70/80/12

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /نقاش الشيخ وحيد الخرسان مع السيد الخوئي
قد تقدَّم الكلامُ تفصيلاً في أنّ الأعلامَ اختلفوا في تبويب مسألة جريان الاستصحاب في التدريجيّات؛ فذهب بعضهم إلى جعل البحث في مقاماتٍ ثلاثة: نفس الزمان، والأفعال غير القارّة، والأفعال القارّة المقيَّدة بالزمان، بينما جعلها بعضٌ آخر — كصاحب الكفاية — في مقامين، فجمع الزمانَ والأفعالَ غير القارّة في مقامٍ واحد. وكيف كان، فقد واجه الأعلامُ مشكلةَ لزوم الأصل المثبت عند استصحاب الزمان بمفاد «كان التامّة»، وذلك بناءً على كون الزمان مأخوذاً في متعلَّق الواجب على نحو القيديّة؛ إذ إنّ إثبات وقوع الفعل في ظرفه الزماني — على هذا المبنى — لا يكون إلّا من اللوازم العقليّة أو العرفيّة للاستصحاب، فيكون من الأصل المثبِت، وهو ليس بحجّة.
وحيث إنّ هذا الإشكال يبتني على فرض القيديّة، فقد تصدى السيد الخوئي إلى دفعه ، وذهب إلى أنّ الزمان ليس مأخوذًا على نحو القيد للواجب، بل هو مأخوذ بنحو التركيب، بمعنى أنّ الموضوع المطلوب مركّب من ذات الفعل ومن الزمان، من دون أن يكون أحدهما قيدًا ووصفا للآخر. وعلى هذا الأساس، يمكن إحراز أحد الجزأين بالوجدان ـ وهو نفس الفعل ـ وإحراز الجزء الآخر بالأصل ـ وهو بقاء الزمان ـ وهذا كافي في إحراز تمام الموضوع، من غير حاجة إلى إثبات أمر زائد على مؤدّى الاستصحاب، فلا يلزم محذور الأصل المثبِت.
والظاهر أنّ هذا الوجه للمحقق النائيني في دورته الأصوليّة الثانية، كما يظهر من تقريرات بحثه في أجود التقريرات، حيث بنى هناك على تحليل أخذ الزمان في لسان الدليل على نحو التركيب، وجعل ذلك مخرجًا عن الإشكال المتقدّم.
وبهذا يتّضح أنّ محور الخلاف في المقام يرجع إلى كيفيّة أخذ الزمان في متعلّق الحكم: فإن أُخذ قيدًا عاد إشكال الأصل المثبِت، وإن أُخذ جزءًا من موضوع مركّب أمكن تصحيح الاستصحاب، بناءً على كفاية إحراز مجموع الموضوع بالوجدان والأصل.
وقد تتبَّع الشيخ الوحيد الخراساني هذا المبنى للمحقِّق النائيني، وذكر أنّ بعضَ الأعاظم - إشارة إلى السيد الخوئي - قد وافقه عليه، إلّا أنّه لم يرتضِه؛ وذلك لأنّ الروايات الواردة في مقام الإثبات قد عبَّرت عن الزمان بلسان الظرفيّة، ومقتضى هذا اللسان عرفًا كون الزمان مأخوذًا على نحو القيديّة، لا على نحو التركيب. ومع البناء على القيديّة يعود الإشكال، فلا يتمّ دفع إشكال لزوم الأصل المثبت بهذا الوجه.
ثمّ إنّه ـ بعد استعراضه سبعةَ وجوه لدفع الاشكال في المسألة، وعدم ارتضائه لشيءٍ منها ـ انتهى إلى مختاره، وحاصله: أنّ الأصل السببي، أعني استصحاب النهار، لا يجري لابتلائه بمحذور الأصل المثبِت، ومع سقوطه لا يبقى مجال للتعويل عليه في إثبات وقوع المقيَّد في وقته، فتصل النوبة إلى الأصل العملي في المسبَّب نفسه، وهو الصلاة.
وحينئذٍ يقع البحث في تعيين المرجع وهل هو البراءة أو الاشتغال، وذهب إلى أن المرجع هو قاعدة الاشتغال، وقرب ذلك بجهتين: الأولى جهة التكليف، باعتبار أن الشك في الامتثال بعد الفراغ عن أصل ثبوت الأمر، والثانية جهة الغرض، بدعوى أنّ الغرض المولوي المترتّب على الإتيان بالصلاة في وقتها مشكوك الحصول، ومع الشك في إحراز الغرض لا بدّ من الاحتياط، فيتعيّن البناء على الاشتغال.
وبذلك خلص إلى أنّه بعد تعذّر جريان استصحاب الزمان، لا يبقى إلا الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في نفس الصلاة، لعدم إحراز الامتثال ولا استيفاء الغرض على نحو يقتضي الفراغ اليقيني.
وعلى هذا الأساس قال (دام ظلّه). ما نصّه:
"الصحيح هو جريان الاشتغال لجهتين: الجهة الأولى من ناحية التكليف؛ وذلك لاشتغال ذمّة المكلَّف ـ بعد الزوال ـ بالإتيان بالصلاة بين الحدّين، فلمّا بلغ الوقتُ للحد الذي يُشكّ في انقضائه شك في بقاء الوقت حتى يلزمه الإتيان أو انقضى فيسقط التكليف، والاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، فتعطي قاعدة الاشتغال نتيجة الاستصحاب"([1] ).
ولتوضيح مراده (دام ظلّه) يقال: إنّ الفارق بين مسلك الاشتغال ومسلك الاستصحاب أنّ قاعدة الاشتغال تتعلّق ابتداءً بنفس التكليف والحكم الشرعي، بينما كان الاستصحاب في المقام ناظرًا إلى أمرٍ خارجي، وهو النهار. نعم، إطلاق "الموضوع" على النهار إنّما هو بنحو المسامحة عند بعضهم، وإلّا فالتحقيق عند طائفةٍ من المتأخّرين أنّ موضوع التكليف حقيقةً هو المكلَّف نفسه، وأمّا النهار فليس إلّا من شؤون المتعلَّق، بل هو متعلَّق المتعلَّق. كما أنّ المقصود هنا ليس استصحاب نفس الحكم، كي يَرِد عليه الإشكال الذي أفاده المحقّق النائيني في فوائد الأصول على من حاول الفرار من محذور الأصل المثبِت باستصحاب بقاء الحكم ـ كما نُسب إلى الشيخ الأعظم ـ وحاصلُه: أنّ الحكم مترتّب على موضوعه، ومع الشك في بقاء الموضوع ـ أعني النهار ـ كيف يُعقل استصحاب الحكم مع عدم إحراز بقاء محلّه؟ بل المراد هو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال العقلية، القاضية بلزوم تفريغ الذمّة المعلومة الاشتغال.
وعليه، فمآل الكلام إلى أنّ المكلَّف يعلم يقينًا باشتغال ذمّته بوجوب صلاتي الظهرين من الزوال إلى المغرب، والشك في غروب الشمس يساوق الشك في ارتفاع هذا التكليف. ومع العلم باشتغال الذمّة، لا طريق إلى الفراغ منها إلّا باليقين، ولا يتحقّق ذلك إلّا بالإتيان بالصلاة.
نعم، هذه النتيجة ـ أعني وجوب الإتيان بالصلاة ـ توافق عمليًا نتيجة القول بجريان الاستصحاب، غير أنّ المنطلق مختلف؛ فإنّ الاستصحاب يثبت بقاء النهار تعبّدًا ليترتَّب عليه وجوب الصلاة، بينما قاعدة الاشتغال تتوجّه إلى نفس التكليف ابتداءً، من دون توسّط إحراز الموضوع بالأصل.
ومن هنا يظهر أنّ الاحتياط في المقام هو، الاشتغال والإتيان بالفعل لتحصيل الجزم بفراغ الذمّة. فالاحتياط كما هو معلوم قد يكون بالإتيان بالفعل، كما في دوران الأمر بين الوجوب وعدم الحرمة، وقد يكون بالترك، كما في دورانه بين الحرمة وعدم الوجوب، وقد يكون بالتكرار. وبما ان محلّ الكلام يدور بين وجوب الإتيان بالصلاة أداءً، وعدم حرمة الإتيان بها على تقدير خروج الوقت، فيتعيّن الاحتياط بالإتيان بها.
ثم قال (دام ظلّه):"الجهة الثانية: من ناحية الغرض؛ وذلك لأنّ المكلَّف ـ عندما دخل الوقت ـ علم باشتغال ذمّته بغرض المولى، وشكّه في بقاء الوقت يقتضي الشك في إمكان تحصيل غرض المولى وعدمه؛ لأن الوقت ان كان باقيافيمكن تحصيل والا فلا ، فيرجع الشك في بقاء الغرض إلى الشك في القدرة على تحصيله، ومتى ما علم بالغرض وشك في القدرة حكم العقل بالاحتياط".
وحاصل مراده (دام ظلّه): أنّ هذا الاحتياط حكمٌ عقليّ، وإن كان منشؤه العلمَ بالغرضٍ الشرعي؛ فإنّ المكلَّف بعد علمه بثبوت غرض للمولى في الوقت، ومع الشك في بقاء قدرته على تحصيله لاحتمال خروج الوقت، يحكم العقل بلزوم الاحتياط، فيتعيّن عليه الإتيان بالصلاة، لكونه الطريق الوحيد لإحراز استيفاء الغرض.
ويتحصّل ممّا تقدّم أنّ الشيخ الوحيد (دام ظلّه) لم يرتض بما أفاده المحقّق النائيني والسيد الخوئي - من البناء على أن التركيب في متعلق التكليف مأخوذ على نحو مجرد التركيب والانضمام - بل هو مأخوذ بنحو الظرفية حيث أنّ لسان الأدلّة هو الظرفيّة، بمعنى أخذ الزمان على نحو القيديّة، وقد استدلّ على ذلك بمجموعةٍ من الروايات. ثم ناقش سائر الأقوال المطروحة في المسألة، ولم يرتضِ واحدًا منها، وانتهى إلى مختاره، وهو أنّه بعد تعذّر جريان استصحاب النهار لابتلائه بمحذور الأصل المثبِت، لا يبقى مجال للرجوع إليه، فيتعيّن الرجوع إلى الأصلٍ المسببي، وهو قاعدة الاشتغال، المقتضية لوجوب الإتيان بالصلاة.
وبعدَ الفراغِ من عرضِ هذا المطلبِ، ننتقلُ إلى مناقشةِ ما أفاده السَّيِّدِ الخوئيِّ في المقام من منظورِ السَّيِّدِ الاستاذ محمد سعيد الحكيمِ -رضوانُ اللهِ تعالى عليه-. فقد استعرضَ السَّيِّدُ الحكيمُ أقوالَ الأصحابِ في المسألةِ، ولم يرتضِ رأيًا منها، شأنُهُ في ذلك شأنُ الشَّيخِ الوحيدِ، إلَّا أنَّ لهُ كلامًا مهمًّا في ردِّهِ على مبنى السَّيِّدِ الخوئيِّ.
قال سيدُنا الأستاذ السيد محمد سعيد الحكيم (قده) "ويندفع: بأنّ الزمان وإن لم يكن عرضًا قائمًا بما قُيِّد به…"([2] ). وتوضيح مرامه (قده): أنّه يوافق السيد الخوئي في أصل هذا التحليل، أعني أنّ الزمان ليس عرضًا قائمًا بالفعل المقيَّد به، فقولُه: "وإن لم يكن عرضًا قائمًا بما قُيِّد به" ناظرٌ إلى أنّ الزمان لا يتقوّم وجودُه بالصلاةبنحو يقال: "الصلاة النهارية"، كما يقال في باب الجواهر والأعراض: "الماء الكرّ"، حيث تكون الكرّية صفةً عارضةً على الماء، وقائمة به. وقد ذكر السيد الخوئي أنّ مورد "الماء الكرّ" من باب قيام العرض بالجوهر، أمّا الصلاة والنهار فكلاهما من الأعراض، ولا يعقل قيام عرضٍ بعرض، فلا يصحّ جعلهما على نمط واحد، وهذا المقدار من التحليل يقبله السيد الحكيم (قده).
إلّا أنّ الكلام كلَّه في أنّ التسليم بهذه المقدّمة هل يفضي إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها السيد الخوئي من البناء على قضية التركيب وتصحيح إحراز الموضوع بالأصل؟ وهنا يفترق المسلكان؛ فإنّ السيد الحكيم وإن وافقه في أصل التحليل المفهومي، إلّا أنّه لا يرى أنّ ذلك يستلزم ما رتّبه السيد الخوئي من النتائج العمليّة، بل يبقى البحث قائمًا في أنّ هذا الوجه هل يكفي للخروج عن محذور الأصل المثبِت، أو لا يزال الإشكال بحاله، وهو ما سيتّضح في تتمّة كلامه (قده).
قال (قده): "إلّا أنّ ظرفيّته له ـ أي ظرفيّة الزمان لما قُيِّد به ـ عبارةٌ عن أمرٍ زائد على محض الوجود".
وتوضيحه: المراد من كون الظرفيّة "أمرًا زائدًا على محض الوجود" أنّها لا تتحقّق بمجرد ثبوت وجود الزمان خارجًا؛ فليس كلّما استُصحِب وجود النهار تحقّقت الظرفيّة الشرعيّة المعتبرة لوقوع الصلاة فيه. فغاية ما يثبته استصحاب النهار هو بقاء وجود الزمان، أمّا كون هذا الزمان ظرفًا للفعل على النحو المأخوذ في لسان الدليل، فهو عنوانٌ آخر ونسبةٌ خاصّة بين الزمان والصلاة، وهي غير عين الوجود.
وبعبارةٍ أوضح: إنّ المطلوب في المقام ليس مجرّد إحراز وجود النهار، بل إحراز وقوع الصلاة فيه، أي تحقّق نسبة الظرفيّة بين الفعل والزمان، وهذه النسبة أمرٌ زائد على أصل الوجود، للزمان فلا تثبت بالأصل إلّا على نحو الأصل المثبِت. فلو استُصحِب النهار، لم يثبت بذلك أنّه ظرف للصلاة وان الصلاة واقعة فيه ، إذ الظرفيّة تحتاج إلى بيانٍ آخر أو جهةٍ مستقلّة تُحرز أنّ الزمان ظرفٌ للفعل، وأنّ الصلاة قد تحقّقت في ضمنه.
ومن هنا يتّضح أنّ مجرّد استصحاب وجود النهار لا يكفي لإثبات ما هو المأخوذ شرعًا، وهو كون الصلاة واقعةً في الوقت، بل يبقى هذا العنوان خارجًا عن مدلول الأصل، فيعود محذور الأصل المثبِت بعينه.
ثم قال (قده): "وهي من سنخ العرض القائم بمحله".
وحاصله : إنّ الظرفية من سنخ الأعراض والمراد من "السنخ" هو المشابه والتماثل في الحقيقة والمرتبة. ولتقريب الفكرة يُقال: إنّ بعض الأماكن تكون من "سنخ الأوقاف"، كالعتبات المقدّسة؛ فهي وإن لم يُنشئ أحدٌ وقفيّتَها بصيغةٍ صريحة ـ مع أنّ الوقف يحتاج إلى إنشاءٍ من الواقف ـ إلّا أنّها بحكمها مبذولةٌ للجميع، بحيث لا يختصّ بالانتفاع بها شخصٌ دون آخر.
فكذلك الظرفية في المقام فإنها من سنخ الأعراض القائمة بالمحل ؛ فهي ليست عين وجود الزمان، بل حيثيّةٌ زائدةٌ قائمةٌ بمحلّها، ولا بدّ من إحرازها.
ثم قال (قده): "فلا وجه لترتيب آثارها ـ أعني الظرفيّة ـ بمجرد استصحاب الزمان".
وبيان مراده: أنّ ترتيب آثار الظرفيّة يتوقّف على إحراز كون الصلاة قد وقعت في الزمان، ومجرّد استصحاب وجود الزمان لا يفي بذلك؛ لأنّ للزمان حيثيّتين: حيثيّة الوجود الخارجي، وهي التي يثبتها الاستصحاب، وحيثيّة كونه ظرفًا للفعل، وهي حيثيّة أُخرى زائدة على أصل الوجود. فإثبات بقاء النهار لا يلازم إثبات وقوع الصلاة فيه، ومع عدم إحراز هذه النسبة الخاصّة بين الفعل والزمان لا يصحّ ترتيب آثار الظرفيّة.
وعليه، فاستصحاب الزمان إنّما يحرز نفس وجوده، ولا يحرز عنوان الظرفيّة، فلا يكون
وجهٌ لترتيب آثارها عليه.
ثمّ قال (قده) الظرفيّة الزمانيّة على الظرفيّة المكانيّة، متسائلًا على نحو الإنكار، فقال:
"وهل يُتوهَّم جريان ما ذكره في الظرفيّة المكانيّة، فيُقال ـ مثلًا ـ فيما إذا كان الواجب هو الصلاة في الغرفة: إنّ استصحاب بقاء الغرفة ـ لو شُكّ في انهدامها ـ يكفي في تصحيح الصلاة، لعدم كون الغرفة عرضًا قائمًا بالصلاة؟".
وحاصله: أنّه كما لا يُتوهَّم في الظرفيّة المكانيّة الاكتفاء باستصحاب بقاء المكان (الغرفة) لإحراز وقوع الصلاة فيها، كذلك لا يصحّ في الظرفيّة الزمانيّة الاكتفاء باستصحاب بقاء النهار لإثبات وقوع الصلاة فيه. فلو كان الواجب هو الصلاة في غرفةٍ معيّنة، وشُكّ في بقائها، لم يكن مجرّد استصحاب وجود الغرفة كافيًا لإثبات أنّ الصلاة قد وقعت فيها، بدعوى أنّ الغرفة ليست عرضًا قائمًا بالصلاة.
وقد تقدّم ما أفاده الشيخ الوحيد الخراساني من تساوي الظرفين الزماني والمكاني في صحّة الاستعمال الحقيقي، فيُقال: "صلّيتُ في المسجد" و"صلّيتُ في الساعة الواحدة" من دون تسامح. وهنا يؤكّد السيد الحكيم هذا التساوي أيضًا في مقام جريان الأصل العملي؛ فكما أنّ النهار لا يُحمل على الصلاة، كذلك الغرفة لا تُحمل عليها، وكما أنّ استصحاب بقاء النهار لا يثبت وقوع الصلاة فيه، كذلك استصحاب بقاء الغرفة لا يثبت وقوع الصلاة فيها، بل لا بدّ في كلا الموردين من إحراز نفس الظرفيّة.
ثم قال (قده):"وهذا بخلاف مسألة الصلاة مع الطهارة؛ فإنّ القيد هناك هو نفس الطهارة لا غير، فالأمر هو: (صلِّ عن طهارة)، فيكفي استصحاب الطهارة بمفاد كان التامّة لإحراز الموضوع المركّب من الأمرين".
وبيان مراده: أنّ مورد الطهارة يختلف عن محلّ الكلام؛ لأنّ القيد المأخوذ في لسان الدليل هناك هو نفس عنوان الطهارة، فبإحرازها وجدانًا أو تعبّدًا يتمّ الموضوع، ولا يتوقّف على إحراز نسبةٍ أُخرى زائدة. أمّا في المقام، فليس القيد هو مجرّد وجود الزمان، بل المطلوب إحراز كونه ظرفًا للفعل، وهذه الظرفيّة حيثيّة زائدة على أصل الوجود، فلا يكفي استصحاب بقاء الزمان وحده، بل لا بدّ من إحراز نفس الظرفيّة.
ويتحصَّل ممّا تقدّم أنّ استصحاب بقاء الزمان لا يحقّق مراد المستدل. نعم، قد يُقال في مقام الدفاع عن السيّد الخوئي إنّه لا يبتني على الظرفيّة أصلًا، بل يفرّ منها إلى القول بالتركيب، بمعنى محض الانضمام أو المقارنة، فلا يكون ملزَمًا بلوازم القول بالظرفيّة.
إلّا أنّه ـ مع ذلك ـ يبقى عليه الإشكال من جهة أنّ هذا التقارب من أين حصل؟ وكذلك
الانضمام والمعيّة من أين ثبتت؟ فإنّ مجرّد إحراز وجود الزمان لا يثبت هذه العناوين. نعم، هو لا يريد الظرفيّة، ولكن الشيخ الوحيد ركّز على أنّ الظرفيّة مطلوبة إثباتًا، وأنّ لسان الأدلّة في مقام الإثبات هو لسان الظرفيّة، كما في قوله: "صَلِّ فِي السَّحَرِ"، لا لسان المعيّة أو المقارنة.
وعليه، فحيث إنّ ظاهر الأدلّة هو أخذ الزمان على نحو الظرفيّة، لا على نحو الانضمام أو المعية، فلا مجال للفرار إلى التركيب، ويبقى الإشكال بحاله.
وللكلام تكملة ستأتي إن شاء الله تعالى.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]