بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/06

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب المطلق و الواجب المشروط/ الواجب المعلّق

خلاصة الجلسة السابقة:

كان النقاش في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلَّق» (كالحجّ)، و قلنا إنّ المحقّق الخوئي يقبل الواجب المعلَّق (حيث يكون الوجوب حاليّاً و العمل استقباليّاً)، و يراه نوعاً من الواجب المشروط لا المطلق؛ لأنّ وجوبه مشروط بشرطٍ متأخّر (كَبقاء المكلَّف إلى نهاية العمل). بل إنّ شرائط تنفيذ العمل نفسها (كالركوع) يمكن أن تكون كاشفةً عن حدود الوجوب؛ فإذا لم يتمكّن الشخص من الإتيان بها بسبب القصور، تبيّن أنّ الوجوب لم يكن ثابتاً من الأصل بذلك المقدار. و بناءً على هذا التحليل، يكون الواجب المعلَّق قسماً من الواجب المشروط، حيث يكون وجوبه مشروطاً بشرطٍ متأخّر (كالبقاء إلى نهاية العمل). و لا يقبل بذلك رأيَ صاحب الفصول الذي كان يعدّ الواجب المعلَّق واجباً مطلقاً. و عندنا أنّ هذا الجزء الأخير من النظريّة- أعني جعل جميع الأجزاء شرطاً متأخّراً للوجوب و جعل الواجب المعلَّق عينَ الواجب المشروط- قابلٌ للنقد.

 

تحليل موقع «الواجب المعلَّق» في ضوء «الشرط المتأخّر» و نقدُ رأي المحقّق الخوئي (قُدِّسَ سِرُّهُ):

تبيين رأي المحقّق الخوئي في قبول الواجب المعلَّق بوصفه مشروطاً بشرطٍ متأخّر

کان النقاش جارياً في علم الأصول حول «الواجب المعلَّق» (و هو الواجب الذي يكون وجوبه حاليّاً و امتثاله استقباليّاً). و في ختام هذا النقاش، أفاد المحقّق الخوئي (رحمةُ الله عليه) کلاماً جديراً بالتأمّل و التدقيق.

قال المحقّق الخوئي (رحمه الله): «تحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام صحّة ما ذكره صاحب الفصول، من امكان الالتزام بالواجب المعلّق، و انّه لا مانع من الالتزام بفعليّة الوجوب مع كون الواجب استقباليّاً، إلّا أنّ الصحيح جعله من أقسام الواجب المشروط، على ما ذكرناه، لا من أقسام الواجب المطلق، كما التزم به صاحب الفصول»[1]

إنّه (رحمه الله) مع قبوله «الواجب المعلَّق» يری أنّ هذا القسم من الواجب ينبغي عدُّه من أقسام «الواجب المشروط» لا «الواجب المطلق»، و ذلك بأن يكون وجوبه معلَّقاً على «شرطٍ متأخّر».

و في توضيح ماهيّة «الشرط المتأخّر» يتمسّك بمثال «المستحاضة»، فيقول: إذا صامت المرأة المستحاضة في نهار شهر رمضان، ثمّ أتت بعد الإفطار في الليل بـ«الغُسل الليليّ للاستحاضة»، فإنّ هذا الغُسل ـ مع كونه متأخّراً زماناً ـ يكون سبباً لصحّة الصوم الذي وقع سابقاً، مع أنّه لو تُرك هذا الغُسل لكان صومها باطلاً.

و من وجهة نظر العقل، فإنّ قاعدة «تأثير المتأخّر في المتقدّم» محالٌ عقليّاً؛ إلّا أنّه لمـّا كانت الأحكام الشرعيّة أموراً اعتباريّةً، فإنّ هذه الاستحالة العقليّة لا تجري في ساحة التشريع، و قد قبل الفقهاء ـ استناداً إلى الأدلّة ـ فكرة «الشرط المتأخّر» في الشريعة الإسلاميّة.

سَرَيانُ الشَّرطِ المتأخِّر إلى أجزاء الصلاة و الحجّ

يقول المحقّق الخوئي (رحمه الله) في تتمّة كلامه:

«فتحصّل أنّ الواجب المعلّق كالحجّ نوع من الواجب المشروط، و هو ما يكون وجوبه مشروطا بالشرط المتأخّر، و قد تقدّم الكلام في امكانه، لا من قبيل الواجب المطلق على ما التزم به صاحب الفصول»[2]

و يذكر أنّه مع قبول مبنى «الشرط المتأخّر» لا بدّ من قبول «الواجب المعلّق» أيضاً؛ إذ في مثل هذه الموارد يكون القيدُ أو الجزءُ الأخيرُ من العمل مُصَحِّحاً للأجزاء السابقة. فعلى سبيل المثال في الصلاة، يُعدّ «السلام» شرطاً متأخّراً لصحّة مجموع الصلاة، بحيث إنّه لو لم يُؤتَ بالسلام بَطَلَت الصلاة بأجمعها. و هذا يعني أنّ السلام و التشهّد و سائر الأجزاء المتأخّرة لازمةٌ لصحّة الأجزاء المتقدّمة.

و يجري هذا المبنى بعينه في بحث «الحجّ» أيضاً، فلو كان وجوب الحجّ حاليّاً و واجبُه استقباليّاً، كانت جميع أجزاء الحجّ واجبةً فإذا عجز المكلَّف أثناء العمل و قبل الإتيان بالأجزاء الأخيرة من الحجّ (كما لو أصيب بسكتةٍ قلبيّة أو تُوفّي) «يُنكشَفُ» أنّ الوجوبَ الواقعيَّ لم يكن ثابتاً في حقّه من الأصل. و في الحقيقة، فإنّ العجز عن إتمام الأجزاء الأخيرة يكشف عن عدم تحقّق شرط الوجوب، و أنّه لم يكن هناك تكليف عليه، و لذا لا يجب الاستنابة عنه لإتيان الحجّ و إتمامه.

النقدُ و دراسة رأي المحقّق الخوئي (رحمه الله)

برأينا، إنّ ما أفاده المحقّق الخوئي في القسم الأوّل من كلامه، حيث قال: إذا قَبِلنا الشرط المتأخّر أمكن قبول الواجب المعلَّق أيضاً، كلامٌ متينٌ و حَسَن. إلّا أنّ القسم الآخر من كلامه، حيث عَدَّ جميعَ أجزاء الواجب (كالركوع و التشهّد و السلام) في آنٍ واحد «شروطاً للواجب» و«شروطاً للوجوب»، محلُّ إشكال.

و توضيح ذلك: أنّ المشهور بين الفقهاء و الأصوليّين يعدّون هذه الأجزاء مجرّد «شروطٍ للواجب» (أي شروطًا لصحّة الإتيان بالفعل)، و لا يربطونها بمقام الوجوب. أمّا المحقّق الخوئي، فبربطه هذه الأمور بمقام الوجوب، يذهب إلى أنّه إذا لم يوفَّق المكلَّف للإتيان بالتشهّد، كُشِفَ أنّ الصلاة لم تكن واجبةً عليه من الأصل.

و نحن نرى أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ الوجوب قد تحقّق، و هذه الأمور إنّما هي شروطٌ لمتعلَّق الوجوب (أي الواجب)، لا شروطٌ لنفس الوجوب. و لذا نقول في نقد كلامه: «لَا مُلَازَمَةَ فِی كَوْنِ الْقُيُودِ لِلْوَاجِبِ قُيُوداً لِلْوُجُوبِ أَيْضاً»؛ أي لا ملازمة بين كون الشيء قيداً للواجب و كونه قيداً للوجوب أيضاً. و بناءً عليه، فإذا لم يوفَّق المكلَّف لإتمام العمل، فلا يدلّ ذلك على عدم تحقّق أصل الوجوب من البداية.

ثمراتُ بحثِ «الواجب المعلَّق»

و في الختام، يُطرَح سؤالٌ عن فائدة هذه المباحث المطوّلة حول «الواجب المعلَّق». و يمكن تلخيص الثمرات المترتّبة على هذا البحث في أمرين:

1. إيجابُ المقدّمات قبل الوقت: تُحلّ مشكلة وجوب المقدّمات بقبول الواجب المعلَّق، كإعداد تذكرة السفر و جواز السفر للحجّ قبل دخول شهر ذي الحجّة؛ إذ يُقال: و إن لم يَحِنْ وقت الواجب بعدُ، إلّا أنّ وجوبه فعليّ، فتجب مقدّماته.

2. غسلُ الجنابة و الاستحاضة قبل أذان الفجر:

فمن كان جنباً في شهر رمضان، أو كانت المرأة مستحاضةً، يجب عليهما الغُسل قبل أذان الفجر ليصحّ صومهما. و مع أنّ وجوب الصوم لم يأتِ بعدُ (و إنّما يبدأ بالأذان)، إلّا أنّه بلحاظ الواجب المعلَّق، يكون الإتيان بهذه المقدّمة قبل الوقت لازماً.

 


[1] مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري)، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص442.
[2] مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري)، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص437.