الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/08/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي السيد الخوئي (قدس)

ما يزال الكلام فيما أفاده السيّد الخوئي (قده) حول كلام الأعلام الثلاثة، حيث انتهى إلى أنّ ما ذكروه لا يرفع أصل الإشكال، بل تبقى المشكلة الأساس، وهي محذور الأصل المثبت، قائمةً من دون حلّ.

ومن هنا اتّجه (قده) إلى مسلكٍ آخر في مقام دفع هذا الإشكال، فابتدأ بتقسيم الموضوع المركّب إلى قسمين:

القسم الأوّل: وهو المركّب من المعروض وعرضه، وقد تقدّم الكلام فيه.

وأمّا القسم الثاني، فقد تعرّض له (قده) بقوله:"وأُخرى يكون الموضوع مركّبًا بنحو الاجتماع في الوجود من دون أن يكون أحدهما وصفًا للآخر"([1] ).

وحاصل مراده: أنّ التركيب هنا ليس بمعنى قيام أحد الجزئين بالآخر، بل بمعنى

اعتبار وجود أمرين مستقلّين معًا، بحيث يكون المطلوب تحقّقهما في الخارج على نحو الاجتماع.

وبيّن ذلك بأمثلة متعدّدة، فقال (قده):"كما إذا أُخذ الموضوع مركّبًا من جوهرين مثل زيد وعمرو، أو من عرضين، سواء كان أحدهما قائمًا بموضوع والآخر قائمًا بموضوع آخر، كما في صلاة الجماعة، فإنّ الموضوع لصحّة الجماعة اجتماع ركوعين في زمان واحد، أحدهما قائم بالإمام والآخر قائم بالمأموم".

وتوضيح ذلك: أنّ الركوع عرضٌ قائم بجوهر، فركوع الإمام عرض قائم به، وركوع المأموم عرض قائم به، ولا يعقل حمل أحد الركوعين على الآخر، ولا حمل ركوع المأموم على الإمام، ولا العكس، بل المدار على مجرّد اجتماعهما في الوجود في آنٍ واحد، فباجتماع هذين العرضين — مع قيام كلٍّ منهما بجوهره الخاص — تتحقّق الجماعة، ويترتّب الحكم بصحّة الصلاة.

ثم قال (قده):"أو كانا قائمين بموضوع واحد كالاجتهاد والعدالة المأخوذين في موضوع جواز التقليد".وبيانه: أنّ العدالة لا تُحمل على الاجتهاد، ولا الاجتهاد يُتّصف بالعدالة، بل كلا الوصفين يُحملان على الشخص الخارجي، فيقال: هذا الشخص مجتهد، وهذا الشخص عادل، وباجتماعهما يثبت جواز التقليد. فلو ارتفعت إحدى الصفتين لم يُحرز الموضوع، ولم يترتّب الحكم، لكون كلٍّ من الاجتهاد والعدالة مأخوذًا على نحو الاستقلال والمطلوب اجتماعهما في الوجود.

ثم أضاف (قده):"أو مركّبًا من جوهر وعرض قائم بموضوع آخر"،كما في زيد وعدالة عمرو، فإنّ المطلوب حينئذٍ اجتماع وجود زيد مع وجود عدالة عمرو، من دون أن يكون أحدهما متّصفًا بالآخر.

ثم خلص (قده) إلى الضابطة العامّة، فقال:"ففي جميع هذه الصور يكون الموضوع هو مجرّد اجتماع الأمرين في الوجود".

وعليه، لا يعقل اتّصاف أحد الجزأين بالآخر في هذا النحو من التركيب، بل الملاك هو تحقّق كلا الأمرين خارجًا.

ومن هنا قال (قده): "فلا بدّ في ترتّب الحكم على مثل هذا الموضوع المركّب من إحراز كلا الأمرين إما بالوجدان أو بالتعبد".

وبيان ذلك: أنّ إحراز كلّ جزء من أجزاء الموضوع المركّب قد يكون بالوجدان، وقد يكون بالتعبّد الشرعي كالأصل العملي أو الاستصحاب. فربّما يُحرز أحد الجزأين وجدانًا، والآخر تعبّدًا؛ كما في مثال الماء الكرّ، حيث يُحرز الماء وجدانًا بالمشاهدة، وتُحرز الكرّيّة بالاستصحاب، وبذلك يثبت المركّب، أعني اجتماع الماء مع الكرّيّة.

وكذلك في محلّ الكلام، فإنّ المطلوب إحراز اجتماع الصوم مع النهار، فمتى أُحرز أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبّد، تحقق الموضوع المركّب، وترتّب عليه الحكم.

نعم، قد يقع البحث في إمكان إحراز كلا الجزأين بالتعبّد، إلّا أنّه لا إشكال في صورة إحراز أحدهما وجدانًا والآخر تعبّدًا، وهو المقدار الذي يتوقّف عليه تمام المدّعى في المقام.

ثم قال (قده): "فإذا شُكّ في أحدهما يكفي جريان الاستصحاب فيه بنحو مفاد كان التامّة".

وإنّما عبّر (قده) بمفاد كان التامّة؛ لأنّ الكلام هنا ليس في باب الحمل والاتّصاف، بل في أصل الوجود والاجتماع الخارجي. فالمقام مقام إحراز وجود كلّ واحد من جزأي الموضوع على نحو الاستقلال. فلو كان الموضوع مركّبًا من زيد وعدالة عمرو، فإنّ وجود زيد يُحرز وجدانًا، ووجود عمرو كذلك، وإنّما الشكّ في عدالة عمرو، فيُستصحب وجود العدالة له. وبذلك يتحقّق اجتماع الأمرين في الوجود، أعني وجود زيد ووجود عدالة عمرو.

ثم أردف (قده) قائلاً:"بلا احتياج إلى جريانه في مفاد كان الناقصة، بل لا يصحّ جريانه فيه، لما ذكرناه من عدم معقوليّة اتّصاف أحدهما بالآخر".

والملاك في مفاد كان الناقصة إنّما هو مورد الحمل والاتّصاف، أي مع الفراغ عن وجود الموصوف، كما إذا قيل: زيد موجود، ثم يُبحث في أنّه هل هو عادل أو مجتهد. ففي مثل ذلك يُفترض وجود الموضوع أوّلًا، ثم يُراد إثبات الوصف له، وهذا هو مفاد كان الناقصة.

وأمّا في المقام، فلا يعقل اتّصاف أحد الجزأين بالآخر أصلًا، فلا يصحّ تشكيل قضيّة حمليّة بينهما؛ فلا يقال: كان عمرو زيدًا، ولا كان زيد عدالة عمرو، لبداهة امتناع الحمل بين أمرين مستقلّين مأخوذين على نحو الاجتماع.

ومن هنا لا يمكن إجراء الاستصحاب بمفاد كان الناقصة؛ إذ لا مورد للحمل، وإنّما الجملة المتصوّرة عقلًا وعرفًا هي الجملة الوجوديّة، أي بمفاد كان التامّة، كقولنا: زيد موجود، وعدالة عمرو موجودة.

وعليه، فالمطلوب في هذا النحو من الموضوعات المركّبة هو إحراز الوجودين معًا، ومفاد كان التامّة هو المتكفّل لذلك. فبمجرد استصحاب الجزء المشكوك بمفاد كان التامّة يثبت الموضوع المركّب، أعني اجتماع الأمرين في الوجود، من دون حاجة إلى ضمّ استصحاب آخر، ولا انتظار أمر زائد، كي يلزم محذور الأصل المثبت.

وبذلك يتّضح أنّ طريق السيّد الخوئي (قده) في المقام إنّما يبتني على إجراء الاستصحاب في الجزء المشكوك بنحو مفاد كان التامّة، لا الناقصة، وبه يحرز تمام الموضوع، فيرتفع محذور الأصل المثبت.

ولتوضيح المطلب أكثر قال(قده): "ومن هذا القبيل الصلاة والطهارة ، فان كلا منهما فعل للمكلف وعرض من أعراضه" كما لو قلنا "زيد تطهر وزيد صلى" فالصلاة عرضت على زيد والطهارة أيضاً عرضت على زيد فكل منهما فعل.

لذا قال(قده): "ولا معنى لاتصاف أحدهما بالآخر" فلا يقال "الصلاة متطهرة" وانما الحمل يكون على نفس المكلف فزيد هو الذي تطهر وزيد هوالذي صلى، وهذا شبيه لو قلنا زيد عالم وعادل فزيد الآن مصليا و متطهراً بنفس الملاك.

ثم أردف قائلاً: "والموضوع هو مجرد اجتماعهما في الوجود الخارجي ، فإذا شك في بقاء الطهارة يكفي جريان الاستصحاب فيها بنحو مفاد كان التامة فيحرز الموضوع المركب من الصلاة والطهارة أحدهما بالوجدان وهو الصلاة، والاخر بالتعبد الشرعي وهو الطهارة." وعليه لايوجد عندنا شيء يتوقف على الطهارة، بل مجرد استصحاب الطهارة، فمثل الصلاة اذا احرزت بالوجدان والامر المحرز بالوجدان لايمكن إحرازه بالاستصحاب لكون الاستصحاب مورده مورد للشك والوجدان مورده للعلم، اذن ليس محله الاستصحاب أصلاً، فكما لو كان الشخص مصلياً وشك في الطهارة والطهارة عارضة عليه وهو شاك بها فهنا يستطيع أن يستصحب الطهارة، وعليه لايوجد عندنا شيء يتوقف على الطهارة بل مجرد الطهارة فالطهارة ثبتت بالتعبد او بالاستصحاب، فيكون الشخص مصليا بالوجدان ومتطهرا بالتعبد فكلا الأمرين المطلوبين لهذا المركب قد حصلا وليس المطلوب حمل احدهما على الآخر. والعبرة ان الشارع المقدس أرادهما مجتمعين فقط، فلايلزم محذور الأصل المثبت.

ثم قال (قده):"إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ اعتبار الزمان قيدًا لشيءٍ من هذا

القبيل — يعني أنّ معنى القيد المطلوب هو أن يجتمع معه في الوجود — فمعنى الإمساك النهاري هو اجتماع الإمساك مع النهار في الوجود؛ إذ النهار موجود من الموجودات الخارجيّة، والإمساك عرض قائم بالمكلّف، فلا معنى لاتّصاف أحدهما بالآخر".

وتحقيق مرامه: أنّ التعبير بـ"الإمساك النهاري" عند التحليل الدقيق تعبيرٌ مسامحيّ، بل غير صحيح بالمعنى الأصولي؛ لأنّ النهار أمر وجودي خارجي ممتدّ من طلوع الشمس إلى غروبها، وأمّا الإمساك — وهو عين الصوم — فليس عرضًا قائمًا بالنهار، بل هو عرض قائم بالمكلّف.

وعليه، فلدينا في المقام أمران مستقلّان: أحدهما موجود خارجي وهو النهار، والآخر عرض قائم بجوهر، وهو الإمساك القائم بالمكلّف، وليس بينهما حمل ولا اتّصاف، بل أقصى ما هناك اجتماعهما في الوجود.

ومن هنا يتّضح أنّ الموضوع ليس من قبيل الماء الكرّ، حيث تكون الكرّيّة عرضًا قائمًا بالماء، فيصحّ الحمل، ويصحّ التعبير بالماء الكرّ. أمّا في المقام، فلا يعقل أن يُحمل الإمساك على النهار، ولا أن يُقال: الإمساك عرض قائم بالنهار، كي يصحّ

توصيفه بالنهاري.

بل الصحيح تحليلًا: أنّ المطلوب شرعًا هو الإمساك في ظرف النهار، أي اجتماع الإمساك مع وجود النهار، لا اتّصاف الإمساك بالنهار، ولا النهار بالإمساك.

وعليه، فالتعبير بـ"الإمساك النهاري" إنّما هو تعبير جرى على الألسن بنحو من المسامحة، وأمّا بحسب الدقّة الأصوليّة، فليس في المقام إلا اجتماع الإمساك مع النهار في الوجود، من دون حملٍ ولا اتّصاف.

ثم قال (قده): "فإذا شُكّ في بقاء النهار يكفي جريان الاستصحاب فيه بنحو مفاد كان التامّة، ولا يكون من الأصل المثبت في شيء"

ثم أردف (قده) قائلاً:"نعم، لو أردنا إثبات اتّصاف الإمساك بكونه نهاريًّا باستصحاب النهار بنحو مفاد كان التامّة، كان من الأصل المثبت، لكنّه لا نحتاج إليه، بل لا معنى له على ما ذكرناه".

وتحصّل من مجموع ما أفاده (قده): أنّ المطلوب في المقام ليس إثبات كون الإمساك متّصفًا بالنهاريّة، كي يُتوهَّم لزوم الأصل المثبت، بل المطلوب إحراز اجتماع الإمساك مع النهار في الوجود. وبما أنّ الإمساك ثابت وجدانًا، فالشكّ إنّما هو في بقاء النهار، فيُستصحب النهار بمفاد كان التامّة، وبه يتحقّق تمام الموضوع المركّب، أعني اجتماع الإمساك مع النهار، من دون حاجة إلى إثبات عنوان "الإمساك النهاري"، ولا إلى ترتيب أثر على لازمٍ عقلي أو عرفي، فلا يلزم محذور الأصل المثبت أصلًا.

وعليه، تُحلّ هذه الإشكاليّة على وفق هذا الترتيب الذي أفاده السيّد الخوئي (قده): بتشخيص الموضوع على أنّه مركّب بنحو الاجتماع في الوجود فقط، وبحصر الاستصحاب في الجزء المشكوك بمفاد كان التامّة، من غير توسّط مفاد كان الناقصة، ولا دعوى الاتّصال. هذا

ثم إنّ ما أفاده السيد الخوئي(قده) في المقام يمكن استفادته في الجملة من عبارة المحقّق النائيني (قده) في أجود التقريرات. كما أنّ بعض تلامذة السيّد الخوئي، ومنهم الشيخ علي الفلسفي في كتاب المستفاد (ج ٤) قد وافقه على هذه الطريقة في دفع المحذور.نعم ، يبقى البحث في مدى وفاء هذا الطريقة في حلّ الإشكال من أساسه: وهل أنّ طريقة السيّد الخوئي (قده) كافية في دفع محذور الأصل المثبت حقيقةً، أم أنّ في المبنى أو في التطبيق مجالًا للمناقشة؟ سيأتي بيان ذلك لاحقًا.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - مصباح الأصول، ج٣، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ص١٢٥ وما بعدها.