بحث الأصول الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/08/06

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الإشکال علی إستدلال الشيخ

 

استدلّ الشيخ بنفسه على عدم جواز الأخذ بالعامّ قبل الفحص عن الخاصّ، بأنّ احتمال تخصيص العامّ يكون تارة ابتدائيّاً غير مسبوق بعلم إجمالي، وأُخرى ناشئاً من كون العامّ أحد أطراف المعلوم بالإجمال، بل قد تجتمع الجهتان في عامّ واحد، ومن الواضح أنّ ارتفاع الاحتمال من جهة لا يستلزم ارتفاعه من الجهة الأُخرى.

فالعمومات التي بأيدينا اليوم في الأخبار، يحتمل تخصيصها من جهتين:

الأُولی: من جهة العلم الإجمالي بوجود مخصّص لها في الأخبار التي وصلت إلينا، وكذلك في سائر الأدلّة الظنّية بناءً على القول بحجّيّتها.

الثانية: من جهة احتمال ورود تخصيص لها في الواقع وإن لم يصل المخصّص إلينا.

فالاحتمال الثاني ـ أي الاحتمال الابتدائي ـ يدفع بأصل عدم التخصيص ولا معارض له.

أمّا الاحتمال الأوّل فإنّ واقعه يكشف بعد الفحص، ويتبيّن أنّ هذا العامّ إمّا من العمومات المخصّصة أو من غيرها؛ لأنّ المفروض أنّ مخصّصاتها قابلة للوصول.[1]

غير أنّ الإشكال الوارد على هذا البيان هو أنّه يوجد في المقام علمان إجماليّان؛ أحدهما: العلم الإجمالي الصغير المتعلّق بوجود مخصّص لبعض العمومات في الأخبار الواصلة إلينا، والثاني: العلم الإجمالي الكبير الذي مفاده أنّنا نعلم إجمالاً بأنّ للعمومات الواردة مخصّصات في الأخبار، سواء وصلت إلينا تلك الأخبار أم لم تصل. وعلى الرغم من أنّ العلم الإجمالي الصغير ينحلّ بعد الفحص عن المخصّصات في الأخبار الواصلة، إلّا أنّ هذا الانحلال لا يسري إلى العلم الإجمالي الكبير. وبناءً على ذلك فحتّى بعد الفحص في الأخبار الواصلة لا يمكن العمل بعمومات الأدلّة، بل يجب الاحتياط.

فإنّ هذا الإشكال هو بعينه ما ذكره الشيخ نفسه في ردّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالعلم الإجمالي بصدور كثير من الأخبار الموجودة عن الأئمّة(ع)، حيث قال: إنّ وجوب العمل بالأخبار الصادرة إنّما هو لكونها كاشفة عن الأحكام الواقعيّة الإلهيّة، في حين أنّ علمنا الإجمالي لا يقتصر على الأخبار الموجودة، بل نعلم إجمالاً أنّ أحكاماً كثيرة صدرت عن الأئمّة(ع) لم يصل إلينا كثير منها. وبناءً على ذلك فمقتضى حجّيّة هذا العلم الإجمالي هو الاحتياط.

ثمّ في جواب الإشكال القائل بأنّ المعلوم لنا إنّما هو صدور كثير من الأخبار الموجودة عن المعصومين(ع)، أمّا صدور أحكام خارج مضمون هذه الأخبار فليس معلوماً لنا، صرّح بأنّه وإن كان العلم الإجمالي متحقّقاً بالنسبة إلى هذه الروايات الموجودة أيضاً، إلّا أنّه لا ينحصر بها؛ لأنّه إذا نظرنا إلى مجموع الأخبار الموجودة مع سائر الأمارات التي هي مستقلّة عن الخبر ومفيدة للظنّ بصدور الحكم عن الإمام(ع)، حصل لنا أيضاً علم إجمالي بوجود أحكام في هذا المجموع.

ومن هنا يجب الالتزام بوجود علمين إجماليين في المقام، أحدهما: العلم الإجمالي بالنسبة إلى الأخبار الموجودة، والآخر: العلم الإجمالي بالنسبة إلى مجموع الأخبار وسائر الأمارات، ووظيفتنا هي مراعاة العلم الإجمالي الثاني، ولا يكفي الاقتصار على مراعاة العلم الإجمالي الأوّل.[2]

وأمّا الميرزا النائيني الذي ذهب ـ كالشيخ الأعظم ـ إلى لزوم الفحص عن الخاصّ قبل التمسّك بالعامّ على أساس العلم الإجمالي، فقد أجاب عن هذا الإشكال بقوله: كما أنّنا نعلم بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة في الشريعة، نعلم أيضاً أنّ قسماً من هذه الواجبات والمحرّمات قد وردت بحجّة معتبرة في الكتب الروائيّة. والمقدار المعلوم بالعلم الثاني لا يقلّ عن المقدار المعلوم بالعلم الأوّل، فيكون الحاصل علماً بوجود تكاليف قامت عليها حجّة معتبرة في هذه الكتب نفسها. وأمّا ما زاد على هذا المقدار فلا علم تفصيلي لنا به ولا علم إجمالي، بل يكون الشكّ فيه شكّاً بدويّاً.[3]

وبعبارة أخرى: إنّ مدّعاه أنّ العلم الإجمالي الكبير لا يبقى على حجّيّته إلّا إذا بقي بعد انحلال العلم الإجمالي الصغير علم إجمالي بالنسبة إلى الباقي، وإلّا فإنّ انحلال العلم الإجمالي الصغير يؤدّي إلى انحلال العلم الإجمالي الكبير أيضاً.

فمثلاً إذا علمنا إجمالاً أنّ في قطيع من الغنم عدداً من الغنم المحرّمة وعلمنا أيضاً أنّ في قسم معيّن من ذلك القطيع عدداً من الغنم المحرّمة، فإنّ العلم الإجمالي الأوّل لا يبقى إلّا إذا بقي بعد تعيين الغنم المحرّمة في ذلك القسم الخاصّ علم بوجود غنم محرّمة أُخرى في القطيع، وإلّا فإنّ انحلال العلم الإجمالي الثاني يؤدّي إلى انحلال العلم الإجمالي الأوّل أيضاً.

وكذلك في المقام يمكن القول بأنّ العلم الإجمالي بوجود مخصّص للعمومات في مجموع الأخبار الصادرة عن المعصومين(ع)، ينحلّ بعد الوصول إلى المخصّصات الموجودة في الأخبار الواصلة إلينا، ولا يبقى علم بوجود مخصّص للعمومات في الأخبار الباقية.

 


[1] مطارح الأنظار، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص200.
[2] فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص357.
[3] أجود التقريرات، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص482.