47/06/30
بسم الله الرحمن الرحیم
ملخّص الجلسة الماضية: کان نقاشنا في الجلسة الماضية حول موضوع «الواجب المعلّق» (مثل الحج). قلنا إنّ الإرادة على نوعين: تكوينيّة (لأفعال الشخص نفسه) و تشريعيّة (لتوجيه الأوامر إلی الآخرين). كلا النوعين لهما مراحل مشتركة: الالتفات إلى المصالح، الشوق، الفحص عن الموانع، العزم، القصد، و أخيراً الإرادة و الفعل. يمکن في الإرادة التكوينية، أن توجد المراحل الأولية (الشوق، العزم) دون وقوع الفعل. في الإرادة التشريعية، لا يؤدي الأمر (البعث) بالضرورة إلى إقدام المخاطب(الانبعاث). برأينا إنّ كلا النوعين من الإرادة يمكن أن يكونا معلّقين و مستقبلين (تحصل الإرادة، و لكن يتمّ تأجيل الفعل إلى المستقبل). لذلك، التمييز المطلق بين هذين النوعين في هذا السياق غير صحيح.
الإشکال الثاني
الموضوع المبحوث عنه، حول نظريّة المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) في علم الأصول و هو استحالة «الواجب المعلّق». هو (رحمه الله) يعارض فكرة أن يكون الوجوب حاليّاً و الواجب استقباليّاً. قد ميّز (رحمه الله) لتوضيح هذا الاستحالة بين «الإرادة التكوينية» و «الإرادة التشريعية»:
١. يکون سير تحقيق العمل في الإرادة التكوينية کالتالي: الشوق ثمّ دراسة الموانع ثمّ العزم ثمّ الجزم ثمّ القصد و الإرادة ثمّ تحریك العضلات (أي الفعل). في هذا السياق، البعث (القصد و الإرادة) هو السبب، و الانبعاث (تحریك العضلات و القيام بالفعل) هو المسبب. هذان (البعث و الانبعاث) ملازمان؛ أي إنّه عندما تحقّقت العلّة التامّة (الإرادة)، تحقّق الفعل بالضرورة. یکون الشخص قبل مرحلة الإرادة القطعية، في حالة شوق و تردّد و لا يحدث فعل؛ بمعنى أنّه عندما ينشأ الشوق و يتطوّر و يصل إلى مرحلة العزم و الجزم و القصد و الإرادة، يحدث تحریك العضلات و يتحقّق الفعل. هنا يتحقّق السبب (الإرادة) و يأتي المسبّب (الفعل) بعده. في الإرادة التكوينية، يستحيل تخلّف الإرادة عن المراد؛ أي أنّه طالما لم يقم الشخص و لم يحرّك عضلاته، فهو لا يزال في حالة «الشوق» و لم يصل إلى مرتبة «الإرادة» (التي هي العلّة التامّة).
2. في الإرادة التشريعية: یأمر الشّارع المقدّس بفعل (کما أمر في القرآن) کقوله- تعالی: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾[1] و ﴿وَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[2] یا ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حجّ الْبَيْتِ﴾[3] ، «البَعث» من الله و «الانبعاث» (العمل) من المكلف. ليس الانبعاث (العمل الفعلي للمكلف) لازماً ضروريّاً مع البَعث، بل يجب أن یوجد إمكَانُ الانبعاث فحسبُ؛ أي أن يكون للمكلف القدرة على أداء العمل. لكن هل يقوم بالعمل أم لا؟ هذا يعتمد على طاعته أو عصيانه. بعض الناس يصلّون طاعةً، و بعضهم لا. الفرق الأساسي هو أنّ في الإرادة التشريعية، إمكَانُ الانبعاث (إمكانية الإثارة و العمل) شرط، و لم یتحقّق الانبعاث نفسه بالضرورة؛ لأنّ المكلف قد يكون مطيعاً أو عاصياً.[4]
إشكال عدم إمكان الانبعاث في الواجب المعلّق
إشكال المحقّق الإصفهاني على النحو التالي: الواجب المعلّق، بحسب التعريف، يعني الوجوب الحالي (البَعث الشرعي في الحاضر) بينما الواجب الاستقبالي (الانبعاث) في المستقبل (مثلاً بعد ثلاثة أشهر في شهر ذي الحجة). و لكن:
• في الإرادة التكوينية، البَعث و الانبعاث ملازمان، و انفكاكهما محال. إذن لا يمكن أن يندرج الواجب المعلّق في هذا القالب.
• في الإرادة التشريعية أيضاً، على الرغم من عدم وجود ملازمة ضرورية، يجب أن يكون إمكَانُ الْانْبِعَاثِ موجوداً. في مثال الحج، إذا لم يأت وقت الحج (شهر ذي الحجة)، فإنّ إمكان الانبعاث (القدرة على أداء الحج في هذه اللحظة) غير موجود. إذن لا یتحقّق حتى شرط الإمكانيّة. لذلك، لا يندرج الواجب المعلّق في قالب الإرادة التكوينيّة و لا في الإرادة التشريعية. لذا، الواجب المعلّق محال.
النقطة المهمّة في کلامه (رحمه الله): لا يكفي مجرّد إمكانية أداء المقدّمات في المستقبل؛ لأنّ البحث يدور حول إمكانيّة الانبعاث إلی نفس العمل في وقت صدور الخطاب. لذلك، عندما لا يكون الانبعاث ممكناً، يكون خطاب البَعث (الأمر) بلا فائدة. يعتقد المحقّق الإصفهاني أنّ الواجب المعلّق لا يمكن تحقيقه لا بعنوان الإرادة تكوينيّة و لا بعنوان الإرادة التشريعيّة؛ لأنّ شرط صحّة الخطاب في التشريعيّات، هو إمكانيّة الامتثال، و عندما يقال للشخص «أدِّ الحجّ بعد ستّة أشهر» فإنّ إمكانيّته لأدائه في الوقت الحالي غير متوفّرة.
إشکال آیةالله الفاضل اللنکراني (رحمه الله) علی المحقّق الإصفهاني (رحمه الله)
قال آیةالله الفاضل اللنکراني (رحمه الله):«أنّه وقع الخلط في كلامه بين البعث و الانبعاث التكويني و البعث و الانبعاث الاعتباري، و ما لا يعقل الانفكاك بينهما و يشابه الكسر و الانكسار هو الأوّل دون الثاني، فإنّ ما تدلّ عليه هيئة «افعل» و يعبّر عنه بالأمر عبارة عن البعث الاعتباري الذي يوجد الداعي في المكلّف فقط. و يشهد لذلك أنّ البعث و الانبعاث في الواجبات المنجّزة إن كان مثل الكسر و الانكسار معناه أن لا يقدر أحد من المكلّفين على العصيان؛ إذ العصيان مساو مع عدم تحقّق الانبعاث، فأين الانبعاث في الكفّار و العصاة؟! مع أنّه لا شكّ في كونهم مكلّفين بالأحكام و يعاقبون على تركها، فلم لا يتحقّق الانبعاث؟! فلا تصحّ المقايسة بين البعث و الانبعاث التكويني و البعث و الانبعاث الاعتباري. و التحقيق: أنّ في مورد تحقّق الانبعاث عقيب البعث ليس المؤثّر في الانبعاث نفس البعث- كما قال به استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)- بل المؤثّر فيه الخوف من المؤاخذة و العقاب أو الطمع في الثواب؛ إذ العباد نوعا ما يعبدون اللّه خوفا من النار أو طمعا في الجنّة إلّا القليل من الأولياء و الصلحاء، كما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك» فلا دخل للبعث في الانبعاث إلّا في جعل الموضوع للإطاعة و العصيان، و هكذا في أوامر الموالي العرفيّة.»[5]
إعتقد آية الله الفاضل اللنكراني (رحمة الله عليه) أنّ هذه العبارات ناتجة عن الخلط بين «البَعث و الانبعاث التكوينيّين» و «البَعث و الانبعاث الاعتباريّين». قد أشار (رحمه الله) إلى التمييز الأساسي بين الأمور التكوينيّة و الأمور الاعتباريّة و قال:
• قوانين العليّة و المعلوليّة في الأمور التكوينيّة حاکمة. (مثل ملازمة البَعث و الانبعاث).
• أما الأحكام الشرعية، فهي اعتبارات. في نطاق الاعتبارات، يمكن للشارع المقدس أن يضع أيّ ترتيب أو شرط أو زمان حسب اعتباره. قال (رحمه الله): يمكن في الإرادة التشريعية الاعتبارية، أن يصدر البَعث (الخطاب) الآن، و لكن الانبعاث (الوظيفة التنفيذية) يمكن أن يُنْسَأ إلى وقت معين في المستقبل (مثل شهر ذي الحجة أو وقت صلاة الظهر). هذا لا محاليّة فيه؛ لأنه جعل اعتباري. قد تتطلب مصلحة الشارع أن يصدر الخطاب مبكراً حتى يكون الناس مستعدّين لأداء الواجب في الوقت المقرّر (مثل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الذي نزل قبل شهر رمضان). لذلك، الاستحالة التي ذكرها المحقق الإصفهاني في الأمور التكوينية لا وجود لها في الأمور الاعتبارية. يبدو لنا أنّ كلام آية الله الفاضل صحيح، و هذه الإشكالات ناتجة عن الخلط بين الأمور التكوينية و الاعتبارية، و لا داعي لقبول استحالة الواجب المعلّق.
بيان وجهة نظر المحقق الخوئي و تقسيم الواجب
المحقق الخوئي (أَعْلَىٰ اللَّهُ مَقَامَهُ الشَّرِيفُ) يقبل الواجب المعلّق بنفس المعنى الذي قصده صاحب الفصول (الوجوب الحالي و الواجب الاستقبالي) و لا يرى أيّة مشكلة فيه. ثمّ يطرح سؤالاً مهمّاً: هل الواجب المعلّق من أقسام «الواجب المشروط» أم «الواجب المطلق»؟
تنقسم الواجبات إلى واجب مطلق و واجب مشروط:
• الواجب المطلق: واجب لا يتوقّف على شرط، على الرغم من أنّ تنفيذه قد يكون مشروطاً. علی سبيل المثال: وجوب الصلاة مطلق (لا يحتاج إلى شرط الوضوء لتحقّق الوجوب)، و لكن الصلاة نفسها مشروطة بالوضوء.
• الواجب المشروط: هو واجب مشروط بشرط في أصل وجوبه. علی سبيل المثال: وجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، لذا الحجّ واجب مشروط.
يتطلّب تحديد کون الواجب المعلّق يندرج تحت أيّ من هذين القسمين، مزيداً من التأمّل و التوضيح في الجلسات القادمة.