47/08/08
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الإشکال على مدّعى الميرزا النائيني
طرحنا في الجلسة السابقة الإشكال الوارد على مدّعى الميرزا النائيني.
وقد أجاب الميرزا النائيني عن هذا الإشكال في كلام مطوّل، وخلاصة ما أفاده أنّ العلم الإجمالي بالتكليف المردّد بين الأقلّ والأكثر إنّما ينحلّ إذا لم يكن الأكثر واقعاً تحت عنوان معيّن لم تلحظ فيه الكمّيّة طرفاً للعلم الإجمالي. أمّا إذا تعلّق العلم الإجمالي بشيء بعنوان معيّن، فإنّ تحقّق القدر المتيقّن لا يمنع من تنجّز الأكثر؛ لأنّ أقصى ما يمكن قوله هو أنّ العلم الإجمالي من حيث تعلّقه بأمر مردّد بين الأقلّ والأكثر لا يقتضي تنجّز الأكثر، لكنّ ذلك لا ينافي كون الأكثر من جهة أُخرى ـ أي من جهة تعلّق العلم بشيء له تعيّن وعلامة ـ منجّزاً.
والمعلوم بالإجمال في المقام هو «المخصّص الموجود في المصادر الروائيّة». وبناءً على ذلك فإنّ كلّ رواية تندرج تحت هذا العنوان تكون مشمولة للعلم الإجمالي ويجب الفحص عنها قبل العمل بالعمومات. كما أنّ العلم الإجمالي بالمخصّصات الموجودة في هذه الكتب لا ينحلّ بعد العثور على مقدار منها وقبل الاطمئنان بعدم بقاء مخصّص آخر؛ لأنّ عنوان «المخصّص الموجود في المصادر الروائيّة» عنوان متعيّن ذو علامة قد تعلّق به العلم الإجمالي، فيبقى العلم الإجمالي بالنسبة إلى المقدار الزائد منجّزاً أيضاً.
وهذا نظير ما لو كان مقدار الدين لزيد مضبوط يمكن معرفته تفصيلاً بالرجوع إلى الوثائق، فإنّه لا يمكن الاكتفاء حينئذٍ بمجرّد مراجعة تكشف عن القدر المتيقّن من الدين ثمّ الادّعاء بأنّ العلم الإجمالي قد انحلّ وأنّ المقدار الزائد مشمول للشبهة البدويّة الجارية فيها أصالة البراءة. ومن الواضح أنّ عدم الاكتفاء بالقدر المتيقّن في هذا المثال إنّما هو لأجل العلم باشتغال الذمّة بمجموع ما هو مسجّل في الوثائق، وهذا هو الذي يوجب تنجّز واقع الدين بعنوانه الخاصّ.[1]
غير أنّ الإشكال على كلامه واضح؛ لأنّ عدم انحلال العلم الإجمالي إنّما يكون فيما إذا كان عنوان خاصّ طرفاً للعلم الإجمالي مع عدم لحاظ الكمّيّة فيه، لا في صورة كون العنوان ممّا تعلّق به العلم التفصيلي.
توضيح ذلك: أنّه إذا كان طرف العلم الإجمالي عنواناً تكون النسبة بين أفراده وبين الطرف الآخر نسبة الأقلّ والأكثر ـ كما لو علمنا إجمالاً بأنّه إمّا أنّ يکون كلّ ما يندرج تحت عنوان «الغنم السوداء» مغصوباً، أو أن يکون عدد معيّن من الغنم السوداء مغصوباً ـ ففي هذه الصورة لا ينحلّ العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بأحد طرفيه؛ لأنّ ذلك لا يستلزم خروج العنوان الذي كان طرفاً للعلم الإجمالي عن طرفيّته، ولا يوجب نشوء شبهة بدويّة بالنسبة إليه. والسبب في عدم انحلال العلم الإجمالي هنا هو أنّ النسبة بين طرفي العلم الإجمالي ليست نسبة الكلّ والجزء، بل نسبة الكلّي والفرد، ولا يعدّ الفرد قدراً متيقّناً في هذه النسبة.
أمّا إذا كان كلا طرفي العلم الإجمالي واقعين تحت عنوان واحد، فإنّ ذلك العنوان لا يكون معلوماً بالإجمال، بل معلوماً بالتفصيل، ولا ينافي ذلك كون النسبة بين طرفي العلم الإجمالي نسبة الكلّ والجزء، وبالتالي انحلال العلم الإجمالي.
فمثلاً إذا علمنا إجمالاً بأنّه إمّا أنّ ثلاث شياه معيّنة من قطيع ما مغصوبة محرّمة، أو أنّ خمس شياه معيّنة من القطيع نفسه ـ التي تشمل تلك الثلاث ـ محرّمة، فإنّه وإن كنّا نعلم بوجود عنوان كـ «الشاة المحرّمة في القطيع» يشمل كلا طرفي العلم الإجمالي، إلّا أنّ وجود هذا العنوان لا يمنع من انحلال العلم الإجمالي.
وبناءً على ذلك نقول: إنّ عنوان «المخصّص الموجود في المصادر الروائيّة» في المقام ليس طرفاً للعلم الإجمالي، بل هو عنوان يشمل طرفي العلم الإجمالي وقد تعلّق به العلم التفصيلي؛ بمعنى أنّ المخصّص ـ لأيّ عامّ كان ـ يحمل هذا العنوان، ووجود هذا العنوان معلوم على نحو التفصيل.
بل لو كان مجرّد وجود عنوان شامل لطرفي العلم الإجمالي ومتعلّق بالعلم التفصيلي مستلزماً لعدم انحلال العلم الإجمالي، لما أمكن تصوّر أيّ مورد لانحلال العلم الإجمالي؛ إذ يمكن في جميع الموارد فرض عنوان تندرج تحته أطراف العلم الإجمالي. فمثلاً إذا لم نعلم هل الدين لزيد خمسة دنانير أو عشرة، فإنّ عنوان «ما يدان لزيد» يشمل كلا طرفي العلم الإجمالي ووجوده معلوم تفصيلاً، ومع ذلك لا يمنع من انحلال العلم الإجمالي.