47/08/07

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي السيد الخوئي (قدس)
انتهى بنا الكلام إلى ما أفاده السيّد الخوئي (قدّه)، حيث اختار طريقًا خاصًّا للتخلّص من محذور الأصل المثبت فيما لو أُجري استصحاب الزمان بمفاد "كان" التامّة.
وخلاصة تقريبه: أنّ مورد الاستصحاب في المقام ليس من قبيل استصحاب أمرٍ يكون وصفًا أو نعتًا لغيره، بل هو من قبيل إحراز أمرين مستقلّين في الوجود، غاية الأمر أنّ الشارع رتّب الأثر على على اجتماعهما في الوجود، لا على كون أحدهما قيدًا أو صفةً للآخر.
وتوضيح ذلك بالمثال المعروف: فإنّ الصائم ـ أو المصلّي ـ يُحرَز عنوانه بالوجدان، إذ يقطع المكلّف بكونه صائمًا أو مشتغلًا بالصلاة، ويُحرَز النهار بالاستصحاب، فيجتمع الأمران: الصوم بالوجدان، والنهار بالأصل. وبما أنّ كلا الأمرين المطلوبين في مقام الأثر قد أُحرزا، فقد تحقّق موضوع الحكم، من دون حاجة إلى إثبات أحدهما بوساطة الآخر. وعلى هذا الأساس، لا يكون الاستصحاب من الأصل المثبت، بل يكون استصحابًا نافعًا، خلافًا لما ذهب إليه جمعٌ من الأعلام من قلّة فائدة استصحاب الزمان بمفاد كان التامة.
وقد وافق بعض تلامذة السيّد الخوئي (قدّه) على هذا المسلك، ومنهم الشيخ علي الفلسفي في كتاب المستفاد (ج ٤)، حيث ارتضى هذه الطريقة في دفع المحذور.
إلّا أنّ جماعةً آخرين من تلامذته ناقشوا هذا البيان ولم يرتضوه، ومن جملة من ناقشه الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه)، حيث نسب هذا المسلك في رفع المحذور إلى المحقّق النائيني (قدّه)، ثم أشار إلى أنّ بعض تلامذة المحقّق النائيني تبنّوا هذا المبنى، وعنى بذلك ـ في جملتهم ـ السيّد الخوئي (قدّه).
وعلى أيّ تقدير، سواء أكان المتصدّي الأوّل لرفع المحذور بهذا الطريق هو المحقّق النائيني أم السيّد الخوئي، فالأمر في ذلك سهل، إذ المدار على نفس الطريق ، وهو كون التركيب في المقام من قبيل اجتماع أمرين مستقلّين في الوجود، وترتّب الأثر على اجتماعهما فقط لا على اتصاف احدهما بالاخر، وقد اتّضح أنّه يصلح ـ في
الجملة ـ لدفع إشكال الأصل المثبت في المقام.
هذا، مع الالتفات إلى أنّ المشهور بين متأخّري الأصوليّين عدم حجية الأصل المثبت في باب الاستصحاب، وإن نُقل عن شريف العلماء (قدّه) القول بحجيته، إلّا أنّ المعروف عند المتأخّرين عدم الالتزام بذلك.
فبناءً على هذا المسلك، يتخلّص السيّد الخوئي (قدّه) من محذور الأصل المثبت، حيث أفاد أنّ أحد الأمرين لا يُوصَف بالآخر، بل إنّ الصوم ـ مثلًا ـ يعرض على المكلَّف بعنوان مستقل، كما يقال: "زيدٌ صائم" أو "زيدٌ ممسك". فالصوم والإمساك عنوانان وجوديّان قائمان بالمكلّف، يتزامنان مع وجود النهار، من دون أن يكون أحدهما نعتًا أو قيدًا للآخر، بل هما أمران مستقلّان في الوجود.
وعليه، فإذا أُحرِز بقاء النهار بالاستصحاب، كان النهار محرزًا بالأصل، وكان الصوم أو الصلاة محرزين بالوجدان، فيجتمع الأمران معًا، ويتحقّق بذلك ما هو مطلوب الشارع، وهو وجود الصوم والنهار معها في الخارج، لا كون أحدهما مأخوذًا في موضوع الآخر على نحو النعتيّة أو القيديّة.
غير أنّه تبقى هنا جهة أُخرى، وهي جهة الإثبات والتعبير اللفظي؛ إذ إنّا فرضنا أنّ
الزمان قد أُخذ في لسان الدليل الشرعي، فالكلام يقع في أنّه كيف يُعبِّر الشارع عن هذا المطلب، مع كون الموضوع ـ بحسب هذا البيان ـ مركّبًا من أمرين مستقلّين وجودًا، غاية الأمر أنّ الأثر مترتّب على اجتماعهما؟
ومن هنا صرّح السيّد الخوئي (قدّه) بأنّ مسألتنا من هذا القبيل، مشيرًا إلى أنّ البحث ليس ثبوتيًّا فحسب، بل هو إثباتيّ أيضًا، إذ أراد بذلك تصحيح أخذ الموضوع في لسان الدليل على هذا النحو. وعلى هذا الأساس تعقّبه الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه)، كما ذكرنا.
ومن هنا قال الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه):
"هذه هي الكبرى، وأمّا تطبيقها على محلّ البحث، فبأنّ موضوع الحكم عبارة عن الزمان، ومتعلّقه الصلاة أو الإمساك، وليس بين الزمان والإمساك أو الصلاة عروضٌ واتّصاف، بل هما وجودان يستقلّ أحدهما عن الآخر، فيكون موضوع الحكم وجودهما متقارنين"([1] ).
وسيأتي قريبًا وجه الاستفادة من كلامه (دام ظلّه).
إلّا أنّه ينبغي الالتفات إلى أن السيّد الخوئي (قدّه) لم يُعبِّر في مقام البيان بلفظة "التقارن" كما ورد في كلام الشيخ الوحيد، بل عبّر بتعبيرٍ آخر، وقد مرّ علينا سابقًا نصّ كلامه ، حيث قال:"ومن هذا القبيل ـ الصلاة والطهارة ـ ثم إذا عرفت هذا فنقول: إنّ اعتبار الزمان قيدًا لشيءٍ من هذا القبيل، فإنّ معنى الإمساك النهاري هو اجتماع الإمساك مع النهار في الوجود؛ إذ النهار موجودٌ من الموجودات الخارجيّة، والإمساك عرضٌ قائم بالمكلّف، فلا معنى لاتّصاف أحدهما بالآخر…"([2] ).
والحاصل: أنّه لم يستعمل لفظ "التقارن"، وإنّما عبّر بأنّ هذا موجودٌ وذاك موجود، وأنّ المطلوب هو اجتماعهما في الوجود. وعليه، فالتعبير بالتقارن، أو الانضمام، أو الاجتماع في الوجود، إنّما هي تعابير متعدّدة عن حقيقةٍ واحدة، وهي تحقّق الأمرين معًا في الخارج. فليس من اللازم الوقوف عند خصوص لفظ "التقارن"، ما دام المقصود أنّ النهار إذا وُجد فلا بدّ أن يوجد معه الصوم، إذ مطلوب الشارع هو الصوم في النهار.
ومن هنا قال السيّد الخوئي (قدّه): "مسألتنا من هذا القبيل"، أي إنّ المطلوب وقوع الصوم مع وجود النهار. وأمّا ما أفاده الشيخ الوحيد (دام ظلّه)، فهو راجعٌ إلى ضرورة مراجعة لسان الأدلّة ـ ولا سيّما في المثال المشهور اي الصوم والصلاة ـ لمعرفة أنّها هل تقتضي الظرفيّة، أو الوصفيّة، أو مجرّد الاجتماع والاقتران في الوجود. وعلى أيّ تقدير، فليس المقصود وصف أحدهما بالآخر، بل غاية الأمر أنّ الأدلّة تكون محكّمة في إفادة هذا الاجتماع، والتعبير بالتقارن في كلام الشيخ الوحيد إنّما جاء توضيحًا للمطلب لا تأسيسًا لعنوانٍ جديد.
ولذا قال (دام ظلّه):"فيكفي لفراغ الذمّة إحرازهما كذلك، والصلاة أو الإمساك مُحرَز بالوجدان، والزمان بالتعبّد بمفاد كان التامّة، وهو كافٍ".
وهذا بعينه هو رأي السيّد الخوئي (قدّه).
ثم أضاف (دام ظلّه): "ويمكن تأكيد ذلك بالنصوص، مثل قوله (عليه السلام): إذا زالت الشمس دخل الوقتان، إلّا أنّ هذه قبل هذه؛ فإنّ مدلول الرواية هو صرف المقارنة بين الزمان والصلاة، ويكفي استصحاب الزمان لتحقّق المقارنة".
وقد أشار مقرّر كلامه إلى أنّ بعض الروايات ورد فيها هذا الذيل من دون الصدر،
وفي بعضها الصدر من دون الذيل، فليراجَع الوسائل الباب الرابع من أبواب المواقيت.
وعليه، فلو أُخذ بصدر الرواية: "إذا زالت الشمس دخل الوقتان"، لم تَرِد فيها لفظة "في"، ومع ذلك فإنّ إيقاع الصلاة بعد الزوال يدلّ على مقارنتها للزوال، وهو المطلوب. فعدم ورود لفظة "في" شاهدٌ على أنّ الميزان ليس الظرفيّة اللفظيّة، بل مجرّد الاجتماع في الوجود. وبهذا يتمّ ما أفاده السيّد الخوئي، ويظهر أنّ ما نقله الشيخ الوحيد (دام ظلّه) إنّما هو في مقام تعزيز كلام أستاذه (قدّه) وتأكيده.
ثم قال الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه):"وحلّ المسألة يحتاج إلى الرجوع إلى نصوص الباب، والنظر فيما يُستفاد منها، وهل هو التركيب أو التوصيف".
ومقصوده من "التركيب" هو نفس ما أفاده السيّد الخوئي (قدّه) من كون الموضوع مركّبًا من أمرين مستقلّين وجودًا، ترتّب الأثر على اجتماعهما في الخارج، وأمّا "التوصيف" فمراده به أخذ أحد الأمرين وصفًا للآخر، بلحاظ أنّه يرى حتّى الظرف ـ على هذا المبنى ـ راجعًا إلى نحوٍ من أنحاء التوصيف.
ثم أردف (دام ظلّه) بقوله:"والتعبّد الشرعي هو المُحكَّم في المقام ـ لو سلّمنا
الكبرى المذكورة عند السيّد الخوئي من أنّ الأصل هو التركيب".
وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ التعبير بأن "الأصل هو التركيب" لم يَرِد بهذا اللفظ في كلمات السيّد الخوئي (قدّه)، وإنّما هو مأخوذ من كلام المحقّق النائيني (قدّه). غير أنّ الشيخ الوحيد (دام ظلّه)، مع مناقشته للمحقّق النائيني في بعض الجهات، إلّا أنّه في هذه النقطة يلتقي معه في أصل المبنى، وهو أنّ المرجع عند الشكّ في كيفية أخذ الزمان مع الفعل هو البناء على التركيب لا على التوصيف.
وبيان ذلك: أنّه إذا شككنا في أنّ المأخوذ في لسان الدليل هو توصيف الفعل بالزمان، أو تركيبه معه، فالأصل هو التركيب، ومعناه أنّ الشارع يريد وجود الفعل ووجود الزمان معًا، من دون أن يكون أحدهما نعتًا للآخر.
وهذا نظير مثال الصلاة والطهارة؛ فإنّ الصلاة لا تُوصَف بأنّها "متطهّرة"، بل الصلاة والطهارة كلاهما عارضان قائمان بالمكلّف: فالمكلّف مصلٍّ، وهو في الوقت نفسه متطهّر. فإذا شككنا في الكيفيّة، فالأصل هو التركيب، أي أنّ الشارع يريد صلاةً، ويريد طهارةً، ولا بدّ من اجتماعهما وتزامنهما في الخارج حتّى تقع الصلاة صحيحة ومقبولة.
وعلى هذا الأساس، يتّضح أنّ أصل البناء على التركيب إنّما هو مستفاد من كلمات المحقّق النائيني (قدّه).
فننتقل الآن إلى نصوص الباب، ونذكرها تبرّكًا بالروايات الواردة في المقام، باعتبار كونها المرجع في حلّ هذه المشكلة.
قال الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه): "ونصوص الباب على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما اقتُصر فيها على أخذ الزمان في الموضوع من غير بيانٍ لكيفيّة أخذه".
أي إنّ هذه الطائفة لم تُبيّن هل أُخذ الزمان على نحو التقارن في الوجود، فقط أو على نحو التوصيف، ثم قال (دام ظلّه): "وأنّه بنحو التركيب أو الظرفيّة، وهي مثل الرواية المتقدّمة: (إذا زالت الشمس دخل الوقتان)".
غير أنّه يلاحظ أنّ الشيخ (دام ظلّه) كان قد أفاد قبل ذلك بأسطر قليلة:
"إنّ مدلول الرواية هو صرف المقارنة بين الزمان والصلاة، ويكفي استصحاب الزمان لتحقّق المقارنة". ثم عاد هنا وقرّر أنّ هذه الرواية نفسها لم تُبيّن كيفيّة أخذ الزمان. وعلى أيّ حال، فهو (دام ظلّه) أعلم بمراده.
وعلى هذا الأساس، تكون الطائفة الأولى من الروايات مجملة من هذه الجهة، فلا تنهض بنفسها لتعيين أنّ المأخوذ هو التركيب أو التوصيف، ولا تكون نافعة في رفع أصل الإشكال، بل يبقى المقام محتاجًا إلى مراجعة الطائفة الثانية.
ثم قال الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه):"الطائفة الثانية: ما بُيِّن فيها نحو الأخذ، وهي كثيرة في أبواب متفرّقة".
وذكر منها جملة روايات:
1- صحيحة الحلبي: "… ولكن يُصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها"([3] ). وهي نصّ في الظرفيّة؛ إذ مفادها الإتيان بصلاة العصر في وقتها الباقي، لا مجرّد تركيب الصلاة مع الزمان، بل توصيف الفعل بكونه واقعًا في ظرفه.
2- رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "مَن صلّى في غير وقتٍ فلا صلاة له"([4] ).
فإنّ المستفاد من منطوقها: نفي الصلاة عمّن أوقعها في غير الوقت، ومن مفهومها الالتزامي: أنّ من صلّى في الوقت فله صلاة. وهي أيضًا ظاهرة في الظرفيّة.
3- رواية يونس بن ظبيان: "الصلاة في مواقيتها"([5] ).
ثم أفاد (دام ظلّه): إنّ مدلولها يغاير مدلول "الصلاة مع مواقيتها" الذي ادّعاه المحقّق النائيني.
وهنا يقع الكلام في هذه الجهة الأخيرة: فإنّ التعبير الوارد في النصّ هو "الصلاة في مواقيتها"، لا "الصلاة مع مواقيتها". فهل يُراد من "في" معنى "مع"؟
ولو أُريد ذلك، فلا بدّ من إثبات أنّ "في" تُستعمل بمعنى "مع". وقد يُستشهد في هذا الباب بما ذُكر في كتب النحو ـ كما في مغني اللبيب لابن هشام ـ من البحث الواسع في حروف المعاني، وأنّ بعض الحروف قد يقوم مقام بعض في موارد خاصّة.
وقد أُشير في كلمات الفقهاء إلى نظائر لذلك، كما في عبارة الشهيد الأوّل في اللمعة: "ويجب فيه الوضوء" في غسل الحيض، حيث فسّرها الشهيد الثاني بأنّ المراد: "ويجب معه الوضوء"، إذ لا يمكن حمل "في" على الظرفيّة الحقيقيّة، وإلّا للزم التفكيك بين أجزاء الغسل والوضوء، وهو قطعًا غير مراد.
إلّا أنّ هذا النحو من الاستبدال بين الحروف ليس أمرًا مسلّمًا على إطلاقه، بل يحتاج في كلّ مورد إلى قرينة خاصّة. وإلّا فالأصل بقاء كلّ حرف على معناه الموضوع له؛ فـ"في" للظرفيّة، و"على" للاستعلاء، و"مع" للمعيّة.
وقد استُدلّ لذلك بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى على لسان فرعون:
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾،﴾وقوله تعالى في قصّة قارون﴿:﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾،﴾ففسّر بعضهم "في زينته" بمعنى "مع زينته"، و"في جذوع النخل" بمعنى "على جذوع النخل".
إلّا أنّ هذا التفسير قابل للمناقشة؛ إذ في آية قارون، لو كان المراد مجرّد المعية، لما كان وجها لتعجّب القوم إلى هذا الحدّ، إذ المعية قد تتحقّق بأدنى تزيّن، بينما الظاهر أنّ خروجه "في زينته" كان على نحو الاستعراض والإحاطة بالزينة، بما يُبرز علوّ شأنه وكثرة ماله، وهو الذي أوجب قولهم: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾.
وكذلك في آية فرعون، فإنّ ظاهر "في جذوع النخل" هو الإدخال في الجذوع على نحو التمثيل والتشفي، لا مجرّد الصلب عليها. وعليه، فدعوى قيام "في" مقام "مع" أو "على" على إطلاقها غير تامّة.
وبناءً على ذلك، فإذا كان المحقّق النائيني يريد من "الصلاة في مواقيتها" معنى "الصلاة مع مواقيتها"، بدعوى أنّ "في" تُستعمل بمعنى "مع"، فهذا أوّل الكلام، بل الظاهر من الرواية هو الظرفيّة، لا مجرّد الاجتماع في الوجود. فتكون دلالة النصّ على الظرفيّة واضحة، ولا تنهض لإثبات التركيب بالمعنى الذي يدّعيه.
ثم ذكر الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه) الرواية الرابعة وما بعدها، استكمالًا للطائفة الثانية التي يرى أنّها قد بيّنت نحو أخذ الزمان، فقال:
4- معتبرة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام):"إذا صلّيت في السفر شيئًا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرّك".فإنّ مفهوم الشرطيّة فيها: إذا صُلِّيت في وقتها، وهو نصّ في الظرفيّة.
5- رواية الأعمش:"… وثمان ركعات في السَّحَر، وهي صلاة الليل".
وهي ظاهرة في أنّ السَّحر أُخذ وقتًا لصلاة الليل على نحو الظرفيّة، لا على وجه المعية.
6- رواية الفضل بن شاذان:"ثمان ركعات في السَّحر".
وهي أيضًا في سياق جعل السَّحر ظرفًا لصلاة الليل.
7- رواية القاسم بن الوليد:"إن صلّيتها في مواقيتها أفضل".وهي نصّ صريح في الظرفيّة.
8- وما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم الصحيحة، مضافًا إلى رواية الشيخ الصدوق في علل الشرائع ومعاني الأخبار، وهي صحيحة زرارة، قال:"سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمّا فرض الله عزّ وجلّ من الصلاة؟ فقال: خمس صلوات في الليل والنهار"،وفي بعض ألفاظها: "وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل…".
وهذه التعابير كلّها ظاهرة ـ بل نصّ ـ في أخذ الزمان على نحو الظرفيّة.
وبناءً على مجموع هذه الروايات، يتّضح أنّ لسان الأدلّة في باب المواقيت قائم على جعل الزمان ظرفًا للفعل، لا على مجرّد المعية أو الاجتماع في الوجود. وعليه، فهذه الطائفة الثانية ـ بخلاف الأولى ـ قد عيّنت كيفية الأخذ، وأفادت الظرفيّة بوضوح.ومن هنا يمكن استفادة أنّ النصوص لا تساعد على ما أفاده السيّد الخوئي (قدّه) من كون الملاك مجرّد الاجتماع في الوجود أو المعية، بل ظاهرها توصيف الصلاة بوقوعها في الزمان الخاصّ، أي الظرفيّة، لا التركيب بالمعنى الذي ذُكر.
وللكلام تتمة..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]