47/08/11
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الإشکال علی مدعیَ الميرزا النائيني و المحقّق العراقي
تمّ بيان إشكال الاستدلال الذي ذكره الميرزا النائيني في عدم انحلال العلم الإجمالي في الجلسة السابقة.
وأمّا المثال الذي ذكره في باب الدين وهو عدم جواز الاقتصار على القدر المتيقّن فيه، لا يرجع سببه إلى عدم انحلال العلم الإجمالي؛ وإلّا لما كان لإمكان أو عدم إمكان الرجوع إلى الدفتر لتعيين مقدار الدين أيّ مدخلية في ذلك، بل حتّى مع فرض فقدان الدفتر وعدم إمكان الرجوع إليه، كان ينبغي له أن يلتزم بعدم انحلال العلم الإجمالي. وإنّما الوجه في عدم جواز الاقتصار على القدر المتيقّن في هذا المثال هو أنّه مع إمكان التعيين التفصيلي للمكلّف به، لا يجوز الاكتفاء بالقدر المتيقّن، بل يجب تحصيل العلم التفصيلي.
وإن كان يمكن في الجواب عن هذه الدعوى أيضاً أن يقال: إنّ عدم إمكان الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع وجود إمكان الامتثال التفصيلي ـ على فرض التسليم به ـ إنّما يختصّ بباب العبادات ومن جهة الإشكال المدّعى من ناحية القصد؛ وأمّا في التوصّليّات فلو أراد الشخص الاحتياط فلا مانع من ذلك أصلاً. كما أنّه بعد انحلال العلم الإجمالي في موارد الأقلّ والأكثر لا يجب تحصيل العلم، لأنّ الفحص عن الموضوع ليس واجباً.
ثمّ إنّ للمحقّق العراقي بياناً آخر في دفع إشكال انحلال العلم الإجمالي بعد الوصول إلى مخصّصات بعض العمومات في ضمن الأدلّة، وخلاصته: أنّه متى ما حصل علم إجمالي بوجود مخصّصات للعمومات الواردة في الشرع، فإنّ هذا العلم الإجمالي لا ينحلّ بالعثور على مخصّصات بعض تلك العمومات، وذلك لأنّ العمومات الباقية كانت ـ قبل حصول العلم التفصيلي بالمخصّصات المذكورة ـ من أطراف العلم الإجمالي، والعلم التفصيلي المتأخّر الذي يحصل بعد تنجّز العلم الإجمالي، لا يكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي السابق. كما لو كان لدينا علم إجمالي بنجاسة محتوى أحد الأواني المتعدّدة ثمّ وقعت نجاسة في أحد تلك الأواني بحيث حصل لنا علم تفصيلي بنجاسة محتواه، فإنّ هذا العلم التفصيلي الجديد لا يوجب انحلال العلم الإجمالي السابق.[1]
والإشكال على كلامه هو أنّ عدم انحلال العلم الإجمالي في فرض تأخّر العلم التفصيلي إنّما يتمّ في مورد تعلّق فيه العلم التفصيلي بعنوان غير العنوان الذي تقع تحته طرفا العلم الإجمالي، كما في المثال المذكور في كلامه حيث تعلّق العلم التفصيلي بنجاسة أحد الإناءين بسبب ملاقاته لنجاسة لم تكن هي السبب في حصول العلم الإجمالي المتقدّم بنجاسة أحدهما.
أمّا إذا تعلّق العلم التفصيلي بنفس العنوان الذي تقع تحته طرفا العلم الإجمالي، ففي هذه الصورة وإن كان حصوله متأخّراً عن العلم الإجمالي، فإنّه يكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي.
مثلاً إذا علمنا إجمالاً بوجود شياه محرّمة في قطيع من الغنم ثمّ حصل لنا العلم بكون بعض معيّن منها محرّماً وصار الشكّ بعد ذلك في وجود شاة محرّمة أُخرى ضمن القطيع شكّاً بدويّاً ، فلا إشكال في جريان البراءة بالنسبة إلى ما بقي من الشياه.
وفي المقام أيضاً وإن كان العلم التفصيلي بالمخصّصات الواردة في الأدلّة الشرعيّة متأخّراً عن العلم الإجمالي بوجود مخصّص للعمومات بينها، إلّا أنّه لمّا كان العلم التفصيلي متعلّقاً بعين العنوان الذي كان العلم الإجمالي ناظراً إليه، فإنّ تأخّر حصوله لا يمنع من كونه موجباً لانحلال العلم الإجمالي.
ثمّ إنّ الميرزا النائيني ذکر في استدلال آخر لوجوب الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعام أنّ حجّيّة العامّ متوقّفة على تماميّة مقدّمات الحكمة، ومع العلم بأنّ طريقة المتكلّم هي بيان مراده الواقعي بواسطة القرائن المنفصلة، لا تتمّ هذه المقدّمات، فلا يكون العامّ حجّة قبل الفحص عن المخصّص. [2]
والإشكال الأساس على هذا الاستدلال هو نفس النكتة المتقدّمة سابقاً وهي أنّ أدوات العموم إنّما تفيد تعميم الحكم على أفراد مدخولها، لا تعميمه على ما أُريد من مدخولها كي نحتاج في الأخذ بالعموم إلى تماميّة مقدّمات الحكمة.
وقد أضاف السيّد الخوئي إلى هذا الإشكال إشكالاً آخر على مدعى الميرزا النائيني سنتعرض لذكره في الجلسة القادمة إن شاء الله.