بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/08

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (الواجب المطلق و الواجب المشروط) /الواجب المعلّق

 

خلاصة الجلسة السابقة:

في الجلسة السابقة قد جرت مناقشة «الواجب المعلّق» مثل الحجّ. و ذكرنا أنّ الواجب المعلّق (الوجوب الحالي و الواجب الاستقبالي) وضعه صاحب الفصول لتبيين وجوب المقدّمات، مثل مقدّمات الحجّ و الغسل قبل الفجر، قبل أن يحين وقت القيام بالعمل نفسه. و تشير آية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[1] إلى أنّه بمجرد رؤية الهلال في العصر، يتحقّق وجوب الصوم، رغم أنّ وقت أداء الصوم يكون صباح اليوم التالي. و وفقاً لقول آية الله المكارم (حفظه الله)، يمكن إثبات وجوب المقدّمات المفوّتة عن طريق «حكم العقل» أو من خلال مبنى «الواجب المشروط» عند الشيخ الأنصاري، و ليس منحصراً بالاستناد إلى اصطلاح الواجب المعلّق.

تبيين نظريّة «اَلْوُجُوبُ ٱلنَّفْسِيُّ ٱلتَّهَيُّئيُّ» في نقد «الواجب المعلّق» و دراسة دور «الداعي» في المقدّمات المفوّتة

يدور الكلام في مباحث أصول الفقه، حول موضوع «الواجب المعلّق» و الآثار المترتّبة عليه. و الحقيقة في الواجب المعلّق أنّ الوجوب يكون حاليّاً، أمّا زمان أداء الواجب فيكون استقباليّاً. و أوضح مثال على ذلك، الحجّ حيث يتحقّق الوجوب بمجرّد حصول الاستطاعة، و يصبح أداء المقدّمات واجباً، مع أنّ زمان أداء المناسك يكون في شهر ذي الحجّة.

یقول آیةالله المکارم الشيرازي (سَلَّمَهُ ٱللَّهُ تَعَالَىٰ): «منها: أنّ الإجماع قام على وجوب هذه الامور وجوباً نفسياً تهيّئياً، أمّا كونه نفسياً فلعدم إمكان ترشّحه من وجوب ذي المقدّمة بناءً على أنّ المفروض عدم كون ذي المقدّمة واجباً فعلًا، وأمّا كونه تهيئياً فلأنّه وإن لم يترشّح من وجوب ذي المقدّمة ولكن الحكمة فيه هي التهيّؤ لإتيان ذي المقدّمة في زمانه، فلا يتصوّر لتركه عقاب مستقلّ بل حيث إنّ تركه يؤدّي إلى ترك ذي المقدّمة في ظرفه فيكون العقاب مترتّباً على خصوص ترك ذي المقدّمة فحسب. و منها: أن يكون من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، أي يكون إدراك ذي المقدّمة في ظرفه شرطاً متأخّراً لوجوب هذه المقدّمات من الآن، فمثلًا إدراك الحجّ في الموسم شرط متأخّر لوجوب مقدّماته قبل الموسم.و لكن هذا خلاف ظاهر الأدلّة، لأنّ ظاهرها أنّ الشرط المذكور فيها من قبيل الشرط المقارن».[2]

يَرَى سماحة آية الله المكارم الشيرازي (حفظه الله تعالى) أنّه مع وجود الإشكالات و المباحث المطروحة، لا حاجة للإلزام بالواجب المعلّق. فالمسألة الأساسيّة هنا هي تبيين وجوب المقدّمات التي تُؤدَّى قبل أن يحين وقت ذي المقدّمة. بحسب القاعدة، مع وجوب ذي المقدّمة (مثل الصلاة)، تصبح مقدّماته (مثل الوضوء) واجبةً أيضاً؛ إلّا أنّه في الواجبات مثل الحجّ، قبل حلول شهر ذي الحجّة، لم يتحقّق بعدُ وجوب العمل، و مع ذلك يصبح أداء المقدّمات لازماً.

و لحلّ هذه المسألة، وضع (حفظه الله) اصطلاح «الوجوب النفسي التهيّئي». و يسمّى هذا الوجوب «نفسيّاً» لأنّه على خلاف المقدّمات العادية، لم يترشّح عليه الوجوب من وجوب ذي المقدّمة، إذ لم يكن ذو المقدّمة واجباً آنذاك حتّی یترشّح منه الوجوب علی المقدّمة. و يُسمّى «تهيئيّاً»؛ لأنّ الغرض منه هو التهيّؤ و الاستعداد لأداء واجب في المستقبل (مثل الحجّ).

ماهية المقدّمات المفوّتة و ضرورة أدائها عقليّاً

بعض المقدّمات تكون بحيث أنّه إذا لم تُؤدَّ في وقتها، يؤدّي ذلك إلى فوت الواجب في زمنه، و يُطلَق عليها «المقدّمات المفوّتة». و من الأمثلة على ذلك: التسجيل في قافلة الحجّ، تحضير التذاكر و الزاد و الراحلة للسفر، و التي يجب القيام بها قبل أشهر من الموسم.

منشأ وجوب هذه المقدّمات هو حكم العقل، و بمقتضى حكم العقل القطعي، يجب أداء المقدّمات المفوّتة؛ لأنّ تركها يمنع المكلَّف من أداء الواجب الرئيسي في وقته. و بذلك، يقتضي حفظ أغراض المولى أن تكون هذه المقدّمات واجبةً.

يمکن أن يُقال إنّ الفرق بين هذا المبنی و «الواجب المعلّق» عند صاحب الفصول هو مجرّد اختلاف لفظي. و الجواب أنّه بالرغم من وجود تشابهات في المعنى، إلّا أنّ مبنی آية الله المكارم (حفظه الله) يقوم على أنّه لا حاجة لتعقيدات الواجب المعلّق، و أنّ مجرد الضرورة للتهيؤ (التهيئي) لأداء الواجب الاستقبالي، يكفي.

و يجب التنبيه علی أنّ هذا الحكم لا يشمل جميع المقدّمات؛ فمثلًا الغسل أو الوضوء قبل أذان الظهر ليس واجباً، لأنّها لا تُعدّ من المقدّمات المفوّتة، و تركها قبل الوقت لا يؤدّي إلى فوت الواجب.

تحلیل «الشَرْطِ المتأَخِّر» و الفهم العرفي في لزوم المقدّمات

«منها: أن يكون من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، أي يكون إدراك ذي المقدّمة في ظرفه شرطاً متأخّراً لوجوب هذه المقدّمات من الآن، فمثلًا إدراك الحجّ في الموسم شرط متأخّر لوجوب مقدّماته قبل الموسم».[3]

یقول آيةالله المکارم الشيرازي (دامت برکاته) في تحليل هذه المسألة: إنّ نظريّة «الواجب المشروط بشرط متأخّر» هي نظرية قابلة للتأمل و القبول، ويمكن لكم استعمال هذا التعبير. و أوضح مثال لها هو مسألة «الغسل الليليّ للمستحاضة»، التي يُطلق عليها «الشرط المتأخّر». ففي هذا المثال، تقوم المرأة المستحاضة بالغسل بعد الإفطار و انقضاء يوم الصوم، و صحّة صومها مشروطة بتحقّق هذا الغسل في المستقبل (بعد وقوع العمل)، و هذا هو معنى «الشرط المتأخّر».

و على هذا القياس، في مسألة وجوب مقدّمات الحجّ، يمكن القول إنّ أداء هذه المقدّمات (مثل تحضير الزاد و الراحلة، و تعلّم مناسك الحجّ) واجب، إلّا أنّه واجب كمقدّمة، بشرط تحقّق ذي المقدّمة، أي أداء الحجّ نفسه في شهر ذي الحجّة. فعندما يحين شهر ذي الحجّة و يتمّ ذو المقدّمة، يُكشف أنّ هذه المقدّمات كانت واجبةً منذ البداية. أمّا إذا لم يأتِ شهر ذي الحجّة و توفّي الشخص قبل ذلك، فيُكشف أنّ هذه المقدّمات لم تكن واجبةً. و هذه البنية أيضاً تُعدّ من مصاديق «الشرط المتأخّر».

نقد آيةالله المکارم (حفظه الله) علی انطباق الشرط المتأخر علی ظاهر الأدلّة

«و لكن هذا خلاف ظاهر الأدلّة، لأنّ ظاهرها أنّ الشرط المذكور فيها من قبيل الشرط المقارن. و منها: أنّ حفظ أغراض المولى يقتضي عقلًا وجوب إتيان المقدّمات المزبورة قبل حلول زمان الواجب عند الشارع، أي العقل يكشف عن وجوبها شرعاً، فإذا علمنا أنّ غرض الشارع تعلّق بالحجّ مثلاً على أيّ حال: و أنّه لا يرضى بتركه (كما أنّه كذلك بالنسبة إلى مثل الحجّ) فلا مانع من إيجاب الشارع تحصيل المقدّمات قبل الموسم من باب أنّ انتظاره إلى أيّام الحجّ يساوق تعطيل الحجّ غالباً، بل هو نقض للغرض، وهو قبيح على المولى الحكيم. و بالجملة هناك قرينة عقليّة على وجوب المقدّمات التي يوجب تركها تفويت غرض المولى ومصلحة الواجب».[4]

ثمّ يقول آية الله المكارم الشيرازي (حفظه الله): رغم أنّ هذا التحليل النظري قابل الطرح، إلّا أنّ ظواهر الأدلّة الشرعيّة لا تتوافق مع هذا التفسير بصورته كـ«شرط متأخّر محض». فعلى سبيل المثال، الآية الشريفة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[5] تدلّ على أنّ وجوب الحجّ مشروط و مقارن بتحقّق الاستطاعة، و ليس أنّ الاستطاعة تُطرح كشرط متأخّر بعد وجوب المقدّمات. و بعبارة أخرى، ظاهر الآية أنّ خطاب الوجوب مشروط بشرط مقارن (الاستطاعة) و ليس بشرط متأخّر بعد سلسلة من مقدّمات الواجب.

تأكيد آية الله المكارم (حفظه الله) على الفهم العرفي و التجاوز عن الخلافات الاصطلاحية

و يضيف سماحته أنّه لا حاجة لهذه المباحث المعقّدة. فالعقل السليم العرفي يكفي لفهم لزوم أداء المقدّمات. فمثلًا، إذا قيل لشخص عامّي- حتى لو لم يكن قارئاً أو كاتباً: «هذا العام، مع تحقّق الاستطاعة، أصبح الحجّ واجباً عليك و يجب أن تذهب إلى مكّة في شهر ذي الحجّة»، فهو يفهم تلقائيّاً أنّه يجب القيام بالإجراءات المقدّميّة: التسجيل في القافلة، تحضير التذاكر، و تجهيز مستلزمات السفر.

هذا الفهم يأتِي من العقل العرفي دون الحاجة إلى مباحث أصولية و فقهيّة معقّدة. و عندما يحكم العقل بوضوح على وجوب هذه المقدّمات، فهل يجوز أن نأتي و نجادل حول التسمّيات، هل نسمّيها «الواجب المعلّق» أو «الواجب النفسي» أو «الشرط المتأخّر»؟! الحفاظ على مقتضى مولويّة الله وحده يكفي لإثبات وجوب هذه المقدّمات. فالعقل يقول إنّ هذه المقدّمات واجبة، و هذا وحده يكفي.

الردّ على إشكال محتمل و تفريق «المقدّمات المفَوَّتَة»

يقول سماحة آية الله المكارم (زید عزّه) في الرد: «إن قلت: فعلى هذا لا بدّ من وجوب جميع المقدّمات قبل مجي‌ء زمان الواجب كالوضوء و معرفة القبلة بالنسبة إلى الصّلاة، قلنا: إنّه كذلك في خصوص المقدّمات التي يوجب تركها تفويت الغرض في زمانه حتماً لا مثل الوضوء الذي يحتمل إمكان تحصيله في الوقت».[6]

یقع هنا إشکال بأنّ الأمر إن کان کذلك فیلزم أن یکون جميع المقدّمات واجباً؛ مثل الوضوء قبل الأذان. قال (حفظه الله) في الجواب: المقصود عندي هو «المقدّمات المفَوَّتَة»، أي المقدّمات التي إذا لم تُؤدَّ، يفوت الواجب الأصلي كله، مثل تجهيز الزاد و الراحلة لرحلة الحجّ. أما الوضوء و الغسل فليسا من هذا النوع، إذ أنّه إذا لم يتوفّر للمرء وضوء أو غسل، فلا يزال بالإمكان أداء الصلاة، و لو بصورة القضاء. لذلك، يكون نقاشي خاصّاً فقط بالمقدّمات المـُفَوَّتَة.

الإشکال الثاني في الثمرات

یقول آيةالله المکارم الشيرازي (حفظه الله): «هنا طريق آخر لحلّ الإشكال، وهو أنّ الملازمة بين وجوب المقدّمة وذيها وإن كانت ثابتة ولكنّهما ليسا من قبيل العلّة والمعلول بل كلاهما من قبيل الحكم والإرادة الصادرة من نفس المولى، والملازمة من قبيل الداعي، والعلّة في الواقع نفس المولى بالنسبة إلى الجميع. و كما أنّ وجود شي‌ء في الحال يمكن أن يكون داعياً إلى أمرٍ- كذلك وجوده في المستقبل».[7]

و يضيف سماحة آية الله المكارم (حفظه الله) نقطةً أخرى تُعدّ مفتاح حلّ كثير من هذه المشكلات: و هي أن نترك نقاش «العِلّة و المعلول» و نعتمد على مفهوم «الداعي». عندها تُحلّ كلّ مشاكلكم.

الشرح:
قد يُقال: «وجوب الحجّ عِلّة لوجوب المقدّمات»؛ أو في الصلاة: «وجوب الصلاة عِلّة لوجوب الوضوء» أو «وجوب الصلاة عِلّة لوجوب الغسل». و عندما نصل إلى الحجّ، نقول: «وجوب الحجّ عِلّة لوجوب المقدّمات المُفَوَّتَة». لكنّ الحجّ في شهر ذي الحجّة يصبح واجباً بعد فترة، فكيف تكون مقدّماته واجبةً من الآن؟ هنا يبدو أنّ قانون العِلّة و المعلول يتناقض، لأنّ المعلول (المقدّمات) يسبق العِلّة (الحجّ).

طریق الحل:

استعمل لفظ «الداعي» (السبب) بدلاً من «العِلّة»، فحين يصبح الصلاة واجبةً فإنّ ذلك يُنشئ داعياً للإنسان على الوضوء أو الغسل. و مثال عرفي: إذا كان هناك ضيف سيأتي في المستقبل، يبدأ الإنسان من الآن بتحضير المقدّمات (شراء الطعام، تنظيف البيت...) بدافع قدوم الضيف. هذه العلاقة ليست علاقةً علّيةً فلسفيةً، بل علاقة داعٍ و مستدعٍ.

النتيجة:
إذا فُسّرت العلاقات بمفهوم «الداعي» بدل الإطار الصارم للعِلّة و المعلول العقلي، تُحلّ كثير من الإشكالات و التعارضات الظاهرية، مثل: «كيف لم یأت الوجود بعدُ، و المقدّمات واجبة الآن؟». فوجوب الحجّ في المستقبل يصبح داعياً لتحقّق وجوب القيام بالمقدّمات في الحاضر. هذه النظرة متوافقة مع الفهم العرفي و تجنّب كثيراً من المجادلات النظريّة العقيمة.

و في المباحث الفقهية أيضاً، الحجّ أو الصلاة التي تصبح واجبةً في المستقبل تُعدّ داعياً للمكلّف لأداء مقدّماتها (كالوضوء أو تجهيزات السفر) في الوقت الحاضر. و بهذه الرؤية، لا يحدث أيّ إشكال في تقدّم المعلول على العِلّة، إذ أنّ الأمور الاعتبارية و العرفيّة يمكن أن يُؤخذ فيها بعين الاعتبار فعلٌ استقبالي كدافع للقيام بالعمل في الوقت الحاضر.


[1] سورة البقرة، الأية 185.
[2] أنوار الأصول‌، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص369.
[3] أنوار الأصول‌، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص370.
[4] أنوار الأصول‌، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص370.
[5] سورة آل عمران، الأية 97.
[6] أنوار الأصول‌، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص370.
[7] أنوار الأصول‌، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص370.