47/08/05

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي السيد الخوئي (قدس)
لا يزال الكلام في ما أفاده السيّد الخوئي (قدّه)، حيث ذكر أنّ محاولات الأعلام الثلاثة ـ أعني: الشيخَ الأعظم، وصاحبَ الكفاية، والمحقّقَ النائيني ـ لا تخلو جميعُها من إشكال، فسعى (قدّه) إلى تقديم طريقٍ آخر للتخلّص من المحذور.
وقد قبل (قدّه) بجريانَ الاستصحاب في الزمان، فإنه بعد أن قسّم المطلب إلى مقامين: أحدهما في الزمان، والآخر في الزمانيات.
قال (قدّه):"ثمّ إنّ ما ذكرناه ـ من عدم المانع في جريان الاستصحاب في الزمان ـ إنّما هو فيما إذا كان الزمان متمحّضًا في الشرطيّة، بأن كان شرطًا للحكم الشرعي من التكليف أو الوضع"([1] ). وتوضيحُ مرامه: أنّ الأحكام الشرعيّة تنقسم إلى تكليفيّة ووضعية، وقد تقدّم النزاع المعروف في أنّ الأحكام الوضعية هل هي مجعولة بجعلٍ مستقلّ، أو بجعلٍ تبعيّ، أو أنّها منتزعة غير مجعولة أصلًا، وقد اختار الشيخ الأعظم كونها منتزعة. وعلى أيّ حال، فإذا كان الزمان مأخوذًا على نحو الشرطيّة للحكم، أمكن استصحابُه؛ إذ هو أمرٌ كان متحقّقًا سابقًا، ويُشكّ في بقائه لاحقًا، فيُستصحب وجودُه بلا محذور.
ثمّ قال (قدّه):"وأمّا إذا كان قيدًا لمتعلَّق التكليف، كما إذا كان ظرفًا للواجب مثلا، كما اذا امر المولى بالإمساك الواقع في النهار، فإذا شُكّ في بقاء النهار، ففي جريان الاستصحاب فيه إشكال".
وحاصلُ مراده من هذا التفصيل: أنّ الزمان إذا كان شرطًا للحكم، كان المستصحَب نفسَ الشرط، فيُحرَز به موضوعُ الحكم بلا إشكال. أمّا إذا كان قيدًا لمتعلّق التكليف، كالصوم النهاري أو الصلاة الليلية، فالمطلوب حينئذٍ ليس مجرّد إحراز بقاء الزمان، بل إثباتُ وقوع الفعل في ضمن هذا القيد، أي إثبات الصوم النهاري مثلًا، وهنا يقع الإشكال. وبيانُ وجه الإشكال ما أفاده (قدّه) بقوله : "لأنّه باستصحاب النهار لا يثبت وقوع الإمساك في النهار إلا على القول بالأصل المثبت، فإنّ وقوع الإمساك في النهار لازمٌ عقليّ لبقاء النهار".
وتوضيح ذلك: أنّ استصحاب بقاء النهار إنّما يثبت نفسَ النهار تعبّدًا، وأمّا كون الإمساك واقعًا في النهار، فهو لازمٌ عقليّ لهذا الاستصحاب، لا لازمٌ شرعيّ له. ومعلومٌ أنّ الاستصحاب حجة في اللوازم الشرعيّة دون اللوازم العقليّة، وإلّا كان من قبيل الأصل المثبت وهو ليس بحجّة.
فلو قيل: إنّ استصحاب النهار يثبت أنّ الصوم قد وقع في النهار، كان ذلك من ترتيب الأثر بواسطة لازمٍ عقليّ، وهو عين الأصل المثبت. نعم، لو كان الأثر مترتّبًا شرعًا على نفس بقاء النهار ـ كما لو نذر التصدّق عند تحقّق النهار ـ أمكن إثباتُ وجوب التصدّق بالاستصحاب، لكونه أثرًا شرعيًّا مباشرًا للموضوع المستصحَب. أمّا في المقام، فالمطلوب إثباتُ الصوم النهاري، وليس هذا أثرًا شرعيًّا لبقاء النهار، بل نتيجةٌ عقليّة لضمّ بقاء النهار إلى فرض تحقّق الإمساك.
ومن هنا يظهر أنّ ما يُراد إثباتُه ـ وهو كون الصوم واقعًا في النهار ـ لا يثبت باستصحاب النهار إلّا على أساس الأصل المثبت.
وبعبارةٍ أخرى: نحن لا نشكّ في أصل تحقّق الصوم، وإنّما الشكّ في بقاء النهار. ومع البناء على وحدة النهار عرفًا ـ كما التزم به الشيخ الأعظم في نهاية المطاف، وصاحب الكفاية من أوّل الأمر ـ يمكن في نفسه استصحابُ النهار، لاتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة. إلّا أنّ هذا الاستصحاب، وإن كان جارياً في نفسه، لا يفي بإثبات المطلوب، لأنّ المطلوب هو إحراز الصوم المقيَّد بالنهار، وهذا لا يترتّب على استصحاب نفس النهار ترتيبًا شرعيًّا، بل عقليًّا، فنقع في محذور الأصل المثبت.
وعليه، يبقى السؤال الأساس: بعد تسليم جريان استصحاب الزمان في نفسه، كيف يمكن التخلّص من هذا المحذور لإثبات المتعلَّق المقيَّد بالزمان؟ وهو ما يبتني عليه تماميّة هذا المسلك أو عدمها.
ولذلك قال (قدّه):"ولذا ـ أي للوقوع في إشكال الأصل المثبت ـ عدل الشيخ، وتبعه المحقّق النائيني (ره) ـ في أجود التقريرات لا في فوائد الأصول ـ عن جريان الاستصحاب في الزمان في مثله إلى جريانه في الحكم، بأن نقول بعد الشك في بقاء النهار :أن وجوب الإمساك الواقع في النهار كان ثابتا قبل هذا فالآن كما كان…. ثم قال ومن هنا عدل صاحب الكفايةعن جريان الاستصحاب في الزمان وعن جريانه في الحكم إلى جريانه في فعل المكلف المقيد بالزمان، بأن يُقال بعد الشكّ في
بقاء النهار: إنّ الإمساك قبل هذا كان واقعا في النهار والآن كما كان".
وحاصل هذا العدول عندهم: أنّه لما كان استصحابُ النهار لا يُثبت وقوع الإمساك فيه إلا بالأصل المثبت، انتقل الشيخ الأعظم ـ وتبعه المحقّق النائيني في تقريرات بحثه ـ إلى استصحاب نفس الحكم، أعني وجوب الصوم، بدل استصحاب الزمان. وأمّا صاحب الكفاية، فقد عدل إلى استصحاب فعل المكلّف ومتعلّق التكليف، بدعوى أنّ الإمساك النهاري كان متحقّقًا سابقًا، ومع الشكّ في بقاء النهار يُستصحب بقاؤه كذلك.
إلّا أنّ السيّد الخوئي (قدّه) علّق على مسلك الشيخ الأعظم والمحقق النائيني بأنّه لا يسمن ولا يفيدٍ في دفع الإشكال لان إثبات وقوع الإمساك في النهار ان كان ممكنا باستصحاب الحكم كان ممكنا باستصحاب الزمان ايضا فلا حاجة الى العدول وأما مسلك صاحب الكفاية فلا ينفع ، إلّا في موارد خاصّة أُحرز فيها الحالة السابقة للمتعلَّق. وبيانه: أنّ ما أفاده صاحب الكفاية قد يتمّ في بعض الموارد دون بعض؛ ففي مورد الصوم ـ حيث يكون الإمساك قد تحقّق فعلًا قبل طروّ الشكّ ـ يمكن فرض حالةٍ سابقة للمتعلّق، فيُستصحب بقاؤه. أمّا في غيره، فلا.
ولهذا قال (قدّه):"وهذا الاستصحاب وان كان جاريا في مثل الإمساك الا انه غير جار في جميع موارد الشك في الزمان فإنّه من أخّر صلاة الظهرين حتّى شكّ في بقاء النهار، لا يمكنه إجراء الاستصحاب في الفعل، بأن يُقال: الصلاة قبل هذا كانت واقعة في النهار والآن كما كانت، إذ المفروض أنّ الصلاة لم تكن موجودة إلى الآن".
والوجه في ذلك واضح؛ فإنّ استصحاب المتعلّق ـ كالصلاة النهاريّة ـ يتوقّف على تحقّق نفس الفعل سابقًا، ليكون له حالةٌ متيقّنة يُشكّ في بقائها. ومع فرض تأخير الصلاة إلى زمان الشكّ، لا تكون هناك حالة سابقة أصلًا، فلا مورد للاستصحاب.
وبهذا يتّضح أنّ العدول عن استصحاب الزمان إلى استصحاب الحكم أو إلى استصحاب المتعلق اما لا ينفع اصلا وأما لا يحلّ المشكلة على نحوٍ كلّي، بل في بعض الموارد خاصّة دون بعض، ومع عدم إحراز الحالة السابقة للمتعلّق يسقط هذا الطريق رأسًا. وعليه، لم يرتضِ السيّد الخوئي (قدّه) شيئًا من مسالك الأعلام الثلاثة فيبقى الإشكال على حاله بحسب هذه الوجوه، ممّا يستدعي البحث عن
معالجةٍ أخرى للمقام.
ولذلك قال (قدّه):"فلابدّ من بيان وجهٍ آخر."وسيأتي أنّ هذا الوجه وقع في مناقشة عند بعض تلامذته (قدّه)، حيث لم يرتضوا تماميّة طريقته في حلّ الإشكال.
ثمّ شرع (قدّه) في بيان هذا الوجه، فصدّر كلامه بمقدّمة.
قال:"وهو يحتاج إلى ذكر مقدّمة، وهي أنّ الموضوع المركّب على قسمين".
ومراده بالموضوع المركّب ليس أمرًا واحدًا بسيطًا، بل ما يتركّب من شيئين، بحيث يكون الأثر مترتّبًا على مجموعهما، لا على كلّ واحدٍ منهما مستقلًّا؛ كما في عدم انفعال الماء، فإنّه لا يترتّب على مجرّد الماء، ولا على مجرّد الكرّيّة، بل على الماء الكرّ. وكذا في مثل (زيد العادل) ، فإنّ الحكم مترتّب على ذات زيد مع اتّصافه بالعدالة.
وعادةً ما تُحرَز مثل هذه الموضوعات المركّبة إمّا بالوجدان أو بالتعبّد؛ فالعدالة ـ مثلًا ـ قد تكون محرزة بالوجدان، فإذا شككنا في بقائها ـ كما لو شوهد زيد يرتكب ما يوجب الشكّ في عدالته ـ أمكن استصحاب بقائها، فيترتّب الأثر على "زيد العادل".
ثمّ قال (قدّه):"فتارةً يكون الموضوع مركّبًا من المعروض وعرضه، كالماء الكرّ،
فإنّه موضوع للاعتصام وعدم الانفعال، فلابدّ في ترتّب الحكم على هذا الموضوع من إثبات العارض والمعروض بنحو مفاد كان الناقصة".
وتوضيح ذلك: أنّه إذا قيل "كان الماء"، فهذا مفاد كان التامّة، أي تحقّق وجود الماء. وأمّا إذا قيل "كان الماء كُرًّا"، فهذا مفاد كان الناقصة، أي ثبوت الوصف للموصوف.
فإذا كان الماء موجودًا بالوجدان، وشُكّ في كرّيّته، أمكن استصحاب الكرّيّة بنحو مفاد كان الناقصة، بأن يقال: "هذا الماء كان كُرًّا، فالآن كما كان"، وحينئذٍ يثبت الموضوع المركّب تعبّدًا من دون الوقوع في محذور الأصل المثبت.
وأمّا لو أُجري الاستصحاب في نفس الكرّيّة بمفاد كان التامّة ـ أي بإلغاء لحاظ الموصوف ـ لزم إشكال الأصل المثبت.
ولهذا قال (قدّه):"إمّا بالوجدان أو بالتعبّد، فإذا شككنا في بقاء كرّيّة الماء لا يُجدي جريان الاستصحاب في مفاد كان التامّة، بأن يُقال: الكرّيّة كانت موجودة والآن كما كانت؛ لأنّ موضوع عدم الانفعال ليس هو الماء ووجود الكرّيّة ولو في غير الماء، بل الموضوع له كرّيّة الماء، وهي لا تثبت باستصحاب الكرّيّة في مفاد كان التامّة إلّا على القول بالأصل المثبت. فلابدّ حينئذٍ من إجراء الاستصحاب بمفاد كان الناقصة، بأن يُقال: هذا الماء كان كُرًّا فالآن كما كان".
وبيان ذلك: أنّه إذا كان عندنا ماءٌ كُرّ، ثمّ شُكّ في بقائه على الكرّيّة ـ كما لو شرب منه إنسان أو حيوان ـ فإن أردنا إجراء الاستصحاب، فإمّا أن نستصحب "الكرّيّة" مجرّدة عن الموصوف، فنقول: "الكرّ كان موجودًا والآن كما كان". وهذا لا يثبت أنّ هذا الماء كُرّ، إلّا بواسطة العقل ، وهو عين الأصل المثبت؛ إذ في نفس الاستصحاب لم يُلحَظ الماء أصلًا، وإنّما أُحرز وجود الكرّيّة بنحوٍ مطلق، ثم أُسندت إلى هذا الماء بلحاظ اللازم العقلي.
وأمّا إذا أُجري الاستصحاب بنحو مفاد كان الناقصة، بأن يُقال: "هذا الماء كان كُرًّا"، ثمّ شُكّ في بقائه كذلك، فيُستصحب، فحينئذٍ تكون القضيّة المتيقّنة عين القضيّة المشكوكة، ويُحرَز الموضوع المركّب تعبّدًا بلا توسّط لازمٍ عقلي، فلا يكون من الأصل المثبت.
والحاصل: أنّ الفارق الجوهري هو أنّه متى لم يُذكَر الموصوف، وكان الاستصحاب جارياً في نفس الوصف بنحو مفاد كان التامّة، لم يُثبت الموضوع المركّب إلّا بالأصل المثبت. وأمّا إذا ذُكر الموصوف، وكان الاستصحاب بلحاظ اتّصافه بالوصف بنحو مفاد كان الناقصة، أمكن ترتيب الأثر الشرعي مباشرة.
وللكلام تتمة..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]