48/04/03
الموضوع: - شرطية الفحص في جريان البراءة - العلم الإجمالي - الأصول العملية.
كان الكلام في شرطية الفحص في جريان البراءة وقلنا يقع الكلام تارةً في الشبهة الحكمية وأخرى في الموضوعية، أما بالنسبة إلى الشبهة الحكمية فقد قلنا يقع الكلام فيها تارةً عن البراءة العقلية وأخرى عن البراءة الشرعية، أما العقلية فقد اتفقت الكلمة على عدم جريانها قبل الفحص لوضوح أنَّ العقل إنما يحكم بالبراءة فيما لو تحقق الفحص، وأما البراءة الشرعية فقد يقال إنَّ لسان أدلتهأ أو بعض ألسنة أدلتها مطلق من قبيل حديث الرفع - ( رفع عن أمتي ما لا يعمون ) - وعليه فمن يدّعي شرطية الفحص عليه أن يأتي بدليلٍ على ذلك بعد اطلاق مثل حديث الرفع.
وفي هذا المجال يمكن أن تذكر عدَّة وجوه لإثبات المقيدات والمثبتات للزوم الفحص:-
الوجه الأول:- إنَّ أدلة البراءة ليست تأسيسىة لمطلبٍ على خلاف المرتكزات العقلائية، وهذا إن لم يجزم به فلا أقل من كونه احتمالاً وجيهاً، ومن الواضح أنَّ المرتكزات العقلائية لا تساعد على الحكم بالبراءة قبل الفحص خصوصاً إذا التفتنا إلى أنَّ سيرة المولى لم تنعقد على إيصال الاحكام بيد المكلفين بل انعقدت على جعلها في مضانّ الوصول، وبناء على هذا سوف تصير النتيجة هي لزوم الفحص.
أن قلت:- إنه يمكن أن يحكم الشارع بالبراءة في حدودٍ أكبر من حدود الارتكاز، ومعه لماذا لا يتمسك بالاطلاق؟!!
يعني صحيحٌ أنَّ الارتكاز يقتضي ما ذكر ولكن نقول يمكن للشارع أن يحكم بالبراءة بدرجةٍ أوسع من حدود الارتكاز فلماذا لا نتمسك بدليل البراءة بلا حاجة إلى فحص؟
قلت:- مادام قد فرضنا أنَّ أدلة البراءة هي مضائية فحينئذٍ لا ينعقد لها اطلاق أوسع فإنَّ ذلك خلف كونها امضائية، فنفس افتراض كونها امضائية يستلزم انعقاد الاطلاق لها في حدود الارتكاز لا أوسع من ذلك، وبالتالي سوف تكون البراءة الثابتة هي ثباتة في حدود ما بعد الفحص لا أوسع منه.
على أنه لو تنزلنا وقلنا بانعقاد اطلاق دليل البراءة حتى لحالة ما قبل الفحص ولكن بالامكان أن نقول إنَّ مدك حجية الظهور ليس إلا السيرة العقلائية وهي لا يُجزم بانعقادها على الأخذ بالاطلاق الثابت قبل الفحص.
والفرق بين الجوابين إنه في الجواب الأول ينكر انعقاد الاطلاق رأساً، يعني مادام بَعدُ لم يتم الفحص فدليل البراءة لا اطلاق له، بينما على الجواب الثاني يُسلَّم بانعقاد الاطلاق ولكن يُنكر ثبوت الحجّية له.
إن قلت:- سلمنا أنَّ أدلة البراءة لا تفيد ثبوت البراءة قبل الفحص بل غاية ما يستفاد من أدلتها هو البراءة بعد الفحص ولكن نقول نحن قد فحصنا فلم نجد ما يدل على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية قبل الفحص وإلا لما انتهت النوبة إلى هذا البحث،
فإذاً بناء على هذا تجري البراءة عن وجوب الاحتياط قبل الفحص لأنَّ ذلك يكون اجراءاً لها بعد الفحص، يعني نحن حينما فحصنا ولم نجد دليلاً يقيّد البراءة وجريانها فحينئذٍ بكون التمسك بالبراءة قبل الفحص هو تمسكٌ بها بعد الفحص، لأننا فحصنا ولم نجد دليلاً يقيّد البراءة ببعد الفحص.
قلت:- أن ذلك قابل للمناقشة بأن يقال إن الارتكاز المقيد لحديث الرفع قاض بلزوم الفحص عن كل شبهة شبة بخصوصها وبلحاظ عنوانها الخاص ولا يكفي الفحص عن وجوب الاحتياط في الشبهة بعنوانها الكلي، وعلى هذا الأساس من اللازم الفحص عن كل شبهة بخصوصها.
هذا كله في الوجه الأول على تقييد أدلة البراءة بلزوم الفحص.