بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/21

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ المقدّمات المفوّتة

خلاصة الجلسة الماضية: كان النقاش في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلَّق» (كالحجّ)، و قلنا إنّ لتبيين وجوب المقدّمات قبل وقت العمل (كتهيئة شؤون الحجّ) طرقاً نظريّةً متعدّدةً تنتهي إلى نتيجة عمليّة واحدة. و مفتاح البحث هو مفهوم «المقدّمات المفوّتة»، و هي المقدّمات التي يؤدّي تركها إلى استحالة الإتيان بالواجب أو الإتيان به على نحوٍ ناقص. و في تعريف هذه المقدّمات يوجد اتجاهان:

الاتجاه المحدود: و هو حصرها بالمقدّمات التي يجعل فقدانها أصلَ الإتيان بالواجب مستحيلاً.

الاتجاه الواسع: و هو شمولها للمقدّمات التي تجعل الإتيان الكامل و المطلوب بالواجب متعذّراً، كتهيئة الماء للوضوء مع إمكان التيمّم.

و النتيجة أنّ لزوم المقدّمات المفوّتة بالمعنى المحدود أمرٌ قطعيّ، أمّا تشخيص مصاديقها (أيّ الاتجاهين هو الصحيح؟) فيحتاج إلى الاجتهاد و يترتّب عليه سعة التكليف أو ضيقه.

التمهید الثاني: في وجوب المقدمات المفوّتة و عدمه

هنا أقوال:

القول الأوّل: لزوم تحصیل المقدمات المفوتة في الجملة[1]

كان نقاشنا في علم الأصول حول المقدّمات المفوِّتة. إنّ «القدرة» في كلّ واجب شرط، كما أنّ البلوغ شرط و العقل شرط. و هذه القدرة على الإتيان بالواجب تستلزم مقدّماتٍ. مثلاً القدرة على الصلاة تستلزم مقدّماتٍ: يجب أن يكون هناك وضوء أو غسل، و أن يعرف أحكام الصلاة، و أن يتقن القراءة و أن يوفّر الساتر و يعرف القبلة و أن تكون الأرض مباحةً. و من دون هذه المقدّمات لا تتحقّق القدرة على الإتيان بالصلاة تماماً.

التفكيك بين نوعي القدرة: العقليّة و الشرعيّة

القدرة على قسمين:

القدرة العقليّة: و هي القدرة التي يحكم العقل بوجوب تحصيلها من أجل الإتيان بالتكليف. و هذه القدرة اكتسابيّة، و تحتاج إلى مبادرةٍ و فعلٍ من المكلَّف.

مثالها في الصلاة: يحكم العقل بأنّه لأجل الصلاة لا بدّ من توفير الماء للوضوء و تهيئة الساتر و تعلّم الأحكام. فإذا لم تُنجَز هذه المقدّمات لم تتحقّق القدرة العقليّة على الإتيان بالصلاة.

و مثالها في الصوم: إذا قال الطبيب بعد الفحص إنّه یمکنه الصوم مع تناول دواءٍ خاصّ، فإنّ تحصيل ذلك الدواء و العمل بالوصفة يُعدّ من تحصيل القدرة العقليّة على الصوم. أمّا إذا حكم العقل أو الشرع بأنّ الصوم مضرّ بالشخص، فإنّ فقدان القدرة العقليّة يوجب سقوط التكليف.

القدرة الشرعيّة: و هي القدرة التي جعلها الشارع ميزاناً للوجوب، و لا يكون المكلَّف مكلَّفاً بتحصيلها على نحوٍ فعّال، بل مجرّد تحقّقها خارجيّاً يترتّب عليه الوجوب.

مثال في الحجّ: الآية الكريمة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[2] تُبيّن أنّ الاستطاعة (الشاملة للاستطاعة الماليّة) تُعدّ قدرةً شرعيّةً. فالشخص غير ملزم بأن يسعى للحصول على المال لكي يصبح الحجّ واجباً، كأن يطالب دائناً بطريقة قانونيّة أو يقوم بجهد لتحقيق ذلك. فإذا تحقّقت الاستطاعة بنفسها أصبح الحجّ واجباً، و إلّا فلا. بتعبير آخر: إنّ الوجوب في القدرة الشرعيّة، معلّق على تحقّق الشرط، و ليس على بذل الجهد لإيجاد الشرط.

تطبيق على المقدّمات المفوّتة و بيان القاعدة «في الجملة»

بالنظر إلى هذا التفكيك، يمكن تحليل حكم وجوب المقدّمات المفوّتة على النحو التالي:

في الحالات التي تكون فيها القدرة عقليّةً (مثل مقدّمات الصلاة)، تكون المقدّمات المفوّتة واجبةً؛ لأنّ العقل يحكم مستقلّاً بوجوب تحصيل هذه المقدّمات من أجل اكتساب القدرة على أداء التكليف.

في الحالات التي تكون فيها القدرة شرعيّةً (مثل الاستطاعة المالية للحجّ)، لا تكون المقدّمات المفوّتة الخاصّة بتحصيل هذه القدرة واجبةً؛ لأنّ المكلَّف غير موظَّف على إيجاد هذا الشرط بنفسه.

بيان القاعدة الكلّيّة:

ما ذكره علماء الأصول بعبارة «في الجملة» يشير إلى هذا التفصيل: أي إنّ المقدّمات المفوّتة واجب تحصيلها عموماً، لكن هذا الوجوب ليس مطلقاً، بل يقتصر على ما يتعلّق بتحصيل القدرة العقليّة. في حالة القدرة الشرعيّة، لا يلزم تحصيل المقدّمات لوجوب التكليف.

مثال تطبيقي: إذا كان شخص لديه دائن و يعلم أنّه بالمتابعة القانونيّة و استلام ماله يصبح مستطیعاً للحجّ، ليس واجباً عليه القيام بالإجراءات القانونيّة لتحقيق ذلك؛ لأنّ الاستطاعة هنا قدرة شرعيّة، و هو غير مكلّف بتحصيلها. فإذا لم يحصل على المال، لم يصبح مستطيعاً للحجّ، فلا يترتّب وجوب الحجّ عليه.

لكن إذا كان يحتاج الماء للصلاة (قدرة عقليّة)، فیجب عليه توفير الماء.


[1] فوائد الاُصول، الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين، ج1، ص197.
[2] سورة آل عمران، الأية 97.