47/07/21

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ النائيني
وصل بنا البحث إلى ما أفاده المحقّق النائيني (قده)، حيث بنى تحقيقه لمسألة استصحاب الزمان على تفصيلٍ دقيقٍ بين مفاد كان التامّة ومفاد كان الناقصة، فجعل المطلب منقسمًا إلى جهتين أساسيتين:
الجهة الأولى: لحاظ الزمان بمفاد (كان التامة) .
الجهة الثانية: لحاظ الزمان بمفاد (كان الناقصة) .
وبيان ذلك: أنّ مفاد (كان التامة) ناظرٌ إلى أصل الوجود في مقابل العدم؛ فقولنا: "كان الليل" معناه: وجد الليل، أي تحقّق هذا العنوان في الخارج بعد أن لم يكن. وكذلك (ليس التامة) مفادها نفي أصل الوجود في مقابل الوجود.
وأمّا مفاد (كان الناقصة) ، فليس ناظرًا إلى أصل الوجود، بل إلى اتّصاف الموجود بوصفٍ من الأوصاف؛ فالموضوع مفروض الوجود، والبحث إنّما هو عن ثبوت وصفٍ له أو عدمه. وكذلك (ليس الناقصة) تنفي الوصف عن الموجود، ولا تنفي أصل وجوده، ولهذا لا تكون في مقابل (كان التامة) .
وعلى هذا الأساس تتشكّل عندنا أربعة مفاهيم:كان التامّة: إثبات أصل الوجود.
ليس التامّة: نفي أصل الوجود.كان الناقصة: إثبات الوصف للموجود.
ليس الناقصة: نفي الوصف عن الموجود.
وبعد هذا التمهيد، ينتقل (قده) إلى تطبيق هذا التفصيل على الزمان بوصفه موردًا للاستصحاب، ويقرّر أنّ البحث ينعقد في مقامين:
المقام الأوّل: استصحاب الزمان بمفاد كان الناقصة والزمان ـ بحسب حقيقته ـ عبارة عن آناتٍ متصرّمة، أي وحدات تدريجيّة يتقوّم وجود كلّ واحدةٍ منها بانعدام ما قبلها وحدوث ما بعدها.
فإذا أُريد إجراء الاستصحاب فيه بمفاد كان الناقصة، فمعناه: أنّ قطعةً معيّنة من الزمان كانت موجودة، والآن نشكّ في بقائها.
لكن هذا المعنى غير متصوَّر في الزمان؛ لأنّ مفاد كان الناقصة يفترض كونًا سابقًا محفوظًا يُشكّ في بقائه، بينما كلّ آنٍ من آنات الزمان حادثٌ مستقلّ لا بقاء له، ولا حالة سابقة له حتّى يُستصحب. فليس هناك وجودٌ محفوظ للزمان بالمعنى القابل للبقاء كي يصدق عليه الشكّ في البقاء.
وعليه، لا مجال لجريان الاستصحاب في الزمان بمفاد كان الناقصة.
المقام الثاني: استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة أمّا إذا لوحظ الزمان بمفاد كان التامّة، فالمفروض أنّنا لا ننظر إلى آنٍ من آناته، بل إلى وحدة زمانيّة معيّنة، كعنوان الليل أو النهار.
فالليل ـ مثلًا ـ يبتدئ من سقوط القرص أو ذهاب الحمرة إلى طلوع الفجر، وهذا المقدار يُعدّ وجودًا واحدًا له بداية ونهاية.
فحين نقول: "كان الليل"، فالمعنى هو: وجد الليل. فإذا شككنا بعد ذلك في بقائه، أمكن أن نسأل: هل الليل ما زال موجودًا أو لا؟ وبذلك يتحقّق اليقين بالوجود والشكّ في البقاء، وهو ركن الاستصحاب.
وعليه، يجري الاستصحاب في الزمان بمفاد كان التامّة.
الغاية من هذا الاستصحاب: غير أنّ النائيني (قده) لا يكتفي بإثبات إمكان هذا الاستصحاب في نفسه، بل يطرح سؤالًا أصوليًّا أدقّ، وهو:
لماذا نُجري استصحاب الليل أو النهار بمفاد كان التامّة؟ والجواب: لأنّ الغرض منه ليس إثبات بقاء الزمان بما هو زمان، بل إحراز وقوع الفعل فيه، كأن يقال: هذا الجلوس هل وقع في النهار أو في الليل؟ فإذا استُصحب وجود النهار أو الليل بمفاد كان التامّة، ترتّب عليه أثره الشرعي، وهو كون الفعل واقعًا في هذا الظرف الزماني.
فإن كان هذا الاستصحاب يُثبت كون الفعل واقعًا في النهار أو الليل، ترتّب الأثر، وإلّا كان لغوًا أصوليًّا.
النتيجة فتحصل ممّا تقدّم:
1- إنّ الاستصحاب في الزمان بمفاد كان الناقصة غير جارٍ؛ لعدم وجود حالة سابقة محفوظة قابلة للبقاء.
2- إنّ الاستصحاب في الزمان بمفاد كان التامّة جارٍ؛ لأنّ الزمان يُلحظ فيه بعنوان وجودٍ واحد كـ"الليل" أو "النهار".
3- لكنّ الجدوى الأصوليّة من هذا الاستصحاب موقوفة على ترتّب أثرٍ شرعيّ عليه، وهو إحراز وقوع الفعل في ذلك الظرف الزماني.
وهذا هو الهيكل التحقيقي الذي أقامه المحقّق النائيني (قده) في مقام تحليل استصحاب الزمان على أساس التفصيل بين كان التامّة وكان الناقصة، وهو تفصيلٌ دقيقٌ موجَّه مباشرةً إلى تشخيص موارد جريان الاستصحاب وعدمها.
لذلك قال المحقّق النائيني (قده)"وينبغي عقد الكلام في مقامين:
المقام الأوّل:الأوّل: الشكّ في وجود الليل والنهار حدوثًا وبقاءً بمفاد كان وليس التامّتين، أي الشكّ في أنّ النهار وُجد أو لم يوجد، أو الشكّ في أنّه ارتفع أو لم يرتف
الثاني: الشكّ في الزمان بمفاد كان وليس الناقصتين، أي الشكّ في أنّ الزمان الحاضر والآن الفعلي هل هو من الليل أو من النهار"([1] ).
وتوضيح مراده (قده) يتوقّف على التفريق بين مفاد كان وليس التامّتين، ومفاد كان وليس الناقصتين.
فإنّ كان التامّة وليس التامّة يكون الملاحظ فيهما هو نفس الوجود والعدم من حيث هما، من دون لحاظ اتّصاف شيء بشيء. فإذا قيل: زيد موجود فالمحمول هو الوجود بما هو وجود، وإذا قيل: زيد ليس موجودًا فالمحمول هو نفي أصل الوجود. فموضوع الحمل في كلا الحالين هو الوجود وعدمه.
وأمّا كان الناقصة وليس الناقصة، فالوجود فيهما مفروغ عنه، وإنّما يكون الحمل بلحاظ اتّصاف الموجود بوصفٍ خاص أو عدم اتّصافه به. فإذا قيل: كان زيد متعلّمًا فوجود زيد مفروض، والحمل إنّما هو لوصف التعلّم. وإذا قيل: ليس زيد متعلّمًا فوجوده أيضاً مفروض، وإنّما المسلوب هو هذا الوصف، وهذا هو ما يعبَّر عنه بالعدم النعتي.
وبتطبيق هذا التفصيل على مسألة الزمان يتّضح مراد النائيني (قده): فإنّ الشكّ تارةً يكون في أصل وجود الليل أو النهار، أو في بقائهما، كما لو سئل: هل وُجد النهار؟ أو هل ارتفع النهار؟ وهذا كلّه يرجع إلى الشكّ في نفس الوجود أو عدمه، فيكون من مفاد كان وليس التامّتين.
وتارةً أخرى يكون الشكّ في الزمان الحاضر مع إحراز وجوده، كما إذا علمنا بوجود هذه الساعة الفعلية، ولكن شككنا في أنّها هل هي من الليل أو من النهار، كما في الساعة الثالثة فجرًا مثلاً. ففي هذا الفرض يكون الزمان موجودًا على كلّ حال، وإنّما الشكّ في اتّصاف هذا الموجود بكونه ليلًا أو نهارًا، وهذا هو بعينه مفاد كان وليس الناقصتين.
وعلى هذا الأساس بنى (قده) تفصيله في جريان الاستصحاب، حيث إنّ اختلاف مفاد الشكّ بين الوجود والعدم المحمولي من جهة، وبين الاتّصاف والعدم النعتي من جهة أخرى، يوجب اختلاف الحكم في إمكان جريان الاستصحاب وعدم إمكانه.
وبعد أن قسَّم المحقّق النائيني (قده) مورد الشكّ إلى مفاد كان وليس التامّتين، ومفاد كان وليس الناقصتين، انتقل إلى بيان الحكم، فقال: "ولا إشكال في عدم جريان الاستصحاب إذا كان الشكّ في الزمان على الوجه الثاني ـ وهو مفاد كان الناقصة ـ فإنّ الزمان الحاضر حدث اما من الليل وأما من النهار فلا يقين بكونه من الليل أو النهار حتى يُستصحب حاله السابق".
وتوضيح ذلك: أنّ الزمان الحاضر إمّا أن يكون من الليل أو من النهار، كما في الساعة الثالثة فجرًا مثلًا، حيث نشكّ في أنّ هذه القطعة الزمنيّة هل هي من الليل أو من النهار. وهذا الشكّ من قبيل مفاد كان الناقصة؛ لأنّ وجود الزمان مفروغ
عنه، وإنّما الشكّ في اتّصافه بكونه ليلًا أو نهارًا.
غير أنّ هذه القطعة الزمنيّة المعيّنة، بما هي هي، ليست لها حالة سابقة حتى يقال: كانت من الليل فشككنا في بقائها، أو كانت من النهار فشككنا في بقائها. إذ الحديث ليس عن الليل أو النهار بما هما ممتدّان، بل عن هذا الآن الفعلي، وهذه القطعة الخاصّة من الزمان، وهي حادثة في نفسها، ولم يكن لها وجود سابق حتى يصدق الشكّ في بقائها.
ومن هنا يكون الاستصحاب في مفاد كان الناقصة خارجًا تخصّصًا عن موضوع الاستصحاب؛ لأنّ ركنه الأساسي ـ وهو الشكّ في البقاء بعد اليقين بالحدوث ـ غير متحقّق. ولهذا قال (قده): "فلا يقين بكونه من الليل أو النهار حتى يُستصحب حاله السابق".
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الاستصحاب وبين سائر الأصول العمليّة، كأصل الطهارة والبراءة والاشتغال والتخيير. فإنّ هذه الأصول لا تتوقّف على لحاظ حالة سابقة، بل مدارها على الشكّ الفعلي في الحكم أو الموضوع. فمثلًا في قاعدة الطهارة، لا نحتاج إلى أن يكون الشيء معلوم الطهارة سابقًا، بل يكفي أن نشكّ الآن في طهارته ونجاسته فنحكم بطهارته، والحالة السابقة ـ وإن كانت موجودة في الواقع ـ ليست منظورة ولا مأخوذة في موضوع الجريان.
أمّا في الاستصحاب، فالحالة السابقة ليست مجرّد أمر واقعي، بل هي مأخوذة بنحو القيديّة في موضوع الأصل، فلا بدّ من لحاظها فعلاً، والشكّ إنّما يكون في بقائها. فإذا لم تكن هناك حالة سابقة أصلًا، أو لم تكن منظورة في مقام الشكّ، كان الاستصحاب قاصرًا عن الجريان.
وبتطبيق ذلك على الزمان بمفاد كان الناقصة يتّضح أنّ هذه القطعة الزمنيّة الحاضرة إمّا لم تأتِ بعد، وإمّا أنّها جاءت ثم انصرمت، وعلى كلا التقديرين لا يوجد شكّ في البقاء، بل إمّا شكّ في الحدوث أو يقين بالعدم، فلا يتحقّق ركن الاستصحاب أصلًا.
وعليه، فالنكتة في عدم جريان الاستصحاب في مفاد كان الناقصة عند المحقّق النائيني (قده) هي عدم وجود
حالة سابقة قابلة للحاظ، والكلام هنا في الزمان نفسه لا في الزماني، ولذلك سدّ (قده) باب إمكان جريان الاستصحاب في هذا الفرض من الأساس.
وأمّا إذا كان الشكّ في الزمان على الوجه الأوّل، أي بمفاد كان التامّة، فقد حكم المحقّق النائيني (قده) بجريان الاستصحاب، فقال:"وإن كان الشكّ فيه على الوجه الأوّل ـ وهو مفاد كان التامّة ـ فالاستصحاب يجري فيه، فإنّ الليل والنهار وإن كانا اسمين لمجموع ما بين الحدّين، فالليل من الغروب إلى الطلوع، والنهار من الطلوع إلى الغروب، فهما عبارة عن مجموع الآنات المتّصلة المتبادلة، ويكون كلّ آنٍ جزءًا من الليل أو النهار لا جزئيًّا".
ومحصل مراده (قده) يتوقّف على التمييز الدقيق بين الجزء والجزئي، وهو تمييز منطقي له أثر مباشر في باب الاستصحاب. فإنّ مقابل الجزء هو الكلّ، وأمّا مقابل الجزئي فهو الكلّي. فالجزء داخل في تكوين الكلّ، أمّا الجزئي فهو فرد من أفراد كلّي.
والنائيني (قده) يرى أنّ الآنات الزمنيّة التي يتألّف منها الليل أو النهار ليست جزئيّات لكليّ اسمه الليل، بل هي أجزاء لشيء واحد وهو نفس الليل. فالليل عنده ليس عنوانًا كليًّا ينطبق على آنات متعدّدة على نحو الأفراد، بل هو وجود واحد ممتدّ من الغروب إلى الفجر، وهذه الدقائق والساعات إنّما هي أجزاء لهذا
الواحد، لا أفراد له.
فالدقيقة الأولى من الليل جزء من هذا الوجود الواحد، والدقيقة الثانية كذلك، وكذلك سائر الآنات، وأمّا نفس الليل فهو هذا المجموع المتّصل من الغروب إلى الطلوع، وهو أمر واحد محفوظ بالوحدة الاتّصاليّة.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين هذا المبنى وبين ما أفاده الشيخ الأعظم (قده) في بداية بحثه؛ فإنّه في أوّل الأمر نظر إلى الآنات على أنّها جزئيّات لكليّ اسمه الليل أو النهار، وبذلك قال: إنّ كلّ جزئي يوجد ثم ينعدم، والجزئي السابق متيقَّن الزوال، واللاحق مشكوك الحدوث، فلا يكون عندنا يقين سابق محفوظ حتى يشكّ في بقائه، بل يكون الشكّ شكًّا في الحدوث، فلا يجري الاستصحاب.
ثمّ عاد الشيخ الأعظم بعد ذلك وقال: لو اعتُبر الليل والنهار مجموعًا واحدًا، أي وجودًا ممتدًّا، أمكن تصحيح جريان الاستصحاب بلحاظ هذا المجموع.
أمّا المحقّق النائيني (قده) فلم يحتج إلى هذا ، بل من الأوّل بنى على أنّ الليل والنهار في مفاد كان التامّة هما وجودان واحدان ممتدّان، وأنّ الآنات إنّما هي أجزاء لذلك الوجود الواحد، لا جزئيّات له. وبما أنّ الكلّ الواحد محفوظ بالوحدة الاتّصاليّة، فيمكن أن يُقال: كان الليل موجودًا، والآن نشكّ في بقائه، فيتحقّق اليقين والشكّ في نفس الموضوع الواحد، فيجري الاستصحاب بلا محذور.
فالنكتة الأساس في تصحيح جريان الاستصحاب عنده هي أنّ الليل والنهار أمران واحدان بالوحدة الاتّصاليّة، وبذلك يتحقّق ركن الاستصحاب بمفاد كان التامّة.
قال (قده):"إلّا أنّ لكلٍّ من الليل والنهار وحدةً عرفيّة محفوظةً بتبادل الآنات وتصرّمها، ويكون وجود الليل والنهار عرفًا بوجود أوّل جزءٍ منهما، ويبقى مستمرًّا إلى آخر جزءٍ منهما".
فمراده (قده) أنّ المدار في إثبات الوحدة ليس على الدقّة العقليّة، بل على الفهم العرفي؛ فإنّ العرف يرى الليل والنهار أمرين واحدين ممتدّين، تحفظ وحدتهما مع تعاقب الآنات وتصرّمها.
ثمّ قال (قده):"فبلحاظ هذه الوحدة الاتّصاليّة العرفيّة التي تكون لليل والنهار يصحّ استصحابهما عند الشكّ في الارتفاع؛ لاتّحاد القضيّة المشكوكة مع القضيّة المتيقّنة".
أي إنّ النكتة في صحّة الاستصحاب هي أنّ القضيّة المتيقّنة، وهي وجود الليل مثلًا، والقضيّة المشكوكة، وهي بقاؤه، تعودان عرفًا إلى موضوع واحد، وهو نفس الليل بوحدته الاتّصاليّة.
غير أنّ هنا نكتة دقيقة، وهي: نحن حين نريد أن نجري الاستصحاب، ماذا نستصحب؟ نستصحب الليل، والليل بحسب هذا البيان أمر واحد يبدأ من الغروب وينتهي إلى الفجر. ولكن متى يصدق عرفًا أنّ الليل قد تحقّق؟ هل يصدق في أثنائه، أو لا يصدق إلّا بعد تمامه؟ فإن قلنا إنّ الليل لا يصدق إلّا بعد انقضائه، كان الموجود في الأثناء مجرّد أجزاء من الليل لا نفس الليل، وحينئذٍ لا يكون لدينا موضوع محفوظ لكي يستصحب، بل غاية ما عندنا هو أجزاء متصرّمة لا يصدق عليها عنوان الليل بما هو كلّ.
وعليه، فاستصحاب نفس الليل لا يعقل إلّا بعد تمامه، وبعد تمامه لا معنى لاستصحابه؛ لأنّه قد انقضى قطعًا. فينتهي الأمر إلى أنّ ما يمكن لحاظه في الأثناء إنّما هو أجزاء الليل، لا نفس الليل، وهذا ـ بحسب الدقّة ـ لا يفي بما نحتاجه في باب الاستصحاب.
إلّا أنّ المحقّق النائيني (قده) يدفع هذا الإشكال بالرجوع إلى العُرف؛ فإنّ العرف يرى أنّ الليل قد تحقّق من حين الغروب، وأنّ هذا الأمر الواحد يستمرّ إلى الفجر، ولا يرى الآنات الطوليّة ـ أي الامتدادات الزمنيّة ـ على نحو ما يرى الأجزاء العرضيّة. فكما أنّ الإنسان في المكان له أجزاء عرضيّة، كالرجل واليد، ولا يقال لمن رأى الرجل إنّه رأى الإنسان، كذلك لا يُقاس الزمان على هذا النحو؛ بل العرف يرى الامتداد الزماني وحدة متحقّقة من أوّل آنٍ له.
فإذا غربت الشمس، قال العرف: هذا ليل، ويبقى هذا العنوان محفوظًا إلى طلوع الفجر، رغم تبدّل الآنات وتصرّمها.
ومن هنا تكون وحدة الليل والنهار وحدةً عرفيّةً محفوظة، وبها يصحّ استصحاب وجود الليل أو النهار عند الشكّ في ارتفاعه.
نعم، يبقى أنّ هذه دعوى العرفيّة تحتاج في أصلها إلى مراجعة الفهم العرفي، ولكن بعد تسليمها لا يبقى إشكال من هذه الجهة في إمكان تصحيح الاستصحاب، وإن كان البحث في مدى ترتّب الأثر الشرعي على هذه الوحدة العرفيّة بحثًا آخر خارجًا عن أصل هذا التقريب.
قال: (قده): "فبلحاظ هذه الوحدة الاتّصاليّة العرفيّة عند الشكّ في الارتفاع؛ لاتّحاد القضيّة المشكوكة مع القضيّة المتيقّنة".
ثمّ أردف قائلاً:"بل ربّما يقال: باتّحاد القضيّتين حقيقةً، لاتّصال آنات الليل، وكذا آنات النهار، وعدم تخلّل العدم بينهما".
وهذه الفقرة الثانية تمثّل بعينها رأي أُستاذه صاحب الكفاية (قده)، حيث ذهب إلى أنّ الأمر التدريجي ـ كالزمان والليل والنهار ـ قوامه الوجود مع التصرّم، وأنّ هذا التصرّم ليس مخلًّا بوحدته الحقيقيّة، بل هو نفس مقوّم وجوده؛ فإنّ الوجود في الأمور التدريجيّة لا ينفكّ عن الزوال والحدوث المتعاقب، وهذا لا يقدح في كونها شيئًا واحدًا حقيقة.
نعم، قد يقع الخلل في الوحدة في بعض الموارد، كما في مثل الكلام أو الخطابة، إذا تخلّل بين الأجزاء عدمٌ يوجب انقطاع الارتباط عرفًا، كما لو خطب الخطيب ثم جلس أو سكت طويلًا ثم عاد فتكلّم؛ فإنّ العرف لا يرى هذا استمرارًا لخطبة واحدة، بل يعدّه خطابًا ثانيًا. فالعبرة في حفظ الوحدة أو نقضها هي النظر العرفي لاالدقّة العقليّة.
ومن هنا، فإنّ المحقّق النائيني (قده) حين قال: "بل ربّما يقال…" لم يكن في مقام التضعيف أو الإشكال، بل كان في مقام نقل رأي أُستاذه صاحب الكفاية، ولهذا لم يُتبع العبارة بما يشعر بالردّ أو التشكيك، بل نقلها تقريرًا، لا مناقشةً.
فحاصل المطلب إلى هنا أنّ الليل والنهار ـ بلحاظ مفاد كان التامّة ـ أمران واحدان ممتدّان بوحدة اتّصاليّة محفوظة، إمّا عرفًا فقط، أو حقيقةً أيضًا على مبنى صاحب الكفاية، وبهذا تصحّ وحدة القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة، فيصحّ جريان الاستصحاب من هذه الجهة.
أمّا بمفاد كان الناقصة، فقد تبيّن أنّ الاستصحاب غير جارٍ لعدم تحقّق الحالة السابقة أصلًا.
ويبقى بعد ذلك سؤال آخر، وهو: لو سلّمنا جريان الاستصحاب بمفاد كان التامّة، فهل يترتّب عليه أثر عملي مفيد في مقام الاستنباط أو لا؟
وهذا ما سيأتي البحث عنه لاحقًا إن شاء الله تعالى .
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]