بحث الأصول الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/12

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الإشکال علی مدعی المحقّق الخوئی

 

أورد السيّد الخوئي إشكالاً آخر ـ إضافة إلى الإشكال الذي تقدّم في الجلسة السابقة ـ على مدّعى الميرزا النائيني، وهو أنّ مقدّمات الحكمة إنّما تجري لإثبات ظهور اللفظ المطلق في الإطلاق، فإذا تكلّم المتكلّم في مجلس واحد بكلام مطلق ولم يأت بقرينة متّصلة على خلافه، انعقد الظهور في الإطلاق، ولا يمنع العلم بأنّ طريقته الاعتماد على القرائن المنفصلة من انعقاد هذا الظهور، لأنّ القرينة المنفصلة إنّما تمنع من حجّية الظهور لا من انعقاده. فلا ينبغي أن يكون الفحص عن المخصّص المنفصل لازماً بحسب استدلال الميرزا النائيني.[1]

إلّا أنّ دعواه في خصوص عدم مانعيّة القرائن المنفصلة عن انعقاد ظهور الكلام في الإطلاق غير قابلة للالتزام، وسيأتي توضيح ذلك في بحث المطلق والمقيّد إن شاء الله تعالى.

وعلى فرض تماميّة هذا المدّعى أيضاً، فإنّه لا يرد به إشكال على استدلال الميرزا النائيني؛ لأنّ غاية ما يمكن ادّعاؤه هو أنّ المخصّص المنفصل لا يمنع من انعقاد ظهور العام في العموم؛ وذلك لأنّ مقدّمات الحكمة في مدخول أدوات العموم تامّة، وبناءً عليه تكتسب أدوات العموم ظهوراً في تعميم الحكم بالنسبة إلى مطلق مدخولها. غير أنّ هذا المخصّص لمّا كان موجباً لافتقاد الظهور الإطلاقي للاعتبار، فإنّ ذلك يؤدّي إلى سقوط حجّيّة ظهور العامّ أيضاً، وبالنتيجة لا يجوز التمسّك بالعامّ قبل الفحص عن الخاصّ والاطمئنان إلى اعتبار ظهوره.

وقد استدلّ السيّد الخوئي في أحد وجوه استدلاله على لزوم الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ، بالآيات والأخبار الدالّة على وجوب التعلّم والفحص، وذكر أنّ هذه الآيات والأخبار لا تختصّ بوجوب الفحص قبل العمل بالأُصول العمليّة، بل تعمّ موارد الرجوع إلى الأُصول اللفظيّة أيضاً.[2]

إلّا أنّ الشهيد الصدر أفاد في مقام الإشكال على هذا الاستدلال ما حاصله: أنّ هذه الروايات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما تدلّ على لزوم التفقّه وتعلّم أحكام الشريعة.

غير أنّ هذا اللسان لا يدلّ على عدم حجّيّة العامّ قبل الفحص؛ إذ مفاد هذه الروايات إنّما هو أنّ المكلّف لا يجوز له أن يقعد في بيته ويترك تعلّم الأحكام بالطرق العقلائيّة، كالرجوع إلى الظواهر والعمومات. ولو كان العامّ حجّة قبل الفحص، فإنّ الأخذ به يعدّ بنفسه مصداقاً للتفقّه والتعلّم. وبناءً عليه يكون إثبات وجوب الفحص من خلال هذه الروايات مستلزماً للدور.

الثاني: ما وردت بلسان الذمّ على ترك السؤال.

وهذا اللسان أيضاً كسابقه لا يدلّ على عدم حجّيّة العام قبل الفحص؛ لأنّه مع فرض حجّيّة العامّ في نفسه لا يصدق عنوان ترك السؤال للحصول علی الحجّة.

الثالث: ما وردت بلسان «هلّا تعلّمت».

وهذه الأخبار كذلك لا تدلّ على المدّعى في هذا المقام؛ لأنّ المراد من «التعلّم» فيها هو تحصيل دليل يبيّن الحكم الشرعي الواقعي، والعامّ ـ على فرض حجّيّته ـ يكون دليلاً كذلك.

نعم، في باب الأُصول العمليّة قبل الفحص يمكن الاستدلال بهذه الروايات؛ إذ يمكن هناك الادّعاء بأنّ هذه الأخبار واردة في مقام رفع المعذوريّة عن الشكّ بلا فحص.

وعليه فقياس هذا المقام بباب الأُصول العمليّة في الاستدلال بهذه الروايات غير تامّ.[3]

والإنصاف أنّ ما أفاده الشهيد الصدر في هذا الإشكال هو الصحيح، فإنّ التمسّك بهذه الأخبار لإثبات عدم حجّيّة العامّ قبل الفحص عن الخاصّ متوقّف على عدم حجّيّة العامّ قبل الفحص، فيلزم من الاستدلال بها لإثبات لزوم الفحص عن الخاصّ قبل العمل بالعامّ الدور.

 


[1] محاضرات في أصول الفقه، الفياض، الشيخ محمد إسحاق، ج4، ص424.
[2] محاضرات في أصول الفقه، الفياض، الشيخ محمد إسحاق، ج4، ص427.
[3] بحوث في علم الأصول، الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود، ج3، ص358.