47/06/29
بسم الله الرحمن الرحیم
موضوع: مباحث الفاظ/اوأمر/مقدّمه واجب/واجب مطلق و واجب مشروط/واجب معلّق
خلاصة الجلسة الماضية:
كان نقاشنا في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلّق» (كالحجّ): هل مصلحة شرط الاستطاعة في الحجّ، راجعة إلى نفس فعل الحجّ أم إلى وجوبه؟ رأي المحقّق النائيني (رحمه الله) هو أنّ المصلحة في نفس الفعل، أي إنّ كون الحجّ مقروناً بالاستطاعة هو الذي يحقّق الفائدة الأساسيّة. رأي آية الله السبحاني (حفظه الله): إنّ المصلحة في الوجوب؛ فالحجّ خيرٌ للجميع، و لكنّ جُعل شرط الاستطاعة لرفع الحرج عن الفقراء.
و هذا الاختلاف في المبنى، يؤدّي إلى نتيجتين فقهيّتين مختلفتين: فإن كانت المصلحة في الوجوب كان من قبيل الواجب المعلّق، و إن كانت في نفس الفعل كان من قبيل الواجب المشروط.
مراحل الإرادة التكوينيّة (بحسب رأي المحقّق الأصفهاني):
الإرادة ذات مراحل تدريجيّة: ملاحظة الفائدة ثمّ الشوق ثمّ فحص الموانع ثمّ كمال الشوق ثمّ العزم و الإرادة ثمّ تحريك العضلات.
ثمّ إنّه قد جری النقاش في سياق المباحث الأصوليّة، في مسألة «الواجب المعلّق» و تقرير المحقّق الأصفهاني(قدّه) في باب الإرادة. و كان ممّا طُرح في الجلسة الماضية التفريق بين قسمي الإرادة: «الإرادة التكوينيّة» و «الإرادة التشريعيّة».
الإرادة التكوينيّة و مراحل تحقّقها
يبيّن المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) الإرادة التكوينيّة فيقول: إنّ مبدأ هذه الإرادة هو الالتفات إلى المنافع؛ فالإنسان العاقل عند العزم على فعل شيء يلاحظ أوّلًا منافعه. و بعد إحراز المنافع، يحصل في النفس الشوق و الرغبة إلى الإتيان بذلك الفعل. ثمّ تُفحَص الموانع و المضارّ المحتملة؛ فإن لم يوجد مانع و لا ضرر، بلغ الشوق كماله، و بعد ذلك يتحقّق العزم، ثمّ القصد و الإرادة، و في النهاية يحصل تحريك العضلات و يتحقّق الفعل خارجاً.
المثال:
لو فرضنا أنّ شخصاً اطّلع في الفضاء الافتراضي على فوائد تركيب حبّة الحلبة و الكزبرة لمرض السكّري، فإنّه أوّلاً يوازن المنافع، ثمّ يلاحظ المضارّ، و بعد الاطمئنان بعدم الضرر يكتمل شوقه، فيعزم و يقصد و يُريد، ثمّ ينهض، و يذهب إلى العطّار، فيشتري الدواء و يستعمله. و هذه المراحل هي عين عمليّة الإرادة التكوينيّة.
سؤال: هل يمكن وجود فاصلة أو انفكاك بين «الشوق» و «تحريك العضلات»؟
الجواب: نعم، قد يوجد الشوق و لا يتحقّق تحريك العضلات، كما قد يتحقّق «العزم» و لا يصل إلى الفعليّة الخارجيّة.
و أمّا بالنسبة إلى المرحلة الأخيرة، و هي «الإرادة»، فتنصّ القاعدة الفلسفيّة على أنّ «انفكاك الإرادة عن المراد محال»، لأنّه متى ما تمّت العلّة التامّة (التي تكون الإرادة جزءَها الأخير)ـ تحقّق المعلول، و هو تحريك العضلات و الفعل، بلا فصل. ففي العلل المركّبة قد تنفكّ الأجزاء الأوّليّة عن المعلول، أمّا الجزء الأخير (الذي هو عين العلّيّة) فلا ينفكّ عن المعلول.
الإرادة التشريعيّة و خصائصها
يقول المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في استدامة کلامه: «وَ أَمَّا الإِرَادَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ فَهِيَ عَلَى مَا عَرَفْتَ فِي مَحَلِّهِ إِرَادَةُ فِعْلِ الْغَيْرِ»[1] ؛ أي إنّ الإرادة التشريعيّة - کالأوامر الصادرة من الحاكم أو رئيس الدولة- تشتمل أيضاً على تلك المراحل نفسها (ملاحظة المنافع و المضارّ، الشوق، العزم، القصد، و الإرادة)، غير أنّها تمتاز بكونها «إرادة فعل الغير»، أي إرادة صدور الفعل من الآخرين. و من هذا القبيل الخطابات الشرعيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[2] ، أو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾[3] .
و هنا لا تكون الملازمة ضروريّةً بين «البعث» و «الانبعاث»، إذ قد يسمع المكلّف الأمر و لا يعمل به، لكون الأمر ذا طابع اختياري غير قهري.
الواجب المعلّق و نسبته إلى الإرادة
مسألة «الواجب المعلّق» أو «الوجوب الاستقبالي»- أي الوجوب المشروط بزمان أو شرطٍ في المستقبل- تُحلَّل في تقرير المحقّق الأصفهاني(قدّه) على النحو الآتي:
في الإرادة التكوينيّة، يستلزم تحقّق الإرادة تحقّق الفعل فوراً، و من ثَمّ يكون الواجب المعلّق في هذا المجال غير معقول. أمّا في الإرادة التشريعيّة، و بسبب إمكان تخلّف المكلّف، يمكن التفكيك بين الوجوب (البعث) و تحقّق الفعل (الانبعاث) و لا إشكال في ذلك.
و يرى المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) أنّ «الواجب المعلّق» (أي الوجوب الحالي و الواجب الاستقبالي) محال في الإرادة التكوينيّة؛ لأنّ الإرادة يجب أن تنتهي فوراً إلى العمل، و لكنّه ممكن في الإرادة التشريعيّة لإمكان التفكيك بين البعث و الانبعاث.
النقد و المناقشة في رأي المحقّق الأصفهاني(رحمه الله)
نرى أنّ هذا التقرير قابل للمناقشة من جهات عدیدة:
أوّلاً: إنّ تعلّق الإرادة في الإرادة التكوينيّة بأمرٍ استقبالي أمرٌ ممكن أيضاً؛ إذ يمكن للإنسان أن يعزم و يُريد الآن إرادةً جازمةً على فعلٍ في ظرفٍ زمانيّ معيّن في المستقبل (كأن يحدّد ساعةً أو يوماً معيّناً لاستقبال ضيف) ففي هذه الحالة تكون جميع المقدّمات (من ملاحظة المنافع و دفع المضارّ و الشوق و العزم)ـ حاصلةً الآن، غير أنّ «تحريك العضلات» يقع في ظرفه الخاصّ في المستقبل، لأجل القيد الزماني.
و بناءً على ذلك، نرى أنّ التفكيك بين زمان الإرادة و زمان الفعل ممكنٌ في كلتا الإرادتين: التكوينيّة و التشريعيّة، و لا مانع من أن يكون الوجوب (القرار و الإرادة) حاليّاً، بينما يكون الواجب (تحريك العضلات أو نفس العمل) استقباليّاً. و عليه، فإنّ هذه الإشكالات الواردة على الواجب المعلّق في نظرنا، غير تامّة.