47/08/04
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس/ الإشکال علی مدعی صاحب الفصول
قال صاحب الفصول في الاستدلال على لزوم الفحص عن المخصّص قبل الأخذ بالعامّ: إنّ أكثر العمومات التي وصلت إلينا قد خصّصت، ومجرّد عدم وجود المخصّص مع العامّ لا يكفي للاعتماد عليه؛ إذ في هذه الحالة يكون احتمال كون العامّ من العمومات المخصّصة مساوياً لاحتمال كونه من غير المخصّصات، بل قد يكون الاحتمال الأوّل أقوى أحياناً بسبب الغلبة التاريخيّة. ولا يوجد دليل على حجّيّة مثل هذه العمومات على نحو الإطلاق. وعليه فمتی لم يحصل من التتبّع والفحص الظنّ بعدم وجود المخصّص، لا يمكن الاعتماد على العموم.
بل إنّ هذه القاعدة جارية في سائر الأدلّة الظنّية أيضاً؛ سواء كان ظنّيّتها من جهة الصدور أم من جهة الدلالة. وبناء على ذلك نحتاج في جميع هذه الموارد إلى الفحص حتّى يحصل الظنّ بعدم وجود المعارض.[1]
غير أنّ الإشكال على كلام صاحب الفصول هو أنّه في جريان الأُصول اللفظيّة لا يشترط وجود الظنّ بمفادها، بل يكفي مجرّد الشكّ للأخذ بالأُصول اللفظيّة.
کما ردّ الشيخ الأنصاري أيضاً هذا المدّعى بقوله: إنّ النزاع في هذا المقام مبنيّ على الفراغ عن حجّيّة العامّ؛ لأنّ ترك العمل بالدليل بسبب احتمال وجود شيء من سنخ ما ينافي العموم، لا يستلزم نفي أصل حجّيّة الدليل بل يؤكّدها؛ لأنّ ما لا يكون حجّة في نفسه، لا يحتاج في ترك العمل به إلى وجود مانع أو معارض.
وکذلك أجاب عمّن خالف صاحب الفصول وذهب إلی إمكان التمسّك بإطلاق حجّيّة العامّ وعدم تقييده بالفحص عن وجود المخصّص فقال: إنّ حجّيّة العامّ لا إشكال فيها كي نحتاج إلى التمسّك بإطلاق دليل الحجّيّة، وإنّما البحث في وجود المانع من العمل بالعامّ؛ فالقائل بجواز التمسّك يبني قوله على عدم وجود المانع، في حين أنّ القائل بالمنع يرجع هذا المنع إلى وجود المانع. [2]
وقد قبل الآخوند أيضاً مدّعى الشيخ وصرّح بأنّ البحث عن لزوم الفحص عن المخصّص للعمل بالعامّ، إنّما يكون بعد الفراغ عن أصل حجّيّة العامّ ولو في الجملة، أي باعتبار أنّ العامّ بالنسبة إلى المخاطبين مباشرة وغيرهم يفيد ظنّاً نوعيّاً ما لم يحصل العلم بتخصيصه، وعلى هذا الأساس يكون حجّة.[3]
غير أنّ هذا المدّعى يواجه إشكالاً سيأتي بيانه لاحقاً إن شاء الله.
ثمّ إنّ الشيخ الذي يرى أنّ العمل بالأُصول اللفظيّة عند العرف غير متوقّف على الفحص عن القرينة، أثار في هذا المقام إشكالاً فقال: إنّ جواز النزاع في مسألة العامّ والخاصّ يناقض الأصل الذي تقرّر سابقاً، وهو أنّ الأُصول الجارية في باب الألفاظ لم يقع بين العلماء اختلاف في العمل بها من دون فحص عن القرينة.
وأجاب عن هذا الإشكال بقوله: إنّ عدم الخلاف في العمل بالأُصول اللفظيّة إنّما هو مع قطع النظر عن أيّ مانع يمنع من جريانها.[4]
ولكلامه تتمّة نعرضها في الجلسة القادمة إن شاء الله.