التفسیر الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/01

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: تفسير القرآن الکريم/سورة البقرة /آیة 240

﴿وَ الَّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْکُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَي الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْکُمْ في‌ ما فَعَلْنَ في‌ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزيزٌ حَکيمٌ﴾[1]

الحديثُ يجري حول تفسير آية مائتين و أربعين من سورة البقرة.

معنى «يُتَوَفَّوْنَ»:

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾؛ أي الذين قاربوا الوفاة. فكلمةُ ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ هنا لا تعني المتوفَّين بالفعل، بل تعني الذين هم على مَشارف الموت.

لماذا نختار هذا المعنى؟

بسبب القرينة الموجودة في الآية نفسِها؛ إذ تنصّ الآية على أنّ هؤلاء الأشخاص «يوصون»، و الوصيةُ إنما تكون في حال حياة الإنسان، و إن كان قريباً من الموت. و بناءً عليه -كما صرّح المفسرون- فإنّ المقصود هم الأشخاص الذين قَرُبت وفاتُهم.

الوصية للأزواج:

﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾؛ أي الذين لهم زوجات؛ سواء كانت زوجةً واحدةً أو اثنتين أو أكثر. ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾؛ و هذا التعبير في الواقع مفعول مطلق، أي: ليوصوا وصيّةً لأزواجهم.

فهؤلاء الرجال الذين شارفوا على الوفاة و لهم زوجاتٌ و أبناء، ينبغي عليهم أن يقدّموا وصيةً لزوجاتهم.

فالمرأةُ التي عاشت معك خمسين أو ستين عاماً و كانت وفيةً في الشدائد و صمدت إلى جانبك، من الجدير أن يتمّ التفكيرُ في مستقبلها.

متاعٌ لمدّة عام:

﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾؛ أي أن تستفيد هذه المرأة من وسائل العيش لمدة عام. المقصود هو الوصية بأن تعيش هذه الزوجة المكرّمة في نفس المنزل لمدة عام على الأقل، و أن يكون المنزل تحت تصرّفها، و أن تستخدم من أموال زوجها استخداماً متعارفاً عليه.

لماذا؟

لأنّه قد يحدث أحياناً أن يقول الأبناء: لِنَبِعِ المنزل و نُقسِّم الميراث، فيُخرجون الأم من المنزل. و تقول الآية: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾؛ أي لا تُخرِجوها من المنزل.

علاقة هذه الحُكم بالإرث و العدّة:

قد يُقال: إنّ الزوجة بحسب فتوى الفقهاء لا ترث من الأعيان، بل ترث قيمة الأعيان فقط، أو أنّ عدّة الوفاة هي أربعة أشهر و عشرة أيام، لا عاماً كاملاً. و في الردّ على ذلك، نقول إنّ هناك وجهتي نظر تفسيريتين:

الوجهة الأولى: النسخ

قال البعض إنّ هذا الحكم كان في بداية الإسلام، ثم نُسِخَ بحكم العدّة و الإرث.

الوجهة الثانية (الأقوى):

هذه الآية تحمل حُكماً استحبابيّاً و أخلاقيّاً، و ليست حُكماً فقهياً إلزامياً. و قضايا العدّة و الإرث هي أحكام واجبة و مستقلة، أمّا هذه الآية فتشير إلى مراعاة احترام المرأة و كرامتها.

فإذا أوصى الرجل بذلك و جعل هذه الوصية من ثلث ماله، وجب العمل بها. وإن لم يوصِ، فإنّ قيام الأبناء بذلك يُعدّ عملاً أخلاقياً و حسناً، و إن لم يكن واجباً.

اختيارُ المرأة بعد الخروج:

﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي إذا أرادت المرأة بإرادتها و اختيارها أن تخرج من البيت و تعيش في مكانٍ آخر أو أن تتزوّج، فلا إثم عليكم. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أي أن تقمنَ بعملٍ عقلانيّ و متعارف و مقبول.

التوصية الأخلاقية في الآية:

تحمل هذه الآية رسالةً مهمّةً جدّاً، و هي أنّ على الرجل أن يفكّر في مستقبل زوجته. فقد يموت الإنسان أو يتعرّض لحادثٍ أو يغادر الدنيا لأيّ سبب، فإذا لم يترك وصيةً فقد تصبح زوجته بلا سند، و قد تُخرَج من بيتها و تواجه مشكلاتٍ ماليّةً، بل و ربما تقع في مفاسد اجتماعية. لذلك يُوصى بكتابة وصيةٍ دقيقة، و أن يوقّع عليها الأبناء و أن يُخصَّص من ثلث المال ما يضمن مستقبل الزوجة. و إذا كانت الوصية ناقصةً، فقد يتذرّع الأبناء بذلك و يؤدّي الأمر أحياناً إلى عدم احترام الأم.

الاهتمام الخاص بالمسائل المالية للنساء:

كثيرٌ من الأضرار و المفاسد الاجتماعية ترجع جذورها إلى الحاجة المالية. و قد يُرى أحياناً أنّ امرأةً متزوّجة تنحرف، لا لشيءٍ إلا بسبب الفقر أو بسبب إهمال الزوج في النفقة. فلا يصحّ أن يُتحدَّث فقط عن الزهد و القناعة و الصبر، مع تجاهل الحاجة الحقيقية للمرأة.

للنساء نفقاتٌ قد يراها بعض الرجال إسرافاً، لكنها في الحقيقة من الحاجات الطبيعية في حياتهنّ. لذلك ينبغي على الرجال أن يولّوا زوجاتهم احتراماً خاصّاً، و أن يعتنوا بهنّ من الناحية المالية، و أن يضمّنوا مستقبلهنّ.

الخلاصة:

تُختَتم الآية الكريمة ببيان الحكمة الإلهية: ﴿وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي إنّ أوامر الله شُرِّعت عن قدرةٍ و بناءً على حكمة. و هذه الآية تتضمّن بُعداً فقهيّاً و بُعداً أخلاقيّاً، كما تحمل رسالةً في بناء الإنسان.


[1] سورة البقرة، آیة 240.