمة، تتجلى عظمة الله وتتجلى كل كمالات الله فيها.
ومن ثم سمي الخليفة خليفة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ربط الله عز وجل بين جعل الخليفة وتعليم الأسماء الجامعة فيه، يعني هذا مظهر لتجلي الأسماء الجامعة في هذا الخليفة، وبالتالي للمسمى، ومن ثم سمي خليفة. وخليفة يعني: «لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك»؛ فالخليفة كأنما تراه، وإن رأيته رأيت الله. ليس هو الله، بل هو تجلي أعظم لله.
لذلك الملائكة -جبرائيل وميكائيل وعزرائيل- لهم مناصب عظيمة، لكن الله عز وجل لم يجعلهم خليفته في سماواته وأرضه، بل جعل آدم، وجعل بعد آدم سلسلة. لماذا؟ لأن آدم تتجلى فيه -وليس قصة بدن آدم، بل كل وجوده- تتجلى فيه الأسماء والكمالات الإلهية. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء﴾، ولم يؤكد الله؟ قال: ﴿كُلَّهَا﴾، وليس بعضها.
فإذن هذه هي نظام الخلقة، تكفر بها تكفر بمعرفة الله، وتعطل معرفة الله، أيها الوهابي أو أيها الصوفي أو أيها العارف إن شككت في ذلك. هم السبل إليه تعالى، سبل فيض الله، سبل رحمة الله، سبل معرفة الله، وسبل تجلي الله عز وجل. أنت لا تستكبر أيها المخلوق، فليس لديك قابلية أن تكون قريباً إلا أن تتقرب بمن هو قريب، تتقرب تكويناً ومعرفة.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.