بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/24

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر (الواجب المعلّق و الممنجّز)/ إمکان الواجب المعلّق

ملخّص الجلسة السابقة: في الجلسة الماضية، كان النقاش حول «الواجب المعلّق» (مثل الحج)، و قلنا إنّ الدفاع عن الواجب المعلّق يدور حول أربعة محاور: 1. الشرط المتأخّر ليس محالاً؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة اعتبارية و المحاليّة فقط في الأمور التكوينيّة. 2. تبرير المحقّق النائيني (رحمه الله) ليس ضروريّاً. 3. التقييد (مثل الطهارة) إذا كان حاصلاً من قيد اختياري (مثل الوضوء)، فهو أيضاً اختياري. 4. تعريف الواجب المعلّق (الوجوب حالي، العمل استقبالي) صحيح، بشرط إضافة قيد «ظاهري» إلى الوجوب (وجوب حالي ظاهري).

كانت مناقشتنا في کلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) و الاشکالات الواردة علیها. في هذه الجلسة، سيُقدّم بيان من المحقّق النائيني (رحمه الله) و آخر من آية الله السبحاني (حفظه الله).

مكانة المصلحة في شروط الحج

السؤال هو: هل شرط الاستطاعة في الحج، هل مصلحته تتعلق بالوجوب أم تتعلق بالواجب نفسه (عمل الحج)؟

توضيح الکلام: في وجوب الحج، هناك عدّة شروط:

الاستطاعة (القدرة المالية والبدنية).

الوقت الخاص (شهر ذي الحجة، أيام معينة).

المكان الخاص (بيت الله الحرام، مكة).

السؤال الأساسي: هل هذه الشروط الثلاثة متساوية من حيث المصلحة؟ بعبارة أخرى، هل مصلحة شرط الوقت و المكان على نفس المستوى مع مصلحة شرط الاستطاعة؟ هل ترى فرقاً بين هذه الشروط الثلاثة (الحج يجب أن يكون في وقت معين، الحج يجب أن يكون في مكان معين، و الحج يجب أن يكون للمستطيع) أم لا؟ هذا الوقت الذي في هذا التاريخ (ذي الحجة) يجب أن يجتمع فيه الجميع و يدورون حول بيت الله في مكان معين (بيت الله الحرام)، ما هي المصلحة؟ المصلحة في المتعلق (الواجب)؛ أي يجب أن يتمّ هذا الواجب بهذه الطريقة. إن أراد کلّ شخص أن يذهب إلى مكّة في أيّ وقت شاء، فلا فائدة فيه. يجب أن يجتمع الجميع من جميع أنحاء العالم في هذه الأيام القليلة و یطوفون حول بيت الله. الوقت الخاص له مصلحة نظر الله إليها. إذا أردتم أن تحصّلوا على مصلحة الحج، يجب أن يكون وقتها محدّداً؛ إذا ذهبتم يوماً آخر، فلا فائدة فيه، و كلّ ما طفتم به، فلا فائدة فيه. فکذا بالنسبة إلی المكان الخاص؛ إذا طفتم في مكان آخر، فلا ينفعكم، يجب أن تذهبوا هناك. فالحاصل إنّ مصلحة الوقت في المتعلّق (يطلق عليه أحياناً «المصلحة في الموضوع» أو «المصلحة في الواجب نفسه»)، إذا أردتَ أن يتمّ الواجب بشكل صحيح، تحتاج إلى وقت خاص و مكان خاص. لذلك، قلنا إنّ مصلحة الوقت في الواجب و مصلحة المكان أيضاً في الواجب.

أما مصلحة الاستطاعة فيمَ؟ هل مصلحتها في الوجوب أم في الواجب؟ كما أوضحنا أنّ الوقت يجب أن يكون خاصّاً حتى تتحقّق مصلحة الحج (جميع الناس یطوفون حول بيت الله في وقت واحد) و حدّدنا المكان بشكل جيّد، حيث إنّ مصلحة الله تكمن في هذا المكان و لا يمكن أن يكون في مكان آخر؛ الطواف هناك، السعي هناك، و جميع الأعمال محدّدة بشكل جميل. الآن، هل كون هذا الشخص ثريّاً و يمتلك المال الكافي للذهاب إلى مكة، يندرج ضمن مصلحة الواجب؟ هل هذا جزء من مصلحة الواجب أم مصلحة في الوجوب؟

رأي المحقّق النائيني (رحمه الله): وحدة المصلحة في متعلّق الواجب

يعتقد المحقّق النائيني (رحمه الله) أنّ جميع هذه الشروط (الزمان، المكان، الاستطاعة) مصلحتها تتعلّق بالواجب نفسه (أي عمل الحج).

و بيانه كما يلي: مصلحة الحج هي أن يتمّ في وقت خاص (لكي تجتمع الأمة في وقت واحد) و في مكان خاص (بيت الله). هذه المصلحة في تحقّق الواجب نفسه. و کذلك الاستطاعة مصلحتها في الواجب نفسه؛ أي إنّ الله أراد أن يذهب الشخص ذو اليسار إلى الحج، لا الفقير المحتاج. لذلك، كما أنّ الزمان و المكان يؤثّران في مصلحة العمل نفسه، فإنّ الاستطاعة أيضاً مؤثرة في مصلحة العمل نفسه. في هذا الرأي، جميع القيود تتعلّق بالمتعلّق (موضوع الوجوب). بناءً على ذلك، الاستطاعة ليست شرط الوجوب، بل شرط في متعلّق الواجب. نتيجة هذا الرأي ليست اقتراباً من نظريّة الواجب المعلّق، بل التأكيد على أنّ الوجوب مشروط بجميع هذه القيود، و الوجوب الحالي بدون الاستطاعة لا معنى له.

رأي آيةالله السبحاني (حفظه الله): تفکيك مصلحة الوجوب عن مصلحة الواجب:

«أنّ إرجاع عامّة القيود إلى الموضوع غير تام ، وذلك لما عرفت عند البحث في الواجب المطلق والمشروط انّ القيود ثبوتاً على قسمين: قسم لها دور أساسي في ظهور الإرادة و انقداحها في النفس على نحو لولاه لما أراده المولى ـ و إن كان المتعلّق ذا مصلحة ـ و هذا كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، فانّ الحجّ مطلقاً ذو مصلحة من غير فرق بين المستطيع و المتسكّع ، لكن إيجابه على نحو الإطلاق مستلزم للحرج ، و لذلك قيّد المولى الوجوب بالاستطاعة لئلّا يكون حرج بالنسبة إلى غير المستطيع ، فهذا القسم من القيود يرجع إلى الوجوب. و بعبارة أُخرى يرجع إلى الموضوع ، و يصحّ قوله : إنّ الموضوع البالغ العاقل المستطيع...»[1]

يعتقد الشيخ جعفر السبحاني (حفظه الله) بالتفکيك. يرى أنّ: مصلحة الزمان و المكان تتعلّق بالواجب نفسه؛ لأنّ تحقيق العمل بشكل صحيح و كامل، يتوقّف على هذين العاملين. أما مصلحة الاستطاعة فتتعلّق بأصل الوجوب. و السبب في ذلك أنّ الله- تعالى- فرض الحجّ لمصلحة عامة، و لكن نظراً إلی أنّ إلزام جميع الناس (و منهم الفقراء) قد يؤدّي إلى مشقة و ضيق، فقد وضع شرط الاستطاعة. و هذا الشرط يوفِّر مصلحة رفع الحرج عن المكلّف، لا مصلحة العمل نفسه. بعبارة أخرى، الاستطاعة شرط للوجوب، و ليس شرطًا للواجب فالوجوب لا یتحقّق مادام لم تتحقّق الاستطاعة. وجوب الحج على كل شخص مشروط باستطاعته. إذا لم يكن الشخص مستطيعاً، لا يحدث نقص أو خلل في الغرض من الواجب العام، بل مصلحة وجوب الحجّ تنتفي بالنسبة إلی هذا الشخص الخاص. لذلك، الاستطاعة مصلحتها في الوجوب الشخصي لا في أصل الحج كتکليف عام. بعبارة أخرى، الاستطاعة شرط لتحقّق الوجوب على الشخص. [2]

ثمرة هذه الأنظار

ثمرة هذا النقاش هي «الواجب المعلّق». و الواجب المعلّق الذي نقول به هو «أنّ الْوُجُوب حَالِيٌّ (ظاهراً) وَ الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالِيٌّ؛ أي إنّ الوجوب يأتي عند الاستطاعة فالاستطاعة شرط للوجوب لا للواجب».

قد قال بالواجب المطلق آیةالله السبحاني (حفظه الله) و صاحب الفصول (رحمه الله) و المحقّق الخراساني (رحمه الله) و لکن الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و المحقّق النائيني (رحمه الله) لم یقبلاه بل یقولان إنّ هذه الشروط تتعلّق بالواجب نفسه و الواجب مشروط.

 

خلاصة النقطة هي أنّهم (أتباع المحقّق النائيني«رحمه الله») يرون المصلحة في الواجب و يقولون: إنّها تتعلّق بالواجب نفسه لكي تكون له مصلحة. يقول آیةالله السبحاني (حفظه الله): هل إذا لم يصِر هذا الشخص مستطيعاً، يحدث شيءٌ في أصل الواجب؟ لا، لا يحدث شيء. و لكن إذا لم تحصل له استطاعة، يحدث نقض الغرض (عدم الوصول إلی الغرض) في واجب هذا الشخص. لذلك، المصلحة في واجب هذا الشخص، و ليس في الواجب العام. أي إذا وجدت هذه المصلحة (أصبح مستطيعاًأصبح الحجّ واجباً عليه. لا يحدث أيّ نقص في الغرض من الواجب العام؛ لأنّ الحجّ واجب إلى يوم القيامة و لا علاقة لنا بالواجب العام. و لكن هذا النقض للغرض يحدث في واجب هذا الشخص. نظرتنا هي نظرة جزئيّة و خاصّة بالشخص نفسه؛ إذا أصبح مستطيعاً فالمصلحة في واجبه، و إذا لم يصبح مستطيعاً، نقض الغرض من المصلحة في واجب هذا الشخص، و ليس في الواجب العام.

و من هنا تظهر الثمرة العمليّة لهذا الاختلاف في القبول أو الرفض للواجب المعلّق:

إذا اعتبرنا الاستطاعة شرطاً للوجوب، وفقاً لرأي آیةالله السبحاني (حفظه الله)، فإنّ هذا يقترب من نظرية الْوُجُوبُ حَالِيٌّ وَ الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالِيٌّ (الواجب المعلّق)؛ لأنّ الوجوب مشروط بشرط (الاستطاعة) و قد تتحقّق أحياناً قبل وقت العمل.

و إن کنّا علی مذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) نجعل الاستطاعة شرطاً في متعلّق الواجب کشرظ الزمان و المکان فالواجب مشروط بجمیع هذه القيود و لا معنی لتقدّم الوجوب علی أيّ منها حتّی الوقت و هذا الرأي قد جعل الواجب المعلّق موقع الإشکال و السؤال.

إشارة إلى رأي المحقّق الشيخ محمدحسین الإصفهاني (صاحب الحاشية على كفاية الأصول)

في الخاتمة، يشار إلى نظرية المرحوم الشيخ محمدحسین اصفهاني (صاحب الحاشية على كفاية الأصول) الذي كان من الفلاسفة أيضاً. و يتبع البحث بتحليل مراتب النفس فيقول:

«أنّ النّفس في وحدتها كلّ القوي فهي مع وحدتها ذات منازل و درجات ففي مرتبة القوّة العاقلة مثلاً تدرك في الفعل فائدة عائدة إلى جوهر ذاتها أو إلى قوّة من قُواها،و في مرتبة القوّة الشوقيّة ينبعث لها شوق إلى ذلك الفعل فإذا لم يجد مزاحماً و مانعاً يخرج ذلك الشوق من حدّ النقصان إلى حدّ الكمال الّذي عبّر عنه تارةً بالإجماع،و أخرى بتصميم العزم،و ثالثةً بالقصد و الإرادة فينبعث من هذا الشوق البالغ حدّ نصاب الباعثيّة هيجان في مرتبة القوّة العاملة فيحصل منها حركة في مرتبة العضلات فهذه كلّها درجات النّفس و منازلها و كلّ هذه المراتب مراتب حركة النّفس من منزل إلى منزل،و من درجة إلى درجة و من الواضح أنّ الشّوق و إن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلاّ أنّ الإرادة ليس نفس الشوق بأيّة مرتبة كان بل الشّوق البالغ حدّ النصاب بحيث صارت القوّة الباعثة باعثة بالفعل و حينئذ فلا يتخلّف عن انبعاث القوّة العاملة المنبثّة في العضلات،و هو هيجانها لتحريك العضلات الغير المنفكّ عن حركتها و لذا قالوا إنّ الإرادة هو الجزء الأخير من العلّة التامّة لحركة العضلات فمن يقول بإمكان تعلّقها بأمر استقبالي إن أراد حصول الإرادة الّتي هي علّة تامّة لحركة العضلات إلاّ أنّ معلولها حصول الحركة في ظرف كذا فهو عين انفكاك العلّة عن المعلول،و جعله بما هو متأخّر معلولاً كي لا يكون له تأخّر لا يجدي بل أولى بالفساد لصيرورة تأخّره عن علّته كالذاتي له فهو كاعتبار أمر محال في مرتبة ذات الشيء فهو أولى بعدم الوجود من غيره…»[3]

خلاصة القول: إنّ مراحل اتخاذ القرار و العمل من حيث النفس، بحسب ما أفاده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله)، هي كما يلي:

 

القوّة العاقلة: و هي التي تقوم بحساب المنافع و المضارّ. فإذا أردتَ الإقدام على عملٍ ما، فإنّك تفكّر أوّلًا: هل في هذا العمل مصلحة أم لا؟ و ما فوائده و ما مضارّه؟ فتقوم بحساب ذلك و تنظر في فوائده. فإذا رأيتَ أنّ فوائده كثيرة و لا مضارّ له، فإنّ قوّتك العاقلة تقول لك: «نعم، هذا عملٌ حسن»، و هذا هو الخطوة الأولى.

الشوق: بعد إدراك المنافع يحصل الميل و الرغبة. فبعد فحص الفوائد تأتي مرحلة الشوق، فتقول: «هذا عملٌ حسن و له منافع»، فينشأ فيك الشوق، و هذه هي المرحلة الثانية.

دراسة الموانع: فإن لم توجد موانع، تقوّى الشوق. ثمّ يبحث الإنسان عن المزاحم و الموانع: هل توجد موانع أم لا؟ فإن رأى أنّ هناك موانع زال شوقه، وإن رأى أنّه لا توجد موانع- بعد أن تبيّن له وجود الفوائد و حصول الشوق و إجراء الحساب و عدم وجود أيّ مزاحم أو مانع- بلغ شوقه حدّ الكمال، أي ازداد و قوي.

العزم: و هو القرار الجازم على القيام بالفعل. فبعد أن يشتدّ الشوق يصل إلى مرحلة العزم، أي يتّخذ قراراً حاسماً على إنجاز هذا العمل (فيقول: هذا عملٌ حسن، له فوائد، و لا موانع فيه، إذن سأقوم به).

القصد و الإرادة: بعد العزم يقول: «إذن أُريد و أقصد». فينهض يوماً ما، و يلبس ثيابه، و يُعمل إرادته على القيام بهذا العمل.

تحريك العضلات: و هو يأتي بعد العزم و بعد الإرادة؛ أي إنّ القوّة العاقلة أوّلًا تدرك الفوائد، ثمّ يحصل الشوق، ثمّ تُفحَص الموانع، ثمّ يكتمل الشوق، ثمّ يتحقّق العزم، و بعد العزم القصدُ و الإرادة، ثمّ تحريك العضلات. فينهض و يقوم بالعمل، كأن يذهب إلى السوق و يشرع في الشراء.

هذه هي درجات النفس؛ أي إنّك تسلك هذا المسار دائماً في كلّ عملٍ تريد الإقدام عليه. و هذا المسار في الإرادة التكوينيّة أمرٌ مسلّم. أمّا في الإرادة التشريعيّة، فكيف يكون الحال؟ (و الجواب عن هذا السؤال) سيأتي إن شاء الله تعالى في ما بعد.


[1] إرشاد العقول الى مباحث الأصول، سبحانی، ج‌1، ص484.
[2] إرشاد العقول الى مباحث الأصول، سبحانی، ج‌1، ص484.
[3] نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم، الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين، ج1، ص344.