الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/08/08

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ وحيد الخرساني

ولا يزال الكلام فيما أفاده الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه)، ضمن مناقشته لما أجاب به المحقّق النائيني ومن تابعه كالسيّد الخوئي (قدّس سرّهما)، حيث بيّن أنّه بعد الفراغ عن مقام الثبوت، لا بدّ من الانتقال إلى مقام الإثبات، للنظر فيما تُفيده الروايات الشريفة: هل إنّ مفادها مجرّد الانضمام والتقارن في الوجود بين الفعل والزمان، أو أنّها بصدد إفادة القيديّة أو الظرفيّة، بمعنى كون الصلاة مأخوذة على نحو الوقوع في ذلك الزمان المعيّن؟

ثم أفاد (دام ظلّه) أنّ الروايات في المقام مشتملة على الحرف "في"، ومع حمله على معناه الحقيقي ـ وهو الظرفيّة ـ تكون نصًّا في الظرفيّة، لا في مجرّد المعية أو التقارن.

وعليه، فالزمان المأخوذ في الادلة قد أُخذ بنحو الظرف للفعل . وبهذا البيان يتّضح أنّ ما أفاده المحقّق النائيني (قدّس سرّه) ـ وإن كان تامًّا في مقام الثبوت وممكنًا عقلًا ـ إلّا أنّه لا دليل عليه في مقام الإثبات؛ لعدم وفاء الأدلّة الروائيّة بإثباته، بل هي على خلافه، إذ هي ظاهرة في الظرفيّة.

والنتيجة: أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من المبنى، وإن كان مقبولًا ثبوتًا، إلّا أنّه لا مجال للأخذ به إثباتًا، بعد ظهور النصوص في كون الزمان ظرفًا وقيدًا للفعل، لا مجرّد التقارن في الوجود.

لذلك قال (دام ظلّه):

"والحاصل: أنّ الروايات المتقدّمة ـ بما فيها الصحاح ـ قد أُخذ فيها الظرف قيدًا للصلاة، بمفاد كان الناقصة، والنسبة بينها وبين رواية: (إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان) نسبة البيان إلى اللابيان"([1] ).

وحاصله: أنّ تلك الروايات تكون بمنزلة المجمل، وهذه الرواية بمنزلة المبيِّن، ومع وجود البيان يرتفع الإجمال.

ثم قال (دام ظلّه) :"فقول المحقّق النائيني بكفاية الاستصحاب بمفاد كان التامة ممنوع صغرى، على فرض تماميّة الكبرى".

وحاصل ذلك: أنّ المحقّق النائيني (قدّس سرّه) بنى على أنّه إذا دار الأمر بين القيديّة وبين التركيب ومجرد الانضمام في الوجود، يُقدَّم التركيب. ثم ناقش (دام ظلّه) هذه الكبرى نفسها، فقال:"هذا مضافًا إلى المناقشة في الكبرى التي أفادها أيضًا، من كون الأصل هو التركيب، وحاصل ما يرد عليها: أنّ الحقّ عندنا هو أنّ الأصل التقييد والظرفيّة، والوجه في ذلك هو أنّ نسبة الزمان إلى الزمانيات عند العرف والعقلاء كنسبة المكان إلى المكانيّات".

ولتوضيح مراده نقول: أنّ الزمان تارةً لا يُؤخذ في لسان الدليل أصلًا، كما في الأمر بالصدقة، نحو قوله (عليه السلام):"إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" ([2] )فإنه لم يُؤخذ فيه قيد زماني، وكذا الحال في كثير من التكاليف كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وأخرى يُؤخذ الزمان في لسان الدليل، كما في الروايات الواردة في الصلاة، ومن ذلك ما ورد في نافلة الليل:"…ثمان ركعات في السحر وهي صلاة الليل" ([3] )والسَّحر وقتٌ معيَّن، وهو القطعة من الليل القريبة من الفجر، فالزمان

مأخوذًا فيها صريحًا بنحو الظرفية .

وقد ذهب المحقّق النائيني (قدّس سرّه) إلى أنّه متى أُخذ الزمان في لسان الدليل، فالأصل فيه التركيب لا الظرفيّة، بمعنى أنّ المطلوب الشرعي مركّب من الفعل والزمان معًا؛ فالركعات الثمان ليست مطلوبة مطلقًا، بل بما هي متزامنة مع وقت السحر، فيكون الزمان جزءًا من المركّب المطلوب، لا ظرفًا له، والخروج عن هذا الأصل يحتاج إلى دليل.

وعليه، فمقتضى مبناه حمل جميع هذه الروايات على التركيب والانضمام فقط.

إلّا أنّ الشيخ الوحيد (دام ظلّه) خالفه في أصل الكبرى، وذهب الى أنّ الأصل هو التقييد والظرفيّة، لا التركيب، وهو اختلاف جذري في المبنى؛ إذ على مبنى المحقّق النائيني يكون إثبات الظرفيّة محتاجًا إلى دليل، بينما على مبنى الشيخ الوحيد يكون إثبات التركيب هو المحتاج إلى الدليل.

ومن هنا شرع (دام ظلّه) في مناقشة هذه الكبرى، وقرّر:"أنّ الحقّ عندنا هو أنّ الأصل التقييد والظرفيّة".

وبيّن وجه ذلك بقوله:"إنّ نسبة الزمان إلى الزمانيات عند العرف والعقلاء كنسبة

المكان إلى المكانيّات".

أي إنّ المقياس واحد في البابين؛ فكما أنّ الأصل في المكان أخذه بنحو الظرفيّة ـ فيُقال بلا أي مسامحة: صلّيتُ في البيت، أو في المسجد ـ سواء في مقام الإخبار أم في مقام الأمر، ولا يُفهم من ذلك إلّا الظرفيّة، فكذلك الحال في الزمان.

فيُقال بلا أي تجوّز: صلّيتُ في الساعة الواحدة، أو تباحثتُ في الساعة الفلانيّة، أو أوقعتُ عقد البيع أو الزواج في اليوم الفلاني. ولا يُقال عرفًا: صلّيتُ مع الساعة الواحدة.

ولو كان الأصل هو التركيب المؤول بالمعية والتقارن، لصحّ استعمال "مع" بدل "في" من دون تكلّف، مع أنّه لا يُقال عرفًا: صلّيتُ مع الساعة الواحدة، كما لا يُقال: صلّيتُ مع البيت. وهذا شاهد لغويّ وعرفيّ واضح على أنّ مقام الإثبات لا يساعد على المعية والتركيب.

وبما أنّ ظرفي الزمان والمكان يجريان على نسقٍ واحد، ومع كون الأصل في المكان هو الظرفيّة قطعًا، فكذا يكون الأصل في الزمان.

ثم خلص (دام ظلّه) إلى النتيجة بقوله:"ويتفرّع على ذلك أنّ ما أسّسه المحقّق

النائيني (قدّس سرّه) من كون الأصل هو التركيب، وتبعه عليه بعض الأعاظم ـ كالسيد الخوئي (قدّس سرّه) ـ ساقطٌ كبرويًّا وصغرويًّا"

ثم ذكر مقرّر بحثه(دامت بركاته)في الهامش، المغني في الاصول ص 29. ما نصه :

"ذكر سماحة الشيخ الأستاذ ـ دام ظلّه ـ في يوم لاحق، جوابًا عن إشكالٍ لبعض الحاضرين، ما يصلح أن يكون استدراكًا أو توضيحًا لهذا المطلب، وحاصله: أنّا لم نجد بالنسبة إلى الإمساك روايةً معتبرة تدلّ على أخذ النهار ظرفًا. نعم، توجد روايات ضعيفة بعنوان: (الإمساك في النهار).

والمستفاد من الآيات، فعدم الظرفيّة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾([4] ) ، ولم يقل: فليصم فيه. فعلى هذا فالأصل في شهر رمضان هو ما قرّره المحقّق النائيني (قدّس سرّه). وأمّا الإمساك في يوم الشكّ، ففي صومه دليل خاصّ، وهو يثبت الظرفيّة والقيديّة".

وهنا يمكن أن يَرِد السؤال التالي: ما هو الفرق الدلالي بين قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وبين التعبير المفروض: "فليصم فيه"؟ وهل يُستفاد من عدم ذكر حرف "في" نفيُ الظرفيّة وإثبات التركيب والانضمام، كما هو مبنى المحقّق النائيني (قدّس سرّه)؟

فإن قيل: إنّ مفاد الآية هو الانضمام والمعيّة، كان لازمه صحّة التعبير بـ"فليصم مع الشهر"، مع أنّ قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ جملة تامّة من حيث التركيب، ولا ملازمة بين عدم ذكر "في" وإرادة المعية دون الظرفية؛ إذ كما يصحّ تقدير "فليصم في الشهر"، كذلك يصحّ تقدير "فليصم مقارنةً للشهر"، وكلاهما محتمل لغةً.

وعليه، فدعوى ظهور الآية في المعية ليست بأولى من دعوى ظهورها في الظرفيّة، إذ على كلا التقديرين يحتاج إلى إضمار، ولا مرجّح لأحدهما على الآخر من نفس اللفظ، ما لم تقم قرينة خاصّة.

وبعبارة أخرى: يمكن تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ بأحد وجهين:

الأوّل: فليصم في شهر رمضان (على نحو الظرفيّة).

الثاني: فليجعل صيامه مقارنًا لشهر رمضان (على نحو الانضمام والمعية).

وكلا التفسيرين يفتقر إلى تقدير، ومع فقدان القرينة تكون الآية مجملة من هذه الجهة.

وعليه، لا يمكن الجزم بأن الآية الشريفة أقرب إلى ما أفاده المحقّق النائيني (قدّس سرّه)، لأنّ إرادة التقارن تحتاج إلى قرينة، كما أنّ إرادة الظرفيّة تحتاج إليها أيضًا.

ويتحصّل من جميع ما تقدّم: أنّه وإن أمكن في مقام الإثبات ـ اعتمادًا على الروايات ـ إثبات الظرفيّة في باب الصلاة، ممّا يُبعد مبنى المحقق النائيني والسيّد الخوئي (قدّس سرّهما)، إلّا أنّ الإشكال يعود بعينه في باب الصوم؛ إذ إنّ الآية الشريفة تحتمل كلا الأمرين: الظرفيّة والتركيب .

فالبحث الإثباتي هنا لا يحسم النزاع الثبوتي، لأنّ دليل الصوم ـ وهو الآية الكريمة ـ مجمل من هذه الحيثيّة، فيبقى احتمال الانضمام كما يبقى احتمال الظرفيّة على حدٍّ سواء.

ثم ان الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه) بعد أن ذكر هذه الإشكالات، وانتهى إلى عدم تمامية ما ذكر من وجوه لرفع الإشكال المتقدم تصدى لبيان مختاره في المسألة، قال (دام ظلّه):"فالحقّ في المسألة عدم تماميّة شيءٍ من الوجوه المذكورة لرفع الإشكال، فيتحكّم، وتصل النوبة إلى الأصل المسببي بعد عدم جريان الأصل المسببي ".

وحاصل مراده: أنّ جميع المحاولات التي ذُكرت لتصحيح جريان الاستصحاب في المقام غير تامّة، فيبقى اشكال الأصل المثبت على حاله، فلا يكون الاستصحاب حجة في المقام .

وهذه النتيجة التي انتهى إليها الشيخ الوحيد تذكرنا بما تقدم من المحقق النائيني عند مناقشته لما أفاده الشيخ الانصاري في مقام دفع ما ذكره النراقي من تعارض الاستصحابين فيما لو أُمر المولى بالجلوس إلى الزوال؛ حيث حكم النراقي بجريان استصحاب الوجود واستصحاب العدم بعد الزوال، فيتعارضان ويتساقطان.

ودفعه الشيخ الأعظم بأنّ الزمان إن أُخذ قيدًا فلا مجال لجريان استصحاب الوجود، وإن أُخذ ظرفًا فلا مجال لاستصحاب العدم. إلّا أنّ المحقّق النائيني لم يقبل ذلك، وقرّر أنّه حتّى لو فُرض عدم جريان استصحاب الوجود، فإنّ استصحاب العدم أيضًا لا يجري، من دون فرق بين أخذ الزمان قيدًا أو ظرفًا؛ لأنّ العدم بعد الزوال ليس عدمًا أزليًّا، إذ إنّ العدم الأزلي قد انتقض قطعًا بثبوت وجوب الجلوس إلى الزوال، والعدم اللاحق ـ أعني عدم الوجوب بعد الزوال ـ عدمٌ آخر مقيَّد بما بعد الزوال، وهو عدم غير مسبوق بحالة سابقة مماثلة، فلا

يكون صالحًا للاستصحاب.

وعليه، فمع عدم جريان استصحاب الوجود، وعدم إمكان استصحاب العدم، يسقط الاستصحاب رأسًا، فيرجع الأمر إلى الأصول الأُخرى، من البراءة أو الاشتغال، حسب ما يقتضيه المورد.

ولذلك قال الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه):"وتصل النوبة إلى الأصل المسبَّبي، بعد عدم جريان الأصل السببي".

وتوضيح مراده: أنّ الأصل السببي في المقام هو استصحاب الزمان؛ إذ لو جرى لكان مقتضاه ترتيب أثره، وهو إيقاع الصلاة في الوقت المستصحَب، وهذا هو المسبَّب. فلمّا تعذّر جريان الأصل في السبب ـ لما تقدّم من الإشكالات ـ تنتقل النوبة إلى نفس المسبَّب، أي إلى حكم الصلاة مباشرة، بعد الشك في انقضاء الزمان فيقع البحث حينئذٍ في أنّ المرجع هل هو البراءة أو الاشتغال.

ومختار سماحته (دام ظلّه) هو عدم جريان الاستصحاب أصلًا في المقام.

ويكشف هذا البحث عن دقّةٍ عميقة في باب الاستصحاب؛ إذ يتّضح أنّه ليس

أصلًا جارياً على إطلاقه في جميع الموارد، بل قد تطرأ موارد يختلّ فيها بعض أركانه،

فيتعذّر جريانه.

والمتحصّل: أنّ جريان الاستصحاب في المقام يواجه إشكالًا عويصًا، وأنّ كلمات الأعلام في محاولة حلّه لا تخلو عن نظر.

وعليه، فالنتيجة عدم جريان الاستصحاب، والرجوع إلى حكم الصلاة عند الشكّ في انقضاء الوقت، لتشخيص ما يقتضيه الأصل العملي من البراءة أو الاشتغال، بحسب ما يقتضيه المورد.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] ـ في المغني في الأصول، تقريرات الشيخ الوحيد، ج2، ص28 وما بعدها ـ.
[2] - الكافي، ج4، ص8.
[3] - الوسائل ج٤، ص٥٧.
[4] - البقرة: 185.