بحث الأصول الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/20

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الإشکال علی ما أفاده المحقق الخراساني

 

إنّ ما تقدّم إلى هنا في مسألة لزوم الفحص عن المخصّص إنّما كان في فرض احتمال وجود مخصّص غير مقترن بالكلام.

وأمّا في خصوص المخصّص المقترن به ـ وهو المعبّر عنه في كلمات الأُصوليّين بالمخصّص المتّصل ـ فقد أفاد الآخوند: أنّ الظاهر عدم وجوب الفحص والبحث عن المخصّص المتّصل لمجرّد احتمال أنّه كان موجوداً ولم يصل إلينا، بل إنّ حاله كحال احتمال وجود قرينة على المجاز، وقد انعقد اتّفاق كلمات الأُصوليّين على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال من غير فحص.[1]

ولکن أورد السيّد الروحاني إشكالاً على هذه الدعوى وقرّر أنّ موارد الشكّ في القرينة المتّصلة ترجع في مجموعها إلى ثلاث صور:

الأُولی: الشكّ في قرينيّة الموجود بسبب فقدان بعض أجزائه؛ كما لو ضاع قسم من كلمات رسالة كتبت إلى شخص على نحو يحتمل معه أنّ الجزء المفقود كان له تأثير في تغيير ظهور الكلام.

وفي مثل هذه الحالة لا مجال للتمسّك بظاهر الكلام الباقي، بل يجب الاجتناب عن العمل به.

الثانية: الشكّ في قرينيّة الموجود من جهة إجماله؛ وذلك فيما إذا اشتمل الكلام على عبارة مجملة المعنى وكان يحتمل أنّ المتكلّم قد اعتمد عليها في تفهيم مراده لكونها صالحة للقرينيّة.

وحكم هذه الصورة لا يختلف عن الصورة السابقة ولا إشكال فيه.

الثالثة: الشكّ في مراد المتكلّم بأن يحتمل أنّه كان بصدد نصب قرينة إلّا أنّه لم يذكرها لغفلةٍ منه واكتفى بذكر الكلام المجرّد عن القرينة.

وفي هذه الصورة لا مانع من التمسّك بظاهر الكلام ولا يعتنى بمثل هذا الاحتمال، لأنّ الأصل عدم غفلة المتكلّم. كما أنّه لا موضوع للفحص هنا بعد العلم بعدم وجود القرينة.

وعليه فبعد اتّضاح أنّ جميع موارد الشكّ في القرينة المتّصلة منحصرة في هذه الصور الثلاث وأنّ حكم كلّ واحدة منها معلوم، يتبيّن أنّ إنكار لزوم الفحص في فرض احتمال القرينة المتّصلة لا يستند إلى وجه تامّ؛ إذ إمّا أنّ العمل بالعامّ غير جائز من الأساس، وإمّا أنّ الفحص لا معنى له، فلا يبقى مجال للبحث عن لزومه أو عدم لزومه.[2]

غير أنّه يمكن تصوير فرض رابع في باب القرينة المتّصلة، وهو ما إذا لم يكن هناك علم بنقصان الكلام، ولا قرينة مجملة فيه، ولا يحتمل أيضاً غفلة المتكلّم، بل يحتمل أنّ قرينة حاليّة أو مقاليّة كانت موجودة عند إلقاء الكلام من قبل المتكلّم إلّا أنّها لم تصل إلينا، وكانت تلك القرينة کاشفة عن أنّ المراد الجدّي للمتكلّم مغاير لمراده الاستعمالي.

وهذا هو الفرض الذي ترجع إليه دعوى الآخوند وهو محلّ كلامه.

ومع ذلك فإنّ الإشكال الوارد على كلام الآخوند هو أنّ التمسّك بعموم العامّ في هذا الفرض لا يستند إلى عدم لزوم الفحص عن القرينة، بل إلى أنّ الفحص عن القرينة غير معقول أصلاً؛ لأنّ هذا الاحتمال لا يتعلّق بوجود قرينة في أخبار أُخرى ليتصوّر البحث عنها، وإنّما يتعلّق بقرينة كانت موجودة في نفس مجلس الخطاب ثمّ فقدت، ومثل هذه القرينة لا تكون مورداً للفحص.

وبناءً على ذلك، فإنّ وجه التمسّك بالعامّ عند احتمال القرينة المتّصلة إنّما هو بناء العقلاء على الأخذ بأصالة التطابق بين المراد الجدّي والمراد الاستعمالي في أمثال هذه الموارد ولا مانع من جريانها في المقام.

 


[1] كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، ج1، ص227.
[2] منتقى الأصول، الحكيم، السيد عبد الصاحب، ج3، ص370.