47/07/20
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر (الواجب المطلق و الواجب المشروط)/ الواجب المعلّق
خلاصة الجلسة الماضية: في الجلسة الماضية، ناقشنا موضوع «الواجب المعلّق» (مثل الحج). قدّمنا نظرية آية الله المكارم، حيث يرى أنّ نظرية الواجب المعلّق (الوجوب الحالي، العمل المستقبلي) ليست ضروريّةً. بدلاً من ذلك، يوضّح وجوب المقدّمات قبل الأوان (مثل التحضير للحج) بنظرية «الوجوب النفسي التهيّئي»: منشأ الوجوب: حكم العقل لحفظ غرض الشارع. نوع الوجوب: مباشر و تمهيديّ (لا ينشأ من وجوب العمل الرئيسي). نطاقه: لا يشمل إلّا المقدّمات الضروريّة و غير القابلة للتعويض (مثل تذكرة الحج، لا الوضوء). علاقته بالعمل الرئيسي: علاقة «الداعي»، ليست علاقةً سببيةً. النتيجة: العقل العرفي يدرك هذا الوجوب بسهولة.
القول الثاني: عدم ترتب الثمرة و الفائدة[1]
کان نقاشنا في علم الأصول، حول الواجب المعلّق و الثمرات المترتّبة علیه.
قال الإمام الخميني (أعلی الله مقامه الشریف) في هذا الصدد: «إنَّ الواجب المـعلّق ممكن الوقوع، لكن بعد ما عرفت إثبات الواجب المشروط و جواز الشرط المتأخّر و عدم ورود الإشكالات عليه، و بعد ما عرفت أنّ وجوب المقدّمات إنّما هو بملاك التوقّف و حكم العقل، لا من باب الملازمة، لا يترتّب على الواجب المعلّق ثمرة و فائدة؛ فإنَّ الداعي إلى الالتزام بالواجب المعلّق إنّما هو لأجل أنَّهم لما رأوا وجوب بعض المقدّمات في الشريعة قبل وجوب ذيها، كغسل الاستحاضة للصوم قبل الفجر في شهر رمضان، و أشكل الأمر عليهم؛ بأنَّه كيف يُمكن وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها؟ التزموا بالواجب المعلّق لدفع الإشكال. لكن لمـّا عرفت أنَّ وجوب المقدّمة المذكورة و نحوها بملاك التوقّف- أي توقف ما سيجب بعد حصول القيد- فلا حاجة إلى الالتزام بالواجب المعلّق».[2]
قال الإمام الخميني (أعلى الله مقامه الشريف): إنّ نظريّة «الوجوب حاليّ و الواجب استقباليّ» أمرٌ ممكن؛ كالحجّ، فإنّ وجوبه فعليّ بتحقّق الاستطاعة حالاً، غير أنّ نفس العمل يكون استقباليّاً في شهر ذي الحجّة. غير أنّه (قدّس سرّه) قد صرّح بأنّه لا يلزم الدخول في المسألة من طريق الواجب المعلّق، بل يمكن حلّها من طريقين آخرين أيضاً:
1. طريق «الواجب المشروط» الذي ذهب إليه الشيخ الأنصاري (أي إنّ الوجوب مطلق، و جميع القيود ترجع إلى مرحلة امتثال الواجب).
2. طريق «الشرط المتأخّر» الذي طرحه المحقّق الخراساني (رحمه الله)؛ كالسلام في الصلاة، فإنّه شرط للصحّة، فإذا أُتي به كشف عن كون الصلاة صحيحةً من أوّلها، و كالغسل الليلي للمستحاضة الذي هو شرط لصحّة الصوم.
و النتيجة من كلام الإمام (رحمه الله): سواء قُبل الواجب المعلّق، أو قيل بالواجب المشروط على رأي الشيخ الأنصاري، أو قُبل الشرط المتأخّر على رأي المحقّق الخراساني (رحمه الله)، ففي جميع الصور تُحلّ مشكلة تبيين وجوب المقدّمات قبل وقت العمل، كإعداد الزاد و الراحلة أو التسجيل في قافلة الحجّ قبل شهر ذي الحجّة. و قد بيّن آية الله مكارم هذا المطلب بالتفصيل أيضاً.
هنا أمور:
الأمر الأول: في فعلیة وجوب المقدمة قبل ذيها (في بیان مناط وجوب المقدمة و هو فعلیة وجوب ذيها) (في المقدمات المفوتة و هي مقدمات الواجب قبل تحقّق زمانه)
النقطة الضروريّة في هذا البحث هي التفكيك بين نوعين من المقدّمات
1. المقدّمات المفوِّتة: و هي المقدّمات التي «لولاها لما كان قادراً عليه»، أي المقدّمات التي إذا لم تُؤدَّ، فلن يكون المكلَّف قادراً أصلاً على الإتيان بالواجب في وقته المقرّر. مثال ذلك: التسجيل في قافلة الحجّ و تهيئة تذكرة السفر؛ فإنّه إذا لم تُنجَز هذه الأمور، يستحيل السفر إلى مكّة في شهر ذي الحجّة. و كذلك في الصلاة: إذا لم يكن له ساتر لا يتمكّن من الصلاة، و إذا لم يكن هناك ماء وجب عليه تحصيله، و يجب عليه تعلّم القبلة، كما يجب عليه تعلّم قراءة الصلاة. و كلّ هذه الأمور يجب معرفتها قبل أذان الظهر: تعليم قراءة الصلاة و الركوع و السجود و شروط الصلاة.[3]
2. المقدّمات غَیر المفوّتة: المقدّمات التي لولاها لأصبح العمل غیر ممکن تماماً.
تطبيق البحث على الصلاة و الإبهام في شمول التعريف
هذا التقسيم جارٍ في سائر الواجبات كالصلاة أيضاً؛ فإنّ للصلاة مقدّماتٍ كتعلم القراءة و تعلّم الركوع و السجود و تهيئة الساتر و معرفة القبلة، و هي أمور يجب توفيرها قبل دخول وقت الصلاة. غير أنّ السؤال الدقيق هنا هو:
ما المراد على وجه التحديد من المقدّمات المفوِّتة؟ و يمكن تصوّر تعريفين لها:
التعريف الأوّل ( تعریف ضيّق): المقدّمات التي يؤدّي عدمها إلى امتناع أصل الإتيان بالواجب رأساً (لولاها لما كان قادراً على الواجب).
التعريف الثاني (تعریف واسع): المقدّمات التي يؤدّي عدمها إلى استحالة الإتيان بالواجب على نحوٍ كاملٍ مع جميع شروطه الأوّليّة و المطلوبة.
مثال تطبيقي: مسألة تهيئة الماء للوضوء قبل الصلاة، مع علم الشخص بانقطاع الماء في وقت الصلاة.
بحسب التعريف الأوّل: لا تكون تهيئة الماء مقدّمةً مُفوِّتةً؛ لأنّه مع عدم الماء يمكنه التيمّم و الإتيان بأصل الصلاة.
و بحسب التعريف الثاني: تكون تهيئة الماء مقدّمةً مُفوِّتةً؛ لأنّه مع عدم الماء لا يمكنه الإتيان بالصلاة مع شروطها الكاملة و الأوّليّة، أي مع الوضوء. و كذلك الحال في مسألة تهيئة الساتر إذا كان الشخص متمكّناً من تحصيله مسبقاً.
الخلاصة
هنا ينبغي التفكيك بين بحثين:
البحث الكلّي في لزوم المقدّمات المفوِّتة: و هو أنّ المقدّمات التي يؤدّي فقدانها إلى امتناع أصل الإتيان بالواجب في وقته، يجب تحصيلها قبل حلول الوقت، و هذا أمرٌ محلّ إجماع و قطعيّ، و لا خلاف فيه في الجملة.
البحث الدقيق في المصاديق و سعة التعريف: و هو أنّه هل يختصّ شمول المقدّمات المفوِّتة بالموارد التي تجعل أصل العمل متعذّراً (التعريف الأوّل)، أو يشمل أيضاً الموارد التي تؤدّي إلى زوال كمال العمل المطلوب (التعريف الثاني)، فهذا بنفسه محلّ بحث و اجتهاد. و من هذا القبيل مثال الماء و الساتر في الصلاة.