47/07/23

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ النائيني
ما زال الكلام في ما أفاده المحقّق النائيني (قده) في المقام الثاني، أعني: الزَّمانِيّات، كالتكلّم، والمشي، وسيلان الماء، ونحوها من الأمور التدريجيّة التي حقيقتها التصرم، اي الحدوث والفناء.
وقد قسَّم (قده) هذا المبحث إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ما إذا أُحرِز المقتضي وشُكَّ في الرافع، كما لو علمنا أنّ المتكلّم سيتكلّم خلال ساعة، فكان مقدارُ كلامه معلومًا، ثم شككنا في أنّ عارضًا قد طرأ عليه فقطع كلامه أو لا.
فهنا يكون المقتضي مُحرَزًا، والشكُّ في الرافع، فيتحقّق اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، ولا مانع ـ حينئذٍ ـ من جريان الاستصحاب.
القسمُ الثاني: عدمُ إحرازِ الداعي والمُقتضي، كما لو لم نُحرِز أنّ الخطيب هل
سيتكلَّم ساعةً أو أقلّ، فلا يوجدُ إحرازٌ للمُقتضي، وإنّما المتيقَّن أنّه تكلَّم، ثم نشكّ بعد ذلك في أنّه هل انصرف عن الكلام أم لا.
فبناءً على مبنى الشيخ الأعظم، وكذلك على ما اختاره المُحقّق النائيني (قده) من القول بالتفصيل وعدم جريان الاستصحاب مع الشكّ في المُقتضي، فلا يجري الاستصحاب في المقام؛ لأنّ الشكّ في أصل المُقتضي، ولذا صرّح المُحقّق النائيني — في أجود التقريرات — بأنّ القولَ بجريان الاستصحاب وعدمه في هذا القسم مبنيٌّ على القول باعتبار إحراز المُقتضي في جريان الاستصحاب وعدمه. وقد حكم في الفوائد بجريان الاستصحاب فيه مع قطع النظر عن كون الشكّ فيه شكًّا في المُقتضي.
وأمّا بناءً على ما ذهب إليه الأعلام من القول بجريان الاستصحاب مطلقًا ولو كان الشكّ في المُقتضي، فلا مانع من جريان الاستصحاب في هذا القسم.
ثم إنّ ما أفاده المُحقّق النائيني (قده) في أجود التقريرات من تعليق الحكم بالجريان في هذا القسم وعدمه على القول باعتبار إحراز المُقتضي في جريان الاستصحاب وعدمه، لا يختصّ بالزمانيّات، بل يرجع إلى أصل مبناه في الاستصحاب؛ فإنّه على
هذا المبنى لا يجري الاستصحاب حتّى في الأمور القارّة إذا كان الشكّ في المُقتضي.
القسم الثالث: وهو ما إذا كان الشك لأجل احتمال قيام مقتضي آخر يقتضي بقاء الحكم مع العلم بارتفاع المقتضي الأول للحكم كما لو علمنا أن الخطيب كان يخطب بداعي بيان موضوعٍ أخلاقيّ، ثم بعد إتمام هذا الموضوع والقطع بارتفاعه ، نشكّ في أنّه هل شرع في كلامٍ آخر وموضوعٍ آخر ـ كالبحث العقدي ـ أو لا.
فهنا الذي تيقَّنّا بوجوده قد ارتفع قطعًا، والشكّ إنّما هو في حدوث فردٍ آخر من نفس الطبيعة.
ولأجل ذلك حكم (قده) بعدم جريان الاستصحاب في هذه الصورة؛ لأنّها ترجع إلى استصحاب الكلّي من القسم الثالث، حيث يكون الشكّ شكًّا في الحدوث لا في البقاء.
وهي نظير ما إذا علمنا بوجود الإنسان في ضمن فرده ـ كزيد ـ، ثم قطعنا بخروجه وارتفاعه، واحتملنا وجود إنسانٍ آخر ـ كعمرو ـ، فإنّه لا يجري الاستصحاب؛ لعدم اتّصال الشكّ باليقين في البقاء.
وبذلك يتّضح تقسيم المحقّق النائيني (قده) للزمانيّات، وحدود جريان
الاستصحاب فيها، على نحوٍ منسجمٍ مع مبناه في هذا المقام.
لذلك قال المحقّق النائيني (قده): "وأمّا الوجه الثالث: وهو ما إذا كان الشكّ في بقاء الزماني ـ كالحركة والكلام في الخطبة ـ لأجل احتمال قيام مبدأٍ آخر يقتضي وجوده مقام المبدأ الأوّل الذي عُلِم بارتفاعه، كما إذا شككنا في بقاء التكلّم، أو شككنا في بقاء الماء أو الدم، لأجل احتمال انقداح داعٍ آخر لنفس المتكلّم يقتضي التكلّم بعد القطع بارتفاع الداعي الأوّل… فالأقوى عدم جريان الاستصحاب فيه؛ لأنّه يرجع إلى الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي"([1] ).
ثمّ علَّل ذلك بقوله (قده): "فإنّ وحدةَ الكلامِ عرفًا إنّما تكون بوحدةِ الداعي، فيتعدَّدُ الكلامُ بتعدُّدِ الداعي"، وحينئذٍ يكون الشكّ بعد ارتفاع الداعي الأوّل شكًّا في حدوثِ فردٍ آخر من الكلام، لا شكًّا في بقاءِ الفردِ السابق، فيرجع إلى استصحابِ الكلّي من القسم الثالث، وهو غيرُ جارٍ.
وتوضيحُه: أنّ الكلام ـ بوصفه أمرًا زمانيًّا ـ وجودُه تدريجيّ، وهو دائمُ الدوران بين الوجود والعدم؛ إذ لا يمكن أن يكون تمامُ الكلام حاضرًا دفعةً واحدة، بل كلُّ جزءٍ لاحقٍ يَعدِمُ الجزءَ السابق. ومع ذلك، فإنّ العرف قد يرى مجموعَ هذه الأجزاء كلامًا واحدًا إذا كانت محفوظةً بوحدةٍ معيَّنة.
ومن هنا، التفتَ الأعلام ـ ومنهم الشيخُ الأعظم والمُحقّقُ النائيني ـ إلى أنّ مناطَ هذه الوحدة ليس مجرَّدَ الاتّصال الحسّي، بل وحدةُ الداعي؛ فمتى كان الداعي واحدًا، عُدَّ الكلامُ واحدًا عرفًا، ومتى تبدَّل الداعي، عُدَّ الكلامُ كلامًا آخر.
فلو انقطع الكلام بانقطاعٍ يسيرٍ، كالتنفّس أو السعال، فإنّ العرف لا يرى ذلك قاطعًا لوحدة الكلام، وإن لم يكن تنفّسُه أو سعالُه كلامًا، لأنّ الداعي واحد، والاتّصال محفوظ عرفًا.
وأمّا إذا تكلّم الخطيب، ثم جلس زمانًا معتدًّا به، ثم عاد إلى الكلام، فهنا قد يقع الشكّ في أنّ هذا العود هل هو استمرار لذلك الكلام أو كلامٌ آخر.
إلّا أنّ الشيخ الأعظم والمحقّق النائيني لم يجعلا الميزان مجرّد الفصل الزماني، بل اختلاف الداعي؛ فإن كان العود إلى الكلام بداعٍ آخر، عُدَّ كلامًا آخر عرفًا.
غير أنّ هذا الميزان ـ أعني جعل الداعي ضابطًا للوحدة والتعدّد ـ ليس واضحًا بنحوٍ مطّرد؛ إذ قد يتبدّل الداعي مع بقاء العرف على عدّ الكلام واحدًا. فلو كان الخطيب بصدد بيان موضوعٍ أخلاقيّ، ثم دخل المجلس شخصٌ منحرف في العقيدة، فانتقل الخطيب إلى بيان المسألة العقديّة، مع بقاء جلوسه واستمراره في الخطبة، فهل يرى العرف هذا كلامًا آخر أو استمرارًا لنفس الخطبة؟ فهذا غير واضح.
وكذلك في مثال المشي: من خرج قاصدًا بيته، ثم بدا له في الأثناء أن يذهب إلى السوق، فهل يُعدّ هذا مشيًا آخر عرفًا، أو استمرارًا لنفس المشي؟ الظاهر أنّ العرف لا يرى هذا تعدّدًا في نفس المشي.
ومن هنا يظهر أنّ جعل المدار على مجرّد تبدّل الداعي في الحكم بتعدّد الزماني لا يخلو من إشكال، وأنّ الأَولى ـ بل الأسلم ـ هو إرجاع ضابط الوحدة والتعدّد إلى النظر العرفي؛ فما رآه العرف استمرارًا فهو واحد، وما رآه انفصالًا فهو متعدّد، سواء تبدّل الداعي أم لا. وعلى كلّ حال، فإنّ المحقّق النائيني (قده) في هذا المقام قد تابع الشيخ الأعظم في جعل وحدة الكلام تابعةً لوحدة الداعي، وبنى على أنّه مع احتمال قيام داعٍ آخر بعد القطع بارتفاع الداعي الأوّل، يكون الشكّ شكًّا في حدوث فردٍ جديد من الزماني، فيرجع إلى استصحاب الكلّي من القسم الثالث،
فلا يجري الاستصحاب.
لذلك قال المحقّق النائيني (قده): "فالأقوى عدم جريان الاستصحاب فيه؛ لأنّه يرجع إلى الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، فإنّ وحدة الكلام عرفًا إنّما تكون بوحدة الداعي".
وهذه العبارة ظاهرةٌ في حصر وحدة الكلام عرفًا بوحدة الداعي. إلّا أنّ هذا الحصر غيرُ واضح؛ إذ من الممكن عقلًا وعرفًا أن يختلف الداعي ويتعدّد، مع بقاء الكلام واحدًا بلحاظ الاتّصال والوحدة العرفيّة؛ لأنّ الداعي ليس مأخوذًا في حقيقة الكلام، ولا هو من مقوّماته، بل هو أمرٌ نفسيٌّ خارجٌ عن نفس الفعل الخارجي.
وهنا يحسن استحضار ما تقدّم في أوائل كفاية الأصول في مبحث تمايز العلوم؛ حيث وقع البحث في أنّ العلوم هل تتمايز بتمايز الموضوعات أو بالأغراض. وقد ذهب صاحب الكفاية إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، لكن أُورد عليه بأنّ الغرض أمرٌ خارجٌ عن نفس العلم، والتمييز بالذاتي أولى من التمييز بالعرض، ولأجل ذلك أرجع التمايز في الجملة إلى النظر العرفي.
وبهذا اللحاظ، فإنّ جعل المحقّق النائيني الداعي ـ وهو من سنخ الغرض ـ ميزانًا للوحدة العرفيّة للكلام، محلّ تأمّل؛ لأنّ الداعي أمرٌ نفسيٌّ لا يقع تحت الحسّ ولا يُدرَك عرفًا على نحوٍ مباشر، فكيف يُجعَل هو المناط في تشخيص كون الكلام واحدًا أو متعدّدًا؟ فإذا تكلّم شخصٌ بكلامٍ واحدٍ متّصل، فالعرف من أين يعلم أنّ داعيه قد تبدّل أو لم يتبدّل؟ ثم زاد (قده) في البيان فقال: "فيتعدّد الكلام بتعدّد الداعي".
فهو لم يكتفِ بالحصر الأوّل ـ وهو أنّ وحدة الكلام بوحدة الداعي ـ بل قرّر أيضًا القاعدة المعكوسة، وهي أنّ تعدّد الداعي يستلزم تعدّد الكلام. وهذا الميزان ليس هو ميزانا عقليّا محضا، ولا هو ميزانا شرعيّا، فلا بدّ أن يكون المراد منه ميزانًا عرفيًّا، غير أنّ إحالة هذا التلازم إلى العرف غيرُ واضحة؛ إذ العرف قد يرى الكلام واحدًا مع تبدّل الموضوع أو الغرض، كما في مثال الخطيب الذي ينتقل من الأخلاق إلى العقيدة في أثناء خطبةٍ واحدةٍ متّصلة.
فالحاصل: إنّ ربط وحدة الكلام وتعدّده بالداعي وحده ـ كما هو ظاهر عبارة المحقّق النائيني ـ غيرُ بيّنٍ عرفًا، بل الأقرب أن يكون المدار على الوحدة الاتّصاليّة العرفيّة للكلام، لا على وحدة الداعي أو تعدّده، ولعلّ المحقّق النائيني (قده) له نكتةٌ أدقّ لم تتّضح لنا بتمامها.
ثمّ قال (قده):"فيُشكّ في حدوث فردٍ آخر للكلام مقارنٍ لارتفاع الأوّل عند احتمال قيام داعٍ آخر في النفس بعد القطع بارتفاع ما كان منقدحًا في النفس أوّلًا، فلا يجري فيه الاستصحاب".
ومراده (قده) أنّه مع فرض ارتفاع الداعي الأوّل، واحتمال انقداح داعٍ آخر للكلام، يكون الشكّ شكًّا في حدوث فردٍ جديد من الكلام، لا في بقاء الفرد السابق، فيرجع إلى استصحاب الكلّي من القسم الثالث، وقد تقرّر عدم جريانه.
إلّا أنّ هذا التطبيق غير واضح صغرويًّا كما تقدم، وإن سلّمنا بكبراه؛ فإنّ الكبرى ـ وهي أنّ استصحاب الكلّي من القسم الثالث لا يجري ـ مسلّمة، ولكن الكلام في أنّ المورد هل هو من هذا القبيل أو لا؟
والحاصل: إنّ ما ذكره المحقّق النائيني (قده) وإن كان تامًّا كبرى، إلّا أنّ تطبيقه على هذا المورد ـ وجعله من قبيل استصحاب الكلّي من القسم الثالث ـ غير واضح عرفًا.
وعليه، فالمخرج من هذه العويصة هو إحالة تشخيص الوحدة والتعدّد إلى العرف؛ فإنّ العرف هو الميزان في كون ما صدر كلامًا واحدًا أو كلامين، سواءٌ اتّحد الداعي أم تعدّد. فمتى رأى العرف الاتصال والوحدة، حُكم بكونه كلامًا واحدًا، ومتى رأى الانفصال والتعدّد، حُكم بتعدّده، ولا عبرة حينئذٍ بمجرّد تبدّل الداعي بما هو كذلك.
وبهذا يَتِمّ الكلام في الأمر الزماني.
ثم أنّه بعد الفراغ من ذلك، لا بدّ من التعرّض إلى كلام الفاضل النراقي؛ إذ إنّه قد أسّس في هذا الباب نكتةً خاصّة، لم يقبلها لا الشيخ الأعظم ولا صاحب الكفاية.
فالنراقي يرى أنّه إذا أُخذ الزمان قيدًا في الموضوع ـ كما في وجوب الجلوس إلى الزوال ـ فلا يجري استصحاب الوجود بعد الزوال؛ لأنّ الموضوع قد تبدّل، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في حكم موضوعٍ آخر. نعم، يرى أنّه في هذه الصورة يجري استصحاب العدم الأزلي، فيُحكم بعدم الوجوب بعد الزوال.
وأمّا إذا أُخذ الزمان ظرفًا، فلا مانع من استصحاب الوجود بعد الزوال، ولا يجري حينئذٍ استصحاب العدم، فلا يقع تعارض.
والشيخ الأعظم وافقه في أصل هذا التقريب؛ فقرّر أنّه مع أخذ الزمان قيدًا لا يجري استصحاب الوجود، بل المرجع هو استصحاب العدم الأزلي، ومع أخذه ظرفًا يجري استصحاب الوجود ولا يجري استصحاب العدم، فلا تعارض. وصاحب الكفاية أيضًا بنى في الجملة على هذا المسلك.
وعلى هذا الأساس يُطرح السؤال: ما المراد من العدم الأزلي؟ والمقصود به هو العدم السابق على الوجود، فإنّ كلّ موجود حادث كان قبل حدوثه معدومًا، وهذا العدم السابق على الوجود يُعبَّر عنه بالعدم الأزلي.
غير أنّ المحقّق النائيني (قده) ناقش هذا البناء من أساسه، فأنكر كون العدم الحاصل بعد الزوال من قبيل العدم الأزلي؛ وبيانه: أنّ يوم الخميس ـ مثلًا ـ لم يكن المكلَّف فيه مأمورًا بالجلوس إلى الزوال، فهذا عدمٌ قبل جعل الحكم. ولكن حين تعلّق الأمر بالجلوس إلى الزوال يوم الجمعة، انقلب ذلك العدم إلى وجود، فتحقّق الوجوب إلى الزوال. فإذا انقضى الزوال، فالعدم اللاحق ليس هو ذلك العدم السابق، بل هو عدمٌ طارئ بعد وجود، وليس له حالة سابقة محفوظة.
وعليه، فالعدم بعد الزوال ليس عدمًا أزليًّا بل هو من قبيل العدم المقيد ، ولا
يصلح للاستصحاب؛ إذ ليس له يقينٌ سابق متّصل بالشكّ، فيكون الشك من قبيل الشك في الحدوث ، لا في البقاء ، وقد تقرر عدم جريان الاستصحاب فيه.
فإذا سقط استصحاب العدم الأزلي، ولم يجرِ استصحاب الوجود لفرض كون الزمان قيدًا، لم يبقَ إلا الرجوع إلى سائر الأصول العمليّة، من البراءة أو الاشتغال بحسب مورد الشكّ.
وبذلك يكون هذا المبنى نقضًا على ما أفاده الفاضل النراقي، وعلى ما وافقه عليه الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية في مسألة استصحاب العدم الأزلي.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]