بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/22

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوأمر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ المقّدمات المفوّتة

 

خلاصة الجلسة الماضية:

کان نقاشنا في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلّق» (مثل الحجّ)، و قلنا إنّ القدرة في الواجبات نوعان:

    1. قدرة عقليّة (اكتسابيّة، مثل القدرة على الصلاة بتحصيل المقدّمات).

    2. قدرة شرعيّة (غير اكتسابية، مجرد معيار للوجوب، مثل الاستطاعة المالية للحجّ).

كما تبيّن أنّ وجوب المقدّمات المفوّتة (المقدّمات الضرورية لأداء الواجب) مشروط بنوع القدرة: الفـ) في القدرة العقليّة، تحصيل المقدّمات المفوّتة واجب. بـ) في القدرة الشرعيّة، تحصيل المقدّمات ليس واجباً حتّی یتحقّق الشرط.

تعبير «في الجملة» عند علماء الأصول يشير إلى هذا التفصيل، أي أنّ وجوب المقدّمات المفوِّتة ليس مطلقاً بل مرتبط بنوع القدرة.

کان نقاشنا في علم الأصول حول المقدّمات المفوّتة و علاقتها بأنواع القدرة (الشرعيّة و العقليّة). و برأینا، في كلتا الحالتين- سواء كانت القدرة شرعيّةً كما في الاستطاعة المالية للحجّ التي لا يجب تحصيلها، أو كانت القدرة عقليّةً مثل القدرة على الصلاة عبر تحصيل المقدّمات- یجب إعداد المقدّمات المفوّتة.

وجوبُ المقدّماتِ المفوّتة حتى قبلَ وجوبِ ذي المقدّمةِ

هنا تُطرحُ نقطةٌ مهمّةٌ: حتى إذا لم يجبْ ذو المقدّمةِ (العملُ الرئيسيّ) بعدُ، فإنّ مقدّماتِه المفوّتة واجبةٌ. مثالٌ: لم يَجُبِ الحجّ بعدُ (شهرُ ذو الحجّة لم يأتِ) و حتى الاستطاعة لم تتحقّق بعدُ، و لكنّي أعلم أنّها ستتحقّق؛ أعلم أنّ مبلغاً كثيراً سيصلُ إليّ بعدَ شهرٍ، و ستتحقّقُ الاستطاعةُ. في هذه الحالة، يجب عليّ الآن التسجيلُ و تحضيرُ المقدّماتِ له. لذلك، قبلَ وجوبِ ذي المقدّمةِ، تكونُ المقدّماتُ المفوّتةُ واجبةً. فلا يُقالُ إنّه يجبُ أن يأتي الوجوبُ أوّلاً حتى تصبحَ المقدّماتُ واجبةً؛ بل، حتى فيما إذا لم يأتِ الوجوب و الاستطاعةُ لم تتحقّق بعدُ، و لكن بما أنّي أعلم أنّها ستأتي، يجب عليّ تحضيرُ مقدّماتها.

لذا، يبدو أنّ للمقدّماتِ المفوّتةِ وجوباً و لزوماً عقليّاً، و لا حاجةَ للبحثِ عن وجوبٍ شرعيٍّ لها. فحينما يكون لها لزومٌ، يجبُ القيامُ بها. حفظُ غرضِ المولى واجبٌ؛ و غرضُ المولى هو أن يُؤدّى ذلك الواجبُ، لذلك يجب عليّ إعداد المقدّماتِ المفوّتةِ، رغم أنّ الاستطاعةَ لم تتحقّق بعدُ (سيأتي المال بعد شهرين، و لم يصل بعدُ)، و لكن يجب تحضيرُ المقدّماتِ الآن حتى إذا وصلَ المالُ، إن شاء الله، يُؤدّى العملُ.

إشکال في كلام المحّقق النائیني (رحمه الله)

قد ذكر آیة الله السيد سعيد الحکيم في هذا المجال قولاً جيّداً، حيث بيّن أنَّ المقدّمات المفوّتة هي من أجل حفظ غرض المولى، و هي لازمة عقلاً و لا حاجة إلى جعل شرعي مستقلّ لها.[1]

و برأينا إنّ كلامه صحيح فإذا علمنا أنّ واجباً سيُوجب علينا في المستقبل، يجب علينا تحضير مقدّماته قبل ذلك، و لو لم يأتِ الوجوب بعدُ. لذلك، هذا النقاش حول «ترشّح الوجوب من ذي المقدّمة» ليس من باب علاقة السبب و المسبّب؛ بل المعنى الصحيح هو: يجب علينا القيام بالمقدّمات عقلاً لأجل الوصول إلی ذي المقدّمة. هذا التعبير هو الصحيح لا أن نقول إنّ ذا المقدّمة علّة و المقدّمة معلول؛ لأنّ العلّة لم تأتِ بعدُ و لم تکن موجودةً و لکن يلزم إعداد المقدّمات عقلاً قبل مجيء ذي المقدّمة.

لذلك فقد بيّن آية الله السيّد سعيد الحكيم هذا المعنى جيّداً، و قال: يجب علينا عقلاً تأمين غرض المولى. فإذا دلّ العقل على أنّ هذه المقدّمة إذا لم تُنجَز، فلن تستطيع أداء الواجب في المستقبل، فعليك في هذه الحالة حفظ الماء لتتمكّن من أداء الصلاة في وقتها (إذا انقطع الماء)، و توفير الساتر و تهيئة الأرض المباحة و تحديد القبلة و تعلّم قراءة الصلاة. هذه جميعها مقدّمات مُفوِّتة، أي أنّه إذا لم تُنجَز، فلن يمكنك أداء الصلاة بصورة صحيحة.

المقدّمات المفوّتة موجودة في الحجّ و في جميع الواجبات، حتى لو لم يأتِ الواجب بعدُ، أو لم يحن وقته فيجب القيام بها.

محلّ النقاش هو: «إنّي أعلم أنّه سيأتي الوجوب، لكنّه لم يأتِ بعدُ». أعلم أنّ المال سيصل لاحقاً و سأصبح مستطيعاً، لكنّه لم يصل الآن. فهل يجب عليّ الآن أن أسجّل و أُقدم على ذلك؟ الجواب: نعم؛ لأنّ هذه من المقدّمات المفوّتة.

نعم یمکن أن یقول أحد ليس الأمر بأيدينا لأنّ الموت قد يأتي بغتةً، قلنا: هذا بحثٌ آخر. نحن نفرض هنا اليقين؛ نعلم يقيناً أنّ المال سيصل إلينا بعد شهر. فهل يجب عليّ الآن أن أذهب للتسجيل أم لا؟ الاستطاعة لم تتحقّق بعدُ، و ستتحقّق لاحقاً، لكنّها لم تتحقّق فعلًا الآن. قد أُصابُ بسكتةٍ و أموت؛ لا أعلم ما سيجري لي غداً، لكنّي أعلم أنّ هذا المال سيصل خلال شهر. فهل يجب عليّ الآن أن أُنجز هذه المقدّمات أم لا؟ يقول هؤلاء الأعلام: نعم، هو واجب. واجبٌ أن تُنجز المقدّمات بحسب الظاهر، و إن شاء الله سيصل المال و تتحقّق الاستطاعة، فاذهب و قم بتهيئة مقدّماته.


[1] المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار، الحكيم، السيد محمد سعيد، ج2، ص287.