الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/07/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /مناقشة الشيخ النائيني لراي الشيخ الفاضل النراقي

لازال الكلام فيما أفاده المحقّق النائيني (قده) في مقام مناقشة ما ذكره الفاضل النراقي (قده).

وكان النراقي ـ بعد أن قرّر أصل مبناه ـ قد ذكر جملةً من الأمثلة التطبيقية، لم نتعرّض لها تفصيلاً، وإنّما اقتصرنا على الوقوف عند أصل الدعوى التي بنى عليها رأيه.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (قده) انتقل إلى إثارة إشكالٍ آخر، وهو أشبه ما يكون بتحقيق معنى العدم الأزلي، بغض النظر عن الخلاف المعروف بين الأصوليّين في إمكان استصحابه أو عدمه. فغرضه هنا ليس الخوض في أصل هذا النزاع، بل تحديد المراد من العدم الأزلي نفسه، وكأنّه يريد بذلك بيان موقفه إزاء كلٍّ من الفاضل النراقي والشيخ الأعظم (قده).

وحاصل ما أفاده النراقي (قده): أنّه لا مانع من جريان الاستصحابين معاً؛ فمن جهةٍ، يُستصحب الوجود، بأن يقال: إنّ الجلوس كان واجباً قبل الزوال، فنستصحب بقاؤه بعد الزوال.

ومن جهةٍ أخرى، يُستصحب العدم، بدعوى أنّه يوم الخميس لم يكن الجلوس واجباً، والآن نشكّ بعد الزوال، فيُستصحب عدم وجوبه.

وحيث إنّ مقتضى الأوّل إثبات الوجوب، ومقتضى الثاني نفيه، ولا يمكن الجمع بينهما، فيقع التعارض بين الاستصحابين. وهذا هو مفاد دعوى النراقي.

وأمّا الشيخ الأعظم (قده)، فقد أنكر إمكان جريان الاستصحابين معاً، وقرّر أنّ المورد غير قابل لذلك من الأساس؛ لأنّ الأمر دائر بين حالتين لا ثالث لهما:

فإن أُخذ الزمان قيداً، لم يجرِ إلا استصحاب العدم.

وإن أُخذ الزمان ظرفاً، لم يجرِ إلا استصحاب الوجود.

وأمّا جريانهما معاً، فغير ممكن؛ لأنّ الجلوس قبل الزوال غير الجلوس بعده، لتغاير الموضوعين عند القيديّة، فلا يكون المحلّ صالحاً لتعارض استصحابين، بل يجري أحدهما فقط.

والمحقّق النائيني (قده)، قد خالف كِلا الرأيين؛ فله إشكالٌ على الفاضل النراقي، وإشكالٌ آخر على الشيخ الأعظم.

وحاصل ما أفاد: أنّ النكتة في استصحاب العدم ـ في مثل هذه الموارد ـ إنّما هي دعوى كونه عدماً أزلياً، فإذا انتفى هذا العنوان، انتفى موضوع الاستصحاب.

وتوضيح ذلك: أنّ النراقي يقول إنّ عدم وجوب الجلوس يوم الخميس هو عدم أزلي، ثم ثبت الوجوب يوم الجمعة إلى الزوال بالدليل، وبعد الزوال نشكّ، فيُستصحب ذلك العدم الأزلي لنفي الوجوب بعد الزوال. والشيخ الأعظم وافقه في أصل هذا المبنى عند فرض قيدية الزمان.

غير أنّ المحقّق النائيني (قده) يعرّف العدم الأزلي بأنّه العدم الذي لم يُسبق بوجود.

فعدم الجلوس قبل يوم الجمعة ـ كعدم الجلوس يوم الخميس ـ يمكن تسميته عدماً أزلياً، لعدم سبق الوجود له.

لكن عند ثبوت الجلوس يوم الجمعة إلى الزوال، فقد تحقّق وجود فعلي قطع ذلك العدم الأزلي.

فبعد الزوال، لا يكون العدم المشكوك هو العدم الأزلي، بل هو عدمٌ مسبوق بالوجود.

وهنا يطرح النائيني السؤال الجوهري: هل لهذا العدم المسبوق بالوجود حالة سابقة متيقّنة يمكن استصحابها؟والجواب: كلا؛ لأنّ حالته السابقة المتوهَّمة هي العدم الأزلي، وقد انقطع بتحقّق الوجود.

وأمّا العدم بعد الزوال، فهو عدم جديد، لم يسبق له يقين، فلا تتوفّر فيه أركان الاستصحاب.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ استصحاب الوجود أيضاً غير جارٍ؛ لأنّ فرض كون الزمان قيداً يقتضي تعدّد الموضوع، فالجلوس قبل الزوال غير الجلوس بعده.

وعليه، لا يجري عند المحقّق النائيني لا استصحاب الوجود، ولا استصحاب العدم، فلا يقع التعارض بين الاستصحابين كما قال النراقي، ولا جريان لأحدهما كما قال الشيخ الأعظم، بل الاستصحاب في نفسه غير جارٍ في المقام.

ومن ثمّ، يرى (قده) أنّ المرجع هو سائر الأصول العمليّة:فإن كان الشكّ في أصل التكليف، فالمرجع هو البراءة.

وإن كان العلم بالتكليف ثابتاً، والشكّ في سعة متعلّقه أو ضيقه، فالمرجع هو الاشتغال.

وبذلك يتّضح أنّ ما وقع فيه الفاضل النراقي والشيخ الأعظم ـ بحسب نظر المحقّق النائيني ـ إنّما هو الاشتباه في تصوير مورد الاستصحاب، وأنّ المسألة في حقيقتها ليست من فروع بحث العدم الأزلي، بغضّ النظر عن البحث الآخر في أصل إمكان استصحابه أو عدمه، فإنّ لذلك مقاماً آخر.

وملخّص ما تقدّم:بعدما تقدّم بيانُ ما أفاده الشيخُ الأعظم (قده) في مسألة الأمر القارّ المقيَّد بالزمان، حيث جزم بعدم جريان الاستصحاب فيه، تعرّض المحقّقُ النائيني (قده) للاستغراب من كلام الفاضل النراقي—بحسب نقل الشيخ الأعظم—في دعوى تعارض الاستصحابين: استصحاب الوجود مع استصحاب العدم الأزلي.

وقد فصّل الشيخُ الأعظم (قده) بين حالتي القيديّة والظرفيّة، فذهب إلى أنّه: مع أخذ الزمان قيداً للحكم أو للموضوع، لا يجري استصحاب الوجود في مثال الجلوس بعد الزوال، بل المرجع هو استصحاب العدم الأزلي.

وأمّا مع أخذه ظرفاً، فلا مانع من جريان استصحاب الوجود.

إلّا أنّ المحقّق النائيني (قده) ناقش هذا التفصيل، وأورد عليه بما حاصله، فقال(قده): ، "إنّ الظاهر عدم جريان استصحاب العدم الأزلي مطلقاً"[1] .

ولا يخفى أنّ المراد من الإطلاق في عبارات الأعلام ليس الإطلاق المصطلح في مقابل التقييد، بل الإشارة إلى وجود تفصيلٍ يراد نفيُه. والتفصيل المشار إليه هنا هو بعينه ما ذكره الشيخ الأعظم (قده)، ونقله عنه المحقّق النائيني، من التفريق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً.

فالمحقّق النائيني (قده) خالف الشيخ الأعظم في النتيجة أيضاً، فذهب إلى عدم جريان استصحاب العدم الأزلي حتّى مع فرض القيديّة.

وعلّل (قده) ذلك بقوله:

"لأنّ العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كلّ حادثٍ مسبوقاً به".

وتوضيح مراده: أنّ العدم الأزلي عبارة عن العدم المطلق السابق على أصل الوجود، بحيث لا يوجد حادثٌ إلّا وهو مسبوق بهذا العدم. فإذا تحقّق الوجود، فقد انقطع هذا العدم الأزلي بالوجود نفسه، فإذا ارتفع الوجود بعد تحقّقه، لا يصحّ توصيف الحالة اللاحقة بأنّها عدم أزلي، بل هي عدمٌ مسبوق بالوجود.

فالفارق واضحٌ بين:عدم زيد قبل وجوده، وهو عدم أزلي، وعدم زيد بعد وجوده، وهو عدم طارئ غير أزلي.

ثمّ أكّد (قده) هذا المعنى بقوله:"وانتقاض هذا العدم بالنسبة إلى كلّ حادث إنّما يكون بحدوث الحادث وشاغليته لصفحة الوجود، فلو ارتفع الحادث بعد حدوثه وانعدم بعد وجوده، فهذا العدم غير العدم الأزلي، بل هو عدم آخر حادث بعد وجود الشيء".

وحاصل مقصوده (قده): أنّه بصدد تحقيق اصطلاحي له ثمرة عمليّة في باب الاستصحاب، لا مجرّد تفريقٍ لفظي. إذ قد تقدّم أنّ الغاية من الاستصحاب هي ترتيب الآثار العمليّة عند فقد الدليل الاجتهادي، فلا بدّ من إحراز موضوعٍ له حالة سابقة معتبرة.

وعليه، فالعدم الأزلي عنده هو العدم بلحاظ مفاد ليس التامّة، أي نفي أصل الوجود، وهو العدم المحمول على الأشياء قبل تحقّقها في صفحة الوجود، لا بمعنى أنّ الشيء وُجد ثمّ فُقد. فقولنا: "زيد معدوم" معناه أنّه لم يوجد أصلًا، لا أنّه وُجد ثمّ عدم.

وأمّا العدم الذي يكون مسبوقاً بالوجود، فلا يعدّ عدماً أزلياً، ولا يملك حالةً سابقة مستقلّة يمكن استصحابها، لأنّ الوجود السابق قد قطع ذلك العدم الأوّلي، فلا يبقى مجال لإجراء استصحاب العدم الأزلي بعد تحقّق الوجود وانقطاعه.

وبهذا يظهر أنّ المحقّق النائيني (قده) يمنع من جريان استصحاب العدم الأزلي مطلقاً، لا لخصوص مثالٍ دون آخر، بل بلحاظ حقيقة العدم الأزلي وحدوده المفهوميّة والأصوليّة.

فقوله (قده): "فهذا العدم غير العدم الأزلي، بل هو عدم آخر حادث بعد وجود الشيء"قد يُتوَهَّم منه، لو أُخذ لفظ الحادث بمعناه الوجودي، أنّ المراد هو "عدم موجود"، وهو محال؛ إذ لا يعقل حمل الوجود على العدم، لكونهما نقيضين لا يجتمعان. إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا التعبير ورد من باب تقريب المطلب لا من باب الدقّة الاصطلاحيّة.

وبيان ذلك: أنّ المحقّق النائيني (قده) قد صرّح في موارد سابقة بأنّ العدم الأزلي

(المحمولي) لا ينقلب إلى عدم نعتي، لأنّ هذا التحوّل محال في نفسه، ذكر ذلك رداً على الفاضل التوني ( قدس ) كما تقدم للأمر السابق - عدم التذكية حال الحياة مغاير لعدم المذبوحية في حال الموت حتف الانف - فيراجع، بل إنّ الوجود يقطعه، فإذا ارتفع الوجود لم يرجع العدم إلى كونه أزلياً.

وعليه، فعبارته: "عدم آخر حادث بعد وجود الشيء" لو أُخذت على ظاهرها اللفظي قد تثير إشكالاً، إلا أنّ التدقيق يقتضي إعادة ضبطها اصطلاحاً، فيقال:

ليس المراد منها "عدماً حادثاً" بمعنى أمرٍ متحقّق في الخارج، بل المراد عدمٌ مسبوق بالوجود، في مقابل العدم الأزلي الذي هو عدم غير مسبوق بالوجود.

وعليه: العدم الأزلي: هو العدم الذي لم يسبقه وجود أصلًا (وحديثنا هنا في غير الواجب تعالى).

العدم بعد الوجود: هو عدم مسبوق بالوجود، لا أنّه حادث بمعنى الموجود، بل حادث بلحاظ الانتساب الزماني إلى ما بعد تحقّق الوجود.

وبهذا البيان نتخلّص من الإشكال المترتّب على استعمال لفظ الحادث؛ إذ لا يُراد به ما له تحقّق، بل ما هو طارئ بلحاظ الزمان بعد الوجود. فالأدقّ أن يقال:

هو عدم مسبوق بالوجودلا: عدم حادث، لئلّا يُتوَهَّم ثبوت نحو وجودٍ للعدم.

وعلى هذا الأساس، يكون مقصود المحقّق النائيني (قده) محفوظاً من دون لزوم أيّ محذورٍ عقلي أو اصطلاحي، ويتّضح أنّ الفرق الجوهري عنده ليس بين "عدمٍ قديم" و"عدمٍ جديد" بنحو التحوّل، بل بين:عدمٍ غير مسبوق بالوجود (العدم الأزلي)،وعدمٍ مسبوق بالوجود، وهو الذي لا حالةَ سابقةَ له بالمعنى المعتبر في باب الاستصحاب.

بعد هذا البيان، نرجع إلى أصل إشكال المحقّق النائيني (قده) على الشيخ الأعظم والفاضل النراقي، حيث قال (قده) في مقام النقض:"إنّه إذا وجب الجلوس إلى الزوال، فالعدم الأزلي قد انتقض إلى الوجود قطعاً، فإذا فُرض ارتفاع الوجوب بعد الزوال لأخذ الزوال قيداً للوجوب، فعدم الوجوب بعد الزوال لا يكون هو العدم الأزلي؛ لأنّه مقيَّد بكونه بعد الزوال، والعدم المقيَّد غير العدم المطلق المعبر عنه بالعدم الأزلي".

وحاصل مراده: أنّ العدم الأزلي ـ وهو العدم المطلق غير المقيَّد بزمان ولا بحال ـ قد انقطع قطعاً بثبوت الوجوب قبل الزوال. فإذا فُرض انتفاء الوجوب بعد الزوال، فلا يكون هذا العدم اللاحق هو بعينه العدم الأزلي، بل هو عدمٌ مقيَّد بعنوان ما بعد الزوال، والعدم المقيَّد لا يصدق عليه عنوان العدم الأزلي.

وعليه، فالمستصحب بعد الزوال ـ على تقدير الالتزام باستصحاب العدم ـ ليس هو العدم المطلق، بل العدم المقيَّد بما بعد الزوال، أي عدمٌ مسبوق بالوجود. ومن الواضح أنّ هذا العدم لا حالةَ سابقةَ له محفوظة بنحوٍ يمكن التعبّد بها في باب الاستصحاب.

ثمّ قرّر (قده) أنّه لا يمكن تصحيح استصحاب العدم بعد الزوال إلّا على فرضٍ علميٍّ خاص، وهو أن يكون آن الزوال هو زمان الشك، ولم يثبت الوجود فيه أصلًا. إلّا أنّ هذا الفرض خلاف مفروض الكلام؛ لأنّ الفرض أنّ الوجوب قد تحقّق قبل الزوال، فالوجود ثابت ومحرَز.

وأمّا إذا فُرض أنّه في أوّل الزوال يقع الشكّ في بقاء الوجود أو ارتفاعه ـ كما هو مفروض البحث ـ فلا مجال حينئذٍ لاستصحاب العدم؛ لعدم تحقّق حالةٍ سابقة معتبرة له. وعليه، لا يبقى إلّا الرجوع إلى الأصول العمليّة الأُخرى، من البراءة أو الاشتغال، بحسب مورد الشكّ ومقتضى القاعدة.

وبذلك يتّضح أنّ هذا الإشكال ليس منفصلاً عن تحقيقاته السابقة في باب العدم الأزلي، بل هو تطبيق مباشر لمبناه العام في أنّ العدم الأزلي لا يُستصحب بعد انقطاعه بالوجود، وأنّ العدم المسبوق بالوجود لا يصلح لأن يكون موضوعاً للاستصحاب.

ويبقى بعد ذلك مثال الصوم الذي أورده المحقّق النائيني (قده) نقضاً على الفاضل النراقي، وسيأتي تفصيل الكلام فيه وبيان وجه النقض لاحقاً إن شاء الله تعالى.

 

وللكلام بقية…

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - فوائد الأصول، ج٤، تقرير بحثه للكاظمي، ص٤٤٥ وما بعدها.