47/08/01
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: العام و الخاص / الأمران الرابع و الخامس / الإشکال علی مدعی الشهيد الصدر - لزوم الفحص عن المخصِّص قبل التمسّك بالعامّ
ذهب الشهيد الصدر في المسألة التي طرحناها في الجلسة السابقة إلى التفريق بين القضايا الحقيقيّة والقضايا الخارجيّة وقال: إنّه لا يصحّ التمسّك بـ «أصالة العموم» في القضايا الحقيقيّة لإثبات الخروج الموضوعي للفرد المشكوك؛ لأنّ مفاد كلا الدليلين ينحلّ إلى قضايا شرطيّة؛ فمثلاً قولنا: «أكرم كلّ قرشي» يعني: إذا كان زيد قرشيّاً وجب إكرامه، وقولنا: «لا يجب إكرام زيد» يعني: إنّ زيداً وإن كان قرشيّاً لا يجب إكرامه. ومن الواضح أنّ هذين الدليلين متنافيان، ونتيجة ذلك تخصيص العامّ بالقرشي الذي ليس زيدًا. وعليه فلا يكون لـ «أصالة العموم» دور في نفي التخصيص في هذه الصورة.
وأمّا في القضايا الخارجيّة فلا مانع من التمسّك بالعامّ في فرض الشكّ؛ لأنّ هذه الخطابات تتعرّض للوضع الخارجي وتكون قيود الموضوع فيها محرزة من قبل المتكلّم ولا يوكل إحرازها إلى المكلّف؛ فمثلاً إذا قال المولى: «أكرم كلّ جيراني» ثمّ ورد دليل خاصّ يقول: «لا يجب إكرام زيد»، ففي هذه الصورة يمكن عرفاً كشف أنّ زيداً ليس من جيران المولى.[1]
غير أنّ الإشكال على هذا المدّعى واضح؛ لأنّ المثال الذي ذكره في القضايا الحقيقيّة ـ وهو «لا يجب إكرام زيد» ـ لا يوجب تخصيص «أكرم كلّ قرشي» بنحو قطعي، بل يكون تخصيصه على نحو تقديري؛ أي: إنّه إذا كان «زيد» قرشيّاً فقد خصّص به العامّ. وبناءً على ذلك يكون أصل تحقّق التخصيص في المقام مشكوكاً، والتمسّك بـ «أصالة العموم» إنّما هو لنفي هذا الاحتمال بعينه، وتكون النتيجة أنّ خروج زيد من تحت عموم «أكرم كلّ قرشي» من سنخ التخصّص لا التخصيص.
بل إنّ لازم مدّعاه هو أنّه في القضايا الحقيقيّة عند الشكّ في خروج فرد عن شمول العامّ تخصيصاً أو تخصّصاً، يكون مقتضى القاعدة الحكم بخروجه تخصيصاً، وهو ادّعاء غير مقبول.
كما أنّ ما ذكره في القضايا الخارجيّة غير قابل للالتزام أيضاً؛ لأنّ عدم وجوب إكرام «زيد» کما يمكن أن يكون من جهة أنّ «زيداً» ليس من جيران المولى أصلاً، يمكن أيضاً أن يكون من جهة أنّ المولى ـ وهو المتكفّل بإحراز قيود الموضوع في هذه القضايا ـ لم ير ملاك وجوب الإكرام في «زيد» مع كونه جاراً له، فأخرجه من زمرة الجيران الذين يجب إكرامهم، والعرف في مثل هذه الموارد لا يحكم تعييناً بالفرض الأوّل.
بل لعلّه يمكن الادّعاء بأنّه إذا اجتمع هذان التعبيران، فإنّ العرف يفهم منهما أنّ «زيداً» مع كونه من جيران المولى، لا يجب إكرامه لجهة ما، وأنّ خروجه من تحت شمول الحكم إنّما هو بالتخصيص لا بالتخصّص.
الأمر الخامس: لزوم الفحص عن المخصِّص قبل التمسّك بالعامّ
إذا دلّ دليل على ترتّب حكم على العامّ واحتملنا أنّ ذلك العامّ قد خصّص بدليل منفصل، فهل يجب قبل التمسّك بعموم العامّ أن نفحص أوّلاً عن وجود المخصّص ثمّ بعد نفي احتمال التخصيص نتمسّك بالعامّ، أم أنّ التمسّك بالعموم غير مشروط بمثل هذا الفحص؟
قال أبو حامد الغزالي في هذا المجال: «لا خلاف في أنّه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلّة العشرة التي أوردناها في المخصّصات؛ لأنّ العموم دليل بشرط انتفاء المخصّص، والشرط بعدُ لم يظهر. وكذلك كلّ دليل يمكن أن يعارضه دليل فهو دليل بشرط السلامة عن المعارضة، فلابدّ من معرفة الشرط. وكذلك الجمع بعلّة مخيّلة بين الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق، فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثمّ يحكم بالقياس، وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث.»[2]
كما نقل الشيخ الأنصاري عن العلّامة في النهاية أنّه ادّعى الإجماع على هذا المعنى[3] ، غير أنّه لا يوجد في النهاية ادّعاء إجماع عليه، وإن سلّم فيه بلزوم الفحص قبل التمسّك بالعامّ.[4]
بل صرّح العلّامة في التهذيب بخلاف ذلك حيث قال: «لا يجب في الاستدلال بالعامّ استقصاء البحث في طلب المخصّص، وإلّا لما جاز التمسّك بالحقيقة إلّا بعد الاستقصاء في طلب المجاز.
احتجّ ابن سريج بأنّه على تقدير وجوده لا يصحّ التمسك بالعامّ في جميع موارده، فيكون عدمه شرطاً، والجهل بالشرط يقتضي الجهل بالمشروط.
والجواب: يكفي في العدم الظنّ.» [5]
والمراد من «الظنّ» في عبارته هنا هو الشكّ بعينه.
نعم، نقل صاحب المعالم عن بعض المحقّقين دعوى الإجماع على عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص عن الخاصّ.[6]
ونؤجّل تتمّة البحث إلى الجلسات القادمة إن شاء الله.