47/08/08
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: تفسير القرآن الکريم/ سورة البقرة/ آیة 241-242
﴿وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَی الْمُتَّقینَ﴾[1] ﴿کَذلِکَ یُبَیِّنُ اللهُ لَکُمْ آیاتهِ لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ﴾[2]
يجري الکلام حول تفسير الآيتين، الحادية و الأربعين بعد المائتين و الثانية و الأربعين بعد المائتين من سورة البقرة.
بيان الآية و علاقتها بالآيات السابقة:
يقول الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
في الآيات السابقة طُرح موضوع المهر، و أنّ لكلّ امرأة مهراً يجب أداؤه لها؛ سواء حصل الطلاق أم لم يحصل، فإنّ مهور النساء يجب دفعها.
فإذا أُريد تطليق امرأة لأيّ سبب كان، فينبغي الالتفات إلى أنّ هذه المرأة كانت آمالها معلقةً بزوجها، و الآن قد تضطرب حياتها و تواجه مشكلاتٍ كثيرةً. فبهذا الطلاق لا یکون لها بيت و لا حياة مستقرة؛ فماذا تفعل؟ إنّ أمامها صعوباتٍ كثيرةً.
و من صفات الأزواج المتقين المؤمنين أنّه إذا لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة مع هذه المرأة، فإنهم يفكرون في مستقبلها و ما الذي ستفعله بعد ذلك. فقد انفصلت عنه الآن، و لكن كيف ستسير حياتها فيما بعد؟ و لذلك يوصي الله تعالى بإظهار أنواع من الإحسان و اللطف تجاه هؤلاء النساء المطلقات.
شمولُ الحكمِ لجميعِ المُطلَّقات:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ جمعٌ مُعرَّفٌ بـ«أل»، فهو يشملُ جميعَ المُطلَّقات. و قد قال بعضُهم: المُطلَّقاتُ الرجعيّاتُ أو غيرُ الرجعيّات؛ و لا فرق. فكلُّ مُطلَّقة، سواءٌ كانت بائناً أم رجعيّةً، على أيِّ نحوٍ كانت، إذا طلَّقتم امرأةً فـ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ يُعطى لها شيءٌ.
و المتاعُ يعني هديّةً و إحساناً، على أن يكون ذلك ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ إحساناً مناسباً لهذه المرأة. فإلى جانبِ ما عليكم من واجباتٍ، ليكن لكم معها هذا الإحسانُ على وجهٍ مستقلّ، و تعهَّدوها بالرعاية.
نعم ذلك غيرُ المهر. فالمهرُ واجبٌ، فإن وقع الدخولُ وجب دفعُه كلَّه و إلا فنصفُه؛ غير أن هذا أمرٌ زائدٌ عليه. و هذا موضعُ بحثٍ بين المفسّرين: هل هو واجبٌ أم مستحبٌّ أم فيه رجحان؟ و هو غيرُ المهر، بل شيءٌ زائد علی المهر.
ثم إنّ المطلَّقةَ الرجعيّةَ تبقى الزوجيّةُ قائمةً معها، و يجب الإنفاقُ على المطلَّقة الرجعيّة ما دامت في عدّتِها حتى تنقضي. و قد ورد في الرواية: «المطلَّقة الرجعيّة زوجة»[3] ؛ فَنَفَقَتُها في أيام العدّة واجبة. غير أنّ هذه الآية تشملُ غيرَ ذلك أيضاً، و ليس الأمرُ مقصوراً عليها وحدها.
دراسةُ رأيِ المفسّرين في وجوبِ المتاع أو استحبابه:
﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي أَحسِنوا إليها و أظهِروا لها مودةً، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
قيل: إن في الآية احتمالاً قويّاً، و هو أن تكون شاملةً للنساء اللاتي لم يُعيَّن لهنّ مهرٌ في ضمن العقد ثم طُلِّقن قبل الوقاع. نعم، و هذا يُعَدّ أمراً أخلاقيّاً و عاطفيّاً.
ونقول: إن كلامكم الأول صحيح و قد ذكره بعض المفسّرين، و لكن في نظرنا ليس بصحيح؛ لأنّ مسألة المهر و أنه إمّا أن يُعطى تمام المهر أو نصفه، قد بُحثت في الآيات السابقة. فإذا حُمِل هذا أيضاً على المعنى نفسه لزم تكرارُ المباحث السابقة. و لهذا أشار المفسّرون أنفسهم إلى أنّه لو حُمِل على المهر لكان تكراراً لما تقدّم.
إذن فهذا رجحانٌ غير مسألة المهر؛ أي تُعطى هديةٌ منفصلةٌ غير المهر. و الأحسن في نظرنا أن يقال: إن هذا المتاع لا يختصّ بالواجب؛ أو إن شمله فإنه يشمل الواجب و المستحب معاً. فإعطاء ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أمرٌ راجح.
أمّا المهر فيجب دفعه؛ فإن لم يكن المهر قد عُيِّن وجب مهرُ المثل، إمّا نصف مهر المثل أو تمامه، و قد طُرحت هذه المباحث سابقاً. و أما أن يكون لكم إحسانٌ جديدٌ تجاه هذه المرأة المطلَّقة، فهذا يُستفاد من هذه الآية.
وعليه، ففي نظرنا لا وجه لتخصيص هذه الآية بالنساء اللاتي لم يُعيَّن لهنّ مهر؛ بل تشمل جميع المطلقات، و من الأفضل أن يُظهَر هذا الإحسان لهنّ جميعاً. فإن كان لهنّ واجباتٌ أُدِّيَت واجباتُهنّ؛ فيُعطى مهرُهنّ، نصفُه أو كلُّه. و أما ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو أمرٌ زائدٌ على ذلك.
التأكيدُ على التقوى في أداء هذا الأمر:
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي هو حقٌّ. و ليس الأمرُ بحيث نقول: نؤدّي الواجباتِ فقط؛ بل من الحسن أن تُؤدَّى المستحبّاتُ أيضاً. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ و لم يقل: حقًّا على المكلَّفين، بل قال: على المتقين، فينبغي لأهلِ التقوى و التديّن أن يكون لهم امتيازٌ عن سائر الناس. و أنتم إذا كنتم من أهل العلم، فلابدّ أن تختلفوا عن عامة الناس؛ ليكن إحسانكم إلى الناس أكثر، و مودّتكم للمطلَّقات أوفر، حتى يُقال: ما أرحم هذا العالم و ما أرحم هذا المتّقي.
قد لا يكون هذا الأمرُ واجباً؛ و ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ لعلّه إشارةٌ إلى أنه أمرٌ راجح، لكنه مؤكدٌ جداً في فعله. فهذه المرأةُ الآن مكسورةُ الخاطر؛ قد طُلِّقت و هي في حال الإنكسار. فكلّما استطعتَ أن تُحسن إليها و تواسيها، لئلا تضطرب نفسُها و لا تحزن، فهو عملٌ حسن.
شروط اليوم و مسألة المهور الثقيلة:
بعض الناس يقولون، مازحين أو جادّين، إنّ هذا حكم لم يُعمل به. الآن أصبحت المهور ثقيلةً؛ فإذا أخذت المرأة مهرها، هل يعطيها شيئاً زائداً؟ ربما كان هذا متعلقاً بزمانٍ كانت فيه المهور قليلةً.
هذا موضوع مستقل: هل كان المهر كثيراً أم قليلاً، هل كان كبيراً أم صغيراً. نعم، الآن أصبحت المهور ثقيلةً و يجب دفعها. و لكن في كلّ الأحوال، الحديث عن الأشخاص المتقين الذين ينبغي أن يكون بينهم مودة.
الإهداء و التودد من علامات التقوى. رفع اليد عن المال ليس أمراً سهلاً. من علامات التقوی أن یرفع الإنسان یديه عن ماله و يعطيه للآخرين، و يساعد من يحتاج إلى ذلك؛ و هذا من علامات التقوى.
الآثار الاجتماعية و الأخلاقية للمحبة بعد الطلاق:
النقطة التي تُستفاد من هذه الآية و الآية التي بعدها هي قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ فكل ما يقوله الله إنما هو لمصالحكم.
هذه المرأة قد خرجت من بيتكم، و هي تعرف أسراراً منكم و تعلم بعض نقاط ضعفكم. فإذا أحسنتَ إليها و أظهرتَ لها المودة، فإنها لن تذكر سيئاتك، بل تقول: كان إنساناً طيباً، حفظه الله، و كان كثير المودة. أمّا إذا لم تحسن إليها، فإنّها تبقى متألمةً، و كلّما جلست في مكان أخذت تذكر السوء عنك.
لك مكانة اجتماعية و لأيّ سبب لم تتمكنا من الاستمرار في الحياة الزوجية فإذا تتكلم عنك بالسوء كلّ يوم، كان ذلك ضرراً عليك. أحسن مع العدو و تعامل بالمودّة؛ فذلك قد ينفعك يوماً ما. و هو خير لك في دنياك و آخرتك.
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ هذه آيات الله، و هي تذكيرات يوجهها إليكم لتفهموا مصالحكم.
دور العقل في الهداية:
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يُستفاد من هذه الجملة أنّ العقل وحده لا يجلب لكم السعادة، و لكن التدبر في آيات الله مصحوباً بالتعقل هو الذي يوصلكم إلى السعادة.
قد تقول: إنّ عقلي يكفيني لأن أقوم بهذا العمل؛ لا، فلو لم ينبّهك الله تعالى ربما لم تكن لتقوم به. و لكن عندما يُذكِّرك الله، ثم تتفكر في هذا التذكير، تدرك أنّ هذا التنبيه في مصلحتك.
في كثير من الآيات جاء التعبير ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، و معناه أنّ الله أنزل هذا الكتاب و هذه الآيات، و أرسل الأنبياء لكي تتدبروا، و بواسطة التعقل تصلون إلى سعادة الدنيا و الآخرة.
بالعقل تقبل النبيّ (صلّی الله علیه و آله) و تقبل الإمام و تؤمن بالمعاد و تُقرّ بالجنة و النار. فإذا كان لكم عقل، وصلتم إلى سعادة الدنيا و الآخرة.
الخلاصة:
هذه الآية الشريفة تُبيّن الأصل. و «المتاع» يمكن أن يشمل الواجب و المستحب معاً؛ فقد يكون المتاع واجباً، كنفقه المطلقة الرجعية، و قد يكون المتاع مستحباً، فيشملهما جميعاً.
المهم هو روح الآية: الاهتمام، و المودة و العفو و مراعاة حال المرأة المطلقة، بوصفها علامة على التقوى و العقلانية في ظل الهداية الإلهية.