بحث الأصول الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/13

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / تفصيل الآخوند في المسألة

 

يفصّل الآخوند في مسألة لزوم الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعام، فيقول: إذا كان العامّ في معرض التخصيص ـ كما هو الحال في العمومات الواردة في الكتاب والسنّة ـ فلا يجوز التمسّك بعمومه قبل الفحص. ووجه ذلك أنّه إن لم يحصل لنا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم الأخذ بالعامّ قبل الفحص في هذه الموارد، فلا أقلّ من الشكّ في الأخذ به قبله، ولا سيّما مع دعوى الإجماع أو عدم الخلاف على عدم جواز الأخذ بالعامّ قبل الفحص عن الخاصّ، وهذا المقدار كافٍ لإثبات عدم الجواز.

وأمّا إذا لم يكن العامّ في معرض التخصيص ـ كما هو الغالب في العمومات الجارية في المحاورات العرفيّة ـ فلا إشكال في استقرار سيرة العقلاء على العمل به من دون فحص عن المخصّص.[1]

وقد قال السيّد الخميني في تبيين مراد صاحب الکفاية: إنّ الشارع المقدّس قد سلك في تشريع الأحكام مسلك العقلاء. فإنّ العمومات والمطلقات في المحاورات الشخصيّة تكون حجّة عند العقلاء من دون فحص عن المخصّص والمقيّد، ولا يعتنى باحتمال وجودهما على نحو الانفصال.

وأمّا في مقام وضع القوانين، فسيرة العقلاء جارية على تبيين العمومات والمطلقات بنحو مستقلّ ثمّ ذكر مخصّصاتها ومقيّداتها تدريجاً وفي مواضع أُخرى. ومن هنا كان الكتاب والسنّة أيضاً كذلك، حيث إنّ عموماتهما ومطلقاتهما تكون دائماً في معرض التخصيص والتقييد.

ثمّ إنّ حجّيّة اللفظ متوقّفة على جريان أصل التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدّي، وهو أصل عقلائي، غير أنّه في مقام التقنين، لا توجد هناك سيرة عقلائيّة علی جريان هذا الأصل من دون الفحص عن المخصّص والمقيّد لما تقدّم بيانه.

وبناءً على ذلك، لا تكون عمومات الأدلّة وإطلاقاتها حجّة ما لم يقع الفحص عن المخصّص.

فالفحص هنا يکون بحثاً عن متمّم الحجّة لا عن مزاحمها؛ لأنّ الفحص مقدّمة لجريان الأصل العقلائي، وبه تكتمل الحجّة.[2]

والحقّ في هذا الاستدلال مع الآخوند والسيّد الخميني، ولازمه ـ كما صرّح به السيّد الخميني ـ أنّه ما لم يقع الفحص عن المخصّص في الأخبار، فلا تكون العمومات الواردة فيها ذات حجّيّة واعتبار.

وبملاحظة ذلك يتّضح الإشكال الوارد على كلام الآخوند والشيخ الأعظم ـ المتقدّم في صدر المسألة ـ القائل بأنّ البحث عن لزوم الفحص عن المخصّص إنّما يكون بعد الفراغ عن حجّيّة العامّ واعتباره.

كما أنّ المحقّق الإصفهاني قد أشكل على كلام الآخوند ـ حيث فرّق بين لزوم الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ وبين لزوم الفحص عن الدليل قبل إجراء الأُصول العمليّة، وادّعی أنّ الفحص عن الخاصّ إنّما هو بحث عمّا يزاحم للحجّة لا عن الحجّة نفسها[3] _ فقال: إنّ التفريق المفترض بين الموردين مبنيّ على توهّم أنّ مقتضي الحجّيّة في باب العامّ تامّ في الجملة، وأنّ البحث إنّما هو عن وجود المانع أو المعارض له، في حين أنّه في باب الأُصول العمليّة لا تكون لتلك الأُصول قبل الفحص أيّ حجّيّة واعتبار.

غير أنّ الإشكال في هذا المدّعى هو أنّ دليل اعتبار الظهور إنّما هو سيرة العقلاء، ومن الواضح أنّ العقلاء لا يمكن أن تكون لهم سيرتان: إحداهما على اعتبار ظهور العامّ، والأُخرى على اعتبار ظهور الخاصّ بحيث تتعارضان؛ بل سيرتهم إمّا أن تكون مطلقة على العمل بظهور العامّ، أو مشروطة بالفحص عن المعارض.[4]

وبعبارة أُخرى: كما أنّ فرض التعارض في الأدلّة العقليّة غير معقول، فكذلك الحال في سيرة العقلاء، ولا يمكن افتراض سيرتين متعارضتين لهم.

فلو كان المدّعى أنّه من دون الفحص عن المخصّص لا توجد سيرة لهم على العمل بالعامّ، وأنّ سيرتهم على العمل به متوقّفة على الفحص عن المخصّص ـ كما ادّعاه الآخوند وسلّمنا بتماميّة دعواه ـ لزم أن يكون العامّ من دون الفحص عن المخصّص فاقداً للحجّيّة والاعتبار.

 


[1] كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، ج1، ص226.
[2] مناهج الوصول، الخميني، السيد روح الله، ج2، ص275.
[3] كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، ج1، ص227.
[4] نهاية الدّراية في شرح الكفاية، الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين، ج2، ص467.