47/08/01

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي السيد الخوئي
قد تقدَّم أنّ محلّ الكلام هو جريان الاستصحاب في الأمور التدريجيّة، وذكرنا أنّ الشيخ الأعظم (قده) جعل البحث في ثلاثة أقسام:
الأوّل: الزمان بما هو زمان.
الثاني: الأمور التدريجيّة.
الثالث: الأمر القارّ المقيَّد بالزمان.
وأمّا صاحب الكفاية (قده) فقد أرجع البحث إلى قسمين لا غير، فجعل الزمان من الأمور التدريجية، وجعل في قبالها الأمر القارّ المتقيِّد بالزمان.
وأمّا المحقّقُ النائينيّ (قده)، فقد ذكر في أصلِ بحثِه قسمين أيضًا، غيرَ أنّه ألحق في كتاب فوائد الأصول بحثًا بعنوان التذييل، تعرّض فيه لكلامِ الشيخِ الأعظم وتقسيمِه الثلاثي، ثمّ أرجع هذا التقسيم إلى ما يُشبه أقسامَ استصحابِ الكلّي من
القسم الأوّل والثاني والثالث.
وكلُّ هذا قد تقدّم تفصيلُه في الأبحاثِ السابقة.
وتقدّم منّا أيضًا عند التعرض لكلام المحقق النائيني أنّ الزمان تارةً يُؤخذ على نحو مفاد كان التامّة، وأخرى يُؤخذ على نحو مفاد كان الناقصة.
ولا إشكالَ في عدمِ جريانِ الاستصحابِ إن أُخِذَ الزمانُ بمفادِ كان الناقصة؛ لعدمِ اليقينِ السابق.
وأمّا إن أُخِذَ بمفادِ كان التامّة، فلا مانعَ من جريانِ الاستصحابِ في نفسه، باعتبارِ أنّ العُرفَ يرى الزمانَ شيئًا واحدًا مستمرًّا، فيتحقّقُ اليقينُ بالحدوثِ والشكُّ في البقاء، فنقول: كان الزمانُ موجودًا، والآن نشكُّ في بقائه، فنستصحبُ وجودَه.
ومن أوضح أمثلته: كان النهار موجودًا، والآن نشكّ في ارتفاعه، فنحكم ببقائه.
غير أنّ الشيخ الأعظم، وكذا صاحب الكفاية، والمحقّق النائيني واجهوا هنا إشكالًا مشتركًا، وهو:
أنّه لو جرى استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة، فما هي ثمرة هذا الاستصحاب؟
والجواب: إنّ الغرض من ذلك هو إثبات وقوع الفعل المطلوب في الزمان الخاص؛
كإثبات كون الصوم واقعًا في النهار، أو كون صلاة الليل واقعة في الليل.
إلّا أنّ الإشكال يكمن في أنّ إثبات كون الفعل واقعًا في الزمان الخاص لا يثبت باستصحاب الزمان بنحو كان التامة إلّا بلحاظ لازمه العقلي، فيكون من الأصل المثبت وهو ليس بحجّة.
وعليه، فإنّ استصحاب الزمان بمفاد كان التامة وان كان جاريا إلا أنه غير نافع جزماً، ولا يندفع الإشكال إلّا بالالتزام بالأصل المثبت، وهو غير معتبر.
والحاصل فإن استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة، لا مانع من جريانه في نفسه، كما صرّح بذلك الشيخ الأعظم، وإن لم يعبّر بهذا الاصطلاح، بل عبّر بأنّ الزمان إذا لوحظ شيئًا واحدًا جاز استصحابه.
وكذا ذهب صاحب الكفاية والمحقّق النائيني إلى عدم المانع من جريان استصحاب الزمان بهذا اللحاظ.
نعم، إنّما وقع الإشكال في ثمرة هذا الاستصحاب، إذ المقصود منه هو إحراز وقوع الأفعال المطلوبة من الشارع في النهار أو الليل، كما في موارد الشكّ في بقاء النهار بسبب طروّ ظلمةٍ أو غيمٍ أو ريحٍ سوداء، حيث يُقال: لا مانع من استصحاب بقاء النهار؛ لتحقّق اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، إلّا أنّ المطلوب هو إثبات كون الصوم قد وقع في النهار، وهذا لازم عقلي لا شرعي .
ومن هنا، لجأ الشيخ الأعظم (قده) إلى طريقٍ آخر، فاختار استصحاب الحكم، بدعوى أنّ وجوب الصوم كان ثابتًا سابقًا، فنستصحبه الآن.
وأمّا صاحب الكفاية (قده)، فقد اختار جريان استصحاب المتعلّق، لا استصحاب الحكم، بمعنى أنّ نفس الصوم كان موجودًا قبل ساعة، ومع الشكّ في ارتفاعه يُستصحب بقاؤه.
وأمّا المحقّق النائيني (قده)، فقد أفاد في - فوائد الأصول- أنّ استصحاب الحكم لا ينفع، وأنّ استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة وإن كان لا مانع منه ، إلّا أنّه لا فائدة منه، أوقليل الفائدة، ومن هنا أشكل على الشيخ الأعظم بقوله: إذا لم يمكن استصحاب الموضوع، فكيف يمكن استصحاب الحكم؟.
غير أنّه يظهر من تقرير بحثه الآخر كما في - أجود التقريرات- أنه تراجع عن هذا المبنى، وأفاد بعدم المانع من جريان استصحاب الحكم، خلافًا لما أفاده في - فوائد الأصول- وهذا يدلّ على اختلاف تقريري بحثه من هذه الجهة.
وأمّا الآن، فيقع الكلام في ما أفاده السيد الخوئي (قده)، حيث قرّر أنّ محاولات الأعلام الثلاثة ـ أعني: الشيخ الأعظم، وصاحب الكفاية، والمحقّق النائيني ـ لا تخلو جميعها من إشكال، وحاول (قده) أن يقدّم طريقًا آخر يَتخلّص به من هذا المحذور.
نعم، أقرّ (قده) بأنّ كلام صاحب الكفاية في الجملة لا بأس به، غير أنّه لا يمكن تعميمه على جميع الموارد.
وذلك: أنّ صاحب الكفاية أفاد بإمكان استصحاب المتعلَّق، لا استصحاب الحكم، أي استصحاب نفس الصوم لا وجوبه.
فمثلاً: إذا كان المكلّف صائمًا في النهار، ثم طرأ شكّ بسبب حدوث غيمٍ أو ريحٍ سوداء، فيُقال: إنّ الصوم كان موجودًا قبل ساعة، والآن يُشكّ في بقائه، فيُستصحب بقاؤه.
إلّا أنّ السيد الخوئي علّق على ذلك بأنّ هذا البيان إنّما يتمّ فيما إذا كان للمتعلَّق حالةٌ سابقة، كما في مثال الصوم.
أمّا لو فُرِضَ مثالُ الصلاة، كما لو لم يكن المكلَّفُ قد صلّى بعدُ، ثمّ شكّ في بقاءِ
النهار، فبناءً على مسلكِ صاحبِ الكفاية من استصحابِ نفسِ المتعلَّق الثابتِ سابقًا، لا ينفعُ في مثلِ الصلاة؛ وذلك لأنّ الصلاةَ لا حالةَ سابقةَ لها أصلًا حتّى تُستصحب.
وعليه، فمحاولة صاحب الكفاية ـ على رأي السيد الخوئي ـ تحلّ الإشكال جزئيًّا لا كليًّا، ويبقى أصل المحذور قائمًا.
ولذا أفادَ السيّدُ الخوئيّ (قده) حلًّا آخرَ للمعضلة، وإن كان الظاهرُ أنّ أصلَ ما أفاده من حلٍّ موجودٌ عند المحقّق النائيني، غيرَ أنّه صاغه بصياغةٍ برهانيّةٍ دقيقة، وحاصلُه:إنّ الموضوعات المركّبة على قسمين:
القسم الأوّل: ما يكون التركيب فيه تركيب حمل واتّصاف، كما في ماء الكُرّ.
فإنّ الموضوع للحكم بالاعتصام ليس هو الكُرّية بما هي هي، ولا الماء بما هو ماء، بل هو الماء المتّصف بالكرّية.
وعليه، لو استصحبنا وجودَ الماءِ بمفادِ كان التامّة، وقلنا: كان الماءُ موجودًا والآن كما كان، فإنّ هذا لا يُثبت كونه كُرًّا؛ لأنّ الكُرِّيّة ليست من لوازمِ الماءِ الشرعيّة، فإثباتُها لا يكون إلّا من قبيلِ الأصلِ المثبِت. وعليه، فلا بدّ في ترتّبِ الحكمِ على مثلِ هذا الموضوع، أي المركَّب من المعروضِ وعرضِه، من إثباتِ العارضِ والمعروضِ بنحوِ مفادِ كان الناقصة.
القسمُ الثاني: ما يكونُ التركيبُ فيه من قبيلِ الاجتماعِ في الوجودِ فقط، من دونِ حملِ أحدِ الجزأينِ على الآخر، والمطلوبُ هو وجودُ الأمرينِ معًا، لا اتّصافُ أحدِهما بالآخر.
كما في اجتماعِ زيدٍ وعمرو، حيثُ يكونُ الأثرُ مترتّبًا على وجودِهما معًا، لا على حملِ أحدِهما على الآخر.
فهذا وإن كان تركيبًا، لكنّه ليس تركيبًا حمليًّا، فلا يندرجُ تحتَ مفادِ كانَ الناقصة، بل هو من مفادِ كانَ التامّة، أي وجودِ كلٍّ منهما في الخارج.
ومن هذا القبيل أيضًا ما لو قيل: أريدُ زيدًا مع بكر؛ فإنّ بكرًا لا يُحمل على زيد، بل المطلوبُ وجودُ الأمرين معًا.
فإذا كان المركَّبُ من هذا القبيل، أمكنَ ترتيبُ الأثر على جريانِ الاستصحاب من دون الوقوع في الأصلِ المثبِت.
وعليه، قرَّر السيّدُ الخوئيّ أنّه في مثلِ هذا النحو من الموضوعاتِ المركَّبة يمكنُ
إثباتُ أحدِ جزئيها بالوجدان، والآخر بالتعبُّد ولو بالاستصحاب بمفادِ كانَ التامّة.
والمقصودُ بالوجدان هو إحرازُ الشيءِ قطعًا، كالثابتِ بالحسّ مثلًا،وأمّا التعبُّد، فهو ما ثبت بالطرقِ والأصولِ الشرعيّة، كالاستصحاب مثلًا.
ومثالُه الواضح: الصلاةُ مع الطهارة؛ فإنّ الصلاةَ قد تتحقّق وجدانًا، والطهارةَ يُشكّ في بقائها، فيُستصحب بقاؤها.
فصار عندنا صلاةٌ مُحرَزةٌ بالوجدان، وطهارةٌ مُحرَزةٌ بالتعبُّد الشرعي، والشارعُ إنّما يريدُ اجتماعهما معًا، ولا يردُ حملُ أحدِهما على الآخر.
وبهذا لا يرد إشكال الأصل المثبت من رأس.
وعلى هذا الأساس، يُقال في المقام:إنّ الصومَ قد ثبتَ وجدانًا، ثمّ يُشكّ في بقاءِ النهار، فيُستصحبُ النهارُ بمفادِ كانَ التامّة، فيجتمعُ لدينا صومٌ مُحرَزٌ بالوجدان، والنهارُ مُحرَزٌ بالتعبُّد، أي بالاستصحاب، والشارعُ إنّما يريدُ وقوعَ الصومِ مع النهار، لا اتّصافَ الصومِ بالنهار على نحوِ الحمل.
وبذلك أفادَ السيّدُ الخوئيّ (قده) أنّه يمكنُ الاستفادةُ من استصحابِ الزمانِ بمفادِ
كانَ التامّة، وحلُّ الإشكالِ من دونِ الوقوعِ في محذورِ الأصلِ المثبِت، إذا أُرجِعَ التركيبُ في موضوعِ الحكمِ إلى النحوِ الثاني من التركيب، لا إلى النحوِ الأوّل، أي التركيبِ الحمليّ.
وللكلام بقية ..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]