الأستاذ الشيخ باقر الايرواني
بحث الأصول

48/04/02

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - شرطية الفحص في جريان البراءة - العلم الإجمالي - الأصول العملية.

 

شرطية الفحص في جريان البراءة:-

والبحث تارةً يقع في الشبهة الحكمية، وأخرى في الشبهة الموضوعية.

أما الشبهة الحكمية:- فالكلام فيها يقع تارةَّ عن البراءة العقلية وأخرى عن البراءة الشرعية.

أما البراءة العقلية:- فقد اتفقت الكلمة على عدم جريانها قبل الفحص؛ لوضوح أن العقل لا يحكم بالبراءة العقلية - أي يحكم بقبح العقاب بلا بيان - إلابعد الفحص، وعليه فالكلام ينحصر في البراءة الشرعيةز

وأما البراءة الشرعية فنقول:- إنَّ لسان دليل البراءة الشرعية أو على الأقل بعض السنة البراءة الشرعية مطلقٌ من قبيل ( رفع عن أمتي ما لا يعملون ) أو ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾، فالبراءة الشرعية باطلاق دليلها وقع الكلام عن شرطية الفحص، وفي هذا المجال يمكن ذكر عدّة وجوه لإثبات وجوب الفحص، وبالتالي تقييد اطلاق لسان دليل البراءة الشرعية:-

الوجه الأول:- إنَّ أدلة البراءة الشرعية ليست تأسيسية، أو بتعبيرٍ آخر إنها ليست على خلاف المرتكزات العقلائية وإنما هي امضاء للمرتكزات العقلائية إما جزما أو على الأقل على مستوى الاحتمال الوجيه، ومن الواضح أنَّ المرتكزات العقلائية لا تساعد على الحكم بالبراءة قبل الفحص، خصوصاً إذا التفتنا إلى أنَّ سيرة الموالي العرفيين لم تنعقد على إيصال الاحكام بيد المكلفين وإنما تجعله في مضان الوصول – كأن تنشر في وسائل الاعلام كالقنوات التلفزيونية أو يعلن عنها في الأماكن العامة أو الصحف- وحينئذٍ على الناس المراجعة لا أنها تبين لكل شخصٍ شخص.

أن قلت:- يمكن أن يحكم الشارع بالبراءة في حدود أوسع مما عليه السيرة العقلائية، وعلى هذا الأساس لماذا لا نتمسك باطلاق لسان الأدلة الشرعية من دون فحصٍ وقبل الفحص، فيمكن أن يكون للشارع سيرة خاصة به؟

قلت:- مادمنا قد فرضنا أنَّ أدلة البراءة الشرعية هي ورادة مورد الامضاء لما عليه العقلاء فلا ينعقد حينئذٍ لها اطلاق أوسع فإنَّ ذلك خلف كونها امضائية لما عليه سيرة العقلاء.

فنفس افتراض كونها واردة مورد الامضاء لما عليه سيرة العقلاء يستلزم انعقاد الاطلاق لها ولكن في حدود المرتكزات العقلائية، يعني أن البراءة الشرعية هي ثابتة في حدود ما بعد الفحص ولا تعم ما قبله؛ لأنَّ ألسنة أدلة البراءة الشرعية مطلقة ولم تقيد بالفحص القبلي إلا أنها حيث وردت كامضاءٍ لما عليه العقلاء فحينئذٍ يلزم أن يكون التمسك بها بعد الفحص فإنَّ العقلاء لا يتمسكون بالبراءة إلا بعد الفحص عن دليل الالزام كما هو واضح

على أنه لو تنزلنا وقلنا بانعقاد الاطلاق لحالة ما قبل الفحص فبالامكان أن نقول إنَّ مدرك حجبة الظهور ليس إلا السيرة العقلائية، وهذه السيرة لا يجزم بانعقادها على الأخذ بالظهور في الاطلاق إلا بعد الفحص.

والفرق بين الجوابين أنه في الجواب الأول ينكر انعقاد الاطلاق رأساً قبل الفحص، وفي الجواب الثاني يُسلَّم بانعقاد الاطلاق ولكنه ينكر ثبوت الحجية له إلا ما بعد الفحص.

إن قلت:- سلمنا أنَّ ادلة البراءة لا تفيد ثبوت البراءة قبل الفحص ولكن نقول نحن قد فحصنا فلم نجد ما يدل على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية قبل الفحص وإلا لما انتهت النوبة إلى هذا البحث، وبناءً عليه تجري البراءة عن وجوب الاحتياط قبل الفحص؛ لأنَّ ذلك اجراءٌ للبراءة بعد الفحص، باعتبار أننا فحصنا عن الادلة فلم نجد دليلاً يقول إنَّ البراءة لا تجري في الشبهات الحكمية إلا بعد الفحص.