الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/07/20

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /راي صاحب الكفاية

كان الكلام في الإشكال الذي أورده صاحبُ الكفاية (قده) على نفسه، تمهيدًا للجواب عن دعوى تماميّة ما أفاده الفاضلُ النراقي. وحاصل الدعوى: أنّ الزمان يمكن أن يُؤخذ تارةً على نحو القيديّة بحسب النظر العقليّ الدقيق، وأخرى على نحو الظرفيّة، فعلى تقدير أخذه ظرفًا يُستصحب الثبوت، وعلى تقدير أخذه قيدًا يُستصحب العدم. وبناءً على ذلك، أجرى الفاضلُ النراقي كلا الاستصحابين، فوقع التعارض بينهما، وانتهى إلى تساقطهما.

إلّا أنّ صاحبَ الكفاية (قده) لم يرتضِ هذا المبنى، ورفض ما انتهى إليه النراقي؛ لأنّ الميزان في باب الاستصحاب هو النظر العرفي لا الدقّة العقليّة. فإنّ قوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشك" ناظرٌ إلى النقض بنظر العرف، لا إلى ما تقتضيه التحليلات العقليّة الدقيقة. وعليه، لا يمكن تنزيل الدليل على كلا النظرين معًا، لعدم الجامعيّة بينهما، بل المتعيّن حمله على النظر العرفي خاصّة.

وبهذا البيان، لا يبقى مجال لإجراء استصحاب العدم على أساس القيديّة بالنظر العقليّ، بل المعتبر هو استصحاب الثبوت بحسب الفهم العرفي، فتسقط دعوى الفاضل النراقي، ويكون هذا هو الجواب عمّا عبّر عنه صاحبُ الكفاية بقوله: "لا يُقال".

ويبقى لدى صاحب الكفاية (قده) استدراك ذيله بقوله"فتأمل جيداً"، وحاصله: أنّ خطاب الشارع قد يكون على نحو وحدة المطلوب، وقد يكون على نحو تعدّد المطلوب.

والمقصود بوحدة المطلوب أنّ الشارع يلحظ الموضوع مع القيد شيئًا واحدًا، ويجعل الطلب متعلّقًا بهذا المركّب بما هو كذلك، من دون أن يكون هناك ملاك مستقلّ لنفس الموضوع. وهذا المعنى واضح في المرتكزات العرفيّة؛ إذ إنّ المولى يتصوّر الموضوع أوّلًا، ثم يلحظ قيده، ثم يُنشئ الحكم. فلو قال: "أكرم زيدًا الناجح"، فليس المطلوب إكرام زيد مطلقًا، بل المطلوب إكرام زيد بما هو مقيّد بالنجاح، فيكون المطلوب واحدًا. وأمّا تعدّد المطلوب، فمعناه أنّ هناك ملاكًا لإكرام زيد بما هو زيد، وملاكًا آخر لإكرامه بما هو متّصف بعنوانٍ آخر، ككونه ناجحًا. ففي مثل هذا الفرض يكون هناك مطلوبان، وإن كان في مقام الخطاب الإنشاء واحدًا، والكلام هنا في فرض وحدة الإنشاء لا تعدّده.

وعلى هذا الأساس يمكن تطبيق هذا التقسيم في اللحاظ على مثال الجلوس في المسجد إلى الزوال. فلو قال المولى: "اجلس في المسجد إلى الزوال"، فقد يكون مراده أنّ المطلوب واحد، وهو الجلوس المقيّد بالزوال، بحيث لا يكون للجلوس في المسجد بنفسه أيّ ملاك. وقد يكون مراده تعدّد المطلوب، بمعنى أنّ أصل الجلوس في المسجد مطلوب وله ملاك، غير أنّ الجلوس قبل الزوال له ملاك أقوى.

ومن هنا يُطرح السؤال: إذا أُخذ الزمان قيدًا، فهل يكون المطلوب واحدًا بالضرورة، أو يمكن مع ذلك فرض تعدّد المطلوب؟ وبعبارة أخرى: لدينا تقسيمان؛ تقسيم الزمان إلى كونه مأخوذًا على نحو القيديّة أو الظرفيّة، وتقسيم الخطاب إلى وحدة المطلوب وتعدّده، فهل بين هذين التقسيمين ملازمة أو ارتباط؟

وصاحب الكفاية (قده) ـ كما تقدّم ـ منع من كون الزمان إذا أُخذ ظرفًا للحكم قيدًا للموضوع بنحو يوجب تعدّد الموضوع بعد انقضائه، وقرّر أنّ هذا إنّما يتمّ بالنظر العقليّ الدقيق، أمّا بحسب النظر العرفي فالجلوس يُرى فعلًا واحدًا مستمرًّا.

إلّا أنّ الكلام هنا في أمرٍ آخر، وهو: هل لوحدة المطلوب وتعدّده أثرٌ في باب الاستصحاب، أو أنّ المدار كلّه على القيديّة والظرفيّة؟ فقد كان البحث سابقًا في الفعل القارّ المرتبط بالزمان، أمّا الآن فالبحث في أنّه لو فُرض أخذ الزمان قيدًا، وكان الخطاب على نحو تعدّد المطلوب، فهل يمكن حينئذٍ استصحاب الجلوس بعد الزوال أم لا؟ لتظهر ثمرة هذا التقسيم.

ففي فرض الظرفيّة لا إشكال في جريان الاستصحاب، سواء قيل بوحدة المطلوب أم بتعدّده. أمّا في فرض القيديّة، فهل يؤثّر البناء على تعدّد المطلوب في تصحيح الاستصحاب أو لا؟ هذا هو مورد التأمّل الذي أشار إليه صاحب الكفاية (قده).

ولذلك قال(قده) "ولا شبهة في أنّ الفعل فيما بعد ذاك الوقت ـ أي بعد الزوال ـ مع ما قبله ـ أي قبل الزوال ـ متحد في الأوّل ـ أي فيما إذا أُخذ الزمان على نحو الظرفيّة ـ ومتعدّد في الثاني ـ أي فيما إذا أُخذ على نحو القيديّة ـ بحسبه، ضرورة أنّ الفعل المقيَّد بزمانٍ خاص غير الفعل في زمانٍ آخر، ولو بالنظر المسامحي العرفي"([1] ).

ثمّ استدرك (قده) وقال: "نعم، لا يبعد أن يكون بحسبه ـ أيضًا ـ متحدًا فيما إذا كان الشك في بقاء حكمه من جهة الشك في أنّه بنحو التعدّد المطلبي، وأنّ حكمه بتلك المرتبة التي كان مع ذاك الوقت وإن لم يكن باقيًا بعده قطعًا، إلّا أنّه يُحتمل بقاؤه بما دون تلك المرتبة من مراتبه، فيُستصحب، فتأمّل جيّدًا".

وتوضيح مرامه (قده): أنّه يبتني على مطلبين واضحين:

المطلب الأوّل: أنّ الفعل قبل الزوال غير الفعل بعد الزوال إذا أُخذ الزمان على نحو القيديّة، ولا إشكال في ذلك.

المطلب الثاني: أنّ الفعل قبل الزوال متحد مع الفعل بعد الزوال إذا أُخذ الزمان على نحو الظرفيّة، وهذا أيضًا ممّا لا إشكال فيه.

إلّا أنّه (قده) استدرك بعد ذلك، ووجه الاستدراك أنّه قد يُقال: إنّ الفعل قبل الزوال يمكن أن يُلحظ متحدًا مع الفعل بعد الزوال حتّى مع فرض القيديّة، وذلك فيما إذا كان الشك بلحاظ تعدّد المطلوب، بمعنى احتمال بقاء الحكم بمرتبةٍ أضعف بعد الزوال، وإن لم تبقَ تلك المرتبة القويّة الثابتة قبله. ثمّ عبّر عن هذا الوجه بقوله: "فتأمل جيدا".

غير أنّ هذا الاستدراك محلّ مناقشة؛ فإنّ أخذ الزمان على نحو القيديّة معناه أنّ المطلوب هو الفعل المقيّد بذلك الزمان خاصّة، لا ذات الفعل بلا قيد. فكما أنّ الصلاة المقيّدة بالوضوء هي المطلوبة، ولا يريد المولى الصلاة بلا وضوء أصلًا، كذلك الجلوس المقيّد بما قبل الزوال هو تمام المطلوب، وأمّا الجلوس بعد الزوال فهو موضوع آخر قطعًا، ولا يكون استمرارًا لذات المطلوب السابق.

وعليه، فإدخال عنوان تعدّد المطلوب لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئًا؛ لأنّ القيديّة تقتضي تشخّص الموضوع بالقيد، ومعه يكون ما بعد الزوال غير ما قبله، ولا يصحّ إرجاعه إلى مرتبةٍ أضعف من نفس المطلوب السابق.

وهذا نظير ما تقدّم في بحث استصحاب الكلّي من القسم الثالث؛ حيث إنّ صاحب الكفاية (قده) لم يقبل بجريانه؛ لأنّه يرجع إلى الشكّ في أصل الحدوث لا إلى الشكّ في البقاء. نعم، استثنى (قده) موردًا خاصًّا، وهو ما إذا كان الوجود الثاني مرتبةً أضعف من الوجود الأوّل، كما في الوجوب والاستحباب، أو في السواد الشديد والسواد الضعيف، حيث يكون الجامع محفوظًا عرفًا.

إلّا أنّ المقام ليس من هذا القبيل؛ فإنّ الجلوس بعد الزوال ليس مرتبةً أضعف من الجلوس المقيّد بما قبل الزوال، بل هو فعل آخر في زمانٍ آخر، وموضوع مستقلّ، فيكون الحكم فيه حكمًا جديدًا يحتاج إلى دليلٍ جديد، ومع الشكّ يكون المرجع هو استصحاب العدم، لا استصحاب الثبوت.

ومن هنا، يظهر أنّ هذا الوجه الذي ذكره صاحب الكفاية (قده) بنفسه لم يُحرز تماميّته، ولذلك ذيله بقوله: "فتأمل جيدا"، إشارةً إلى ضعف هذا الاحتمال وعدم البناء عليه. فمتى ما أُخذ الزمان على نحو القيديّة، لا مجال لاستصحاب ما بعده، وإجراؤه حينئذٍ يكون من إسراء الحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وهو قياس لا يقول به هو (قده) ولا غيره.

وبهذا المقدار يتمّ كلامه (قده) في هذا المطلب.

ثم ان من جملة من تعرّض لهذا المطلب المحقّقُ النائيني (قده)، حيث تناول البحث بأسلوبٍ تحليليّ دقيق، فقسّمه أوّلًا إلى قسمين، ثم ألحق بهما ما يشبه الملحق، وتعرّض فيه لكلام الشيخ الأعظم مطوّلًا، إلى أن انتهى إلى مناقشة ما أفاده الفاضل النراقي، فناقشه مناقشةً وافية بما لا مزيد عليها.

وقد ابتدأ (قده) بحثه بتقسيمٍ أساسي، وهو التفريق بين الزمان والزماني، ومن هنا لا بدّ من النظر في كلامه كما ورد في فوائد الأصول لتتّضح نكتة المطلب. قال (قده) "إنّه يصحّ استصحاب الزمان فضلًا عن الزماني"([2] ).

وتوضيح مراده (قده): أنّه خالف الشيخَ الأعظم؛ فإنّ الشيخ الأعظم ذهب في بداية الأمر إلى عدم صحّة استصحاب الزمان ولا الزماني، بدعوى أنّ الزمان يتخلّله العدم، ثم حاول بعد ذلك تصحيح الاستصحاب بوجوهٍ أُخر. وأمّا صاحب الكفاية، فقد بنى من أوّل الأمر على عدم الممانعة من جريان الاستصحاب في الأمور القارّة وغير القارّة على حدٍّ سواء. وأمّا المحقّق النائيني، فقد صرّح ابتداءً بصحّة استصحاب الزمان، فضلًا عن الزماني، وكأنّه أمرٌ مسلَّم لديه.

ثم قال (قده): "وينبغي عقد الكلام في مقامين:المقام الأوّل: الشكّ في وجود الليل

والنهار حدوثًا وبقاءً بمفاد كان وليس التامتين، أي الشكّ في أنّ النهار وجد أو لم

يوجد، أو الشكّ في أنّه ارتفع أو لم يرتف

المقام الثاني: الشكّ في الزمان بمفاد كان وليس الناقصتين، أي الشكّ في أنّ الزمان الحاضر والآن الفعلي هل هو من الليل أو من النهار".

وحاصل كلامه: أنّه في مدخل بحثه فرّق بين الزمان بلحاظ مفاد كان التامّة ومفاد كان الناقصة، وهما معنيان متغايران. فمفاد كان التامّة يرجع إلى أصل الوجود من دون ملاحظة اتّصافٍ أو قيد، كما في قولنا: "وكان الله"، حيث لا تحتاج إلى خبر؛ لأنّ المراد هو أصل الوجود لا الاتّصاف بحالةٍ بعد العدم. وأمّا مفاد كان الناقصة، فهو ناظر إلى موجودٍ مفروغٍ عن أصل وجوده، لحقته صفة أو عنوان، كما في قولنا: "كان زيدٌ مجتهدًا"، حيث يكون أصل الوجود مفروضًا، والشكّ أو الإخبار إنّما هو بلحاظ الوصف.

وهذا التفريق الذي أسّسه المحقّق النائيني (قده)، يترتّب عليه أثرٌ أصوليّ مهمّ في باب الاستصحاب، كما سيتّضح في تتمّة كلامه. وللكلام بقيّة…

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]


[1] - الكفاية في الأصول (ص410).
[2] - في فوائد الأصول، ج٤، تقرير بحثه بقلم الكاظمي، ص٤٣٥.