بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/23

بسم الله الرحمن الرحیم

 

ملخّص الجلسة الماضية: قد جرت النقاش في الجلسات الماضية حول «الواجب المعلّق» (مثل الحج) و قلنا إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) لم یقبل الواجب المعلّق (تقدّم الوجوب على الوقت) بناءً على حُجّتين: ١. عدم وجود معيار للتمييز: جميع شروط الموضوع في الأحكام الشرعية (البلوغ، العقل، الاستطاعة، الوقت) متساوية. إذا كان الوجوب متأخّراً عن البلوغ و الاستطاعة، فلا بدّ أن يكون متأخّراً عن الوقت أيضاً. التمييز بينهما اعتباطي. ٢. إبطال تبرير المقدمات: الحاجة إلى إعداد المقدّمات ليست خاصّةً بالوقت. للبلوغ و الاستطاعة أيضاً نحتاج إلى مقدّمات (مثل تعلّم الأحكام أو الجهد الاقتصادي)، و لكن لا یوجد أحد يقول بتقدّم الوجوب عليها. لذا هذا التبرير ناقص. لذلك، يتحقّق الوجوب مع تحقّق جميع الشروط ( منها الوقت) و يكون تقدّمه على الوقت مستحيلاً.

الواجب المعلّق و الشرط المتأخّر في الاعتباريات

فيما يتعلّق بمناقشة أصول الفقه، استمعتم إلى مناقشات الكبار حول الواجب المعلّق. ما يبدو لنا هو أنّ مناقشة الواجب المعلّق و الاشكالات الواردة حوله، ليست في محلّها.

ردّ على كلام المحقّق النائيني[1] (رحمه الله) و أدلّة إثبات الواجب المعلّق

الدليل الأول

إنّ الأحكام الخمسة (الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، و الإباحة) جميعها اعتبارات من الشارع و ليست أموراً تكوينيّةً. الأمر الاعتباري يعني أمر يعتمد على اعتبار المعتبِر (الشارع المقدس). و المعتبِر إذا اعتبر شيئاً بطريقةٍما، يجب علينا أن نعمل بنفس الطريقة. كلّما صدر أمر، نقول: سمعاً و طاعةً. على سبيل المثال، في أداء العبادات، ننفذ تعليمات الشارع خطوةً بخطوة. (على سبيل المثال، يقال لنا أن نقول بسم الله أولاً، فنقول: نعم؛ ثم نقول الحمدلله، فنقول: نعم؛ ثم نقرأ سورة، فنقول: نعم؛ ثم نركع، نسجد سجدتين، و نقرأ التشهد و نسلّم، فنقول: نعم)..

بعض هذه الأجزاء مقدّمة و بعضها مؤخّرة و بعضها في النهاية. أو يقال للمرأة التي تعاني من الاستحاضة، أن تصوم و تؤدّي غسل الجنابة قبل ذلك و بعد ذلك، غسل الليل للمستحاضة. نحن ننفّذ كلّ تعليمات الشارع. في هذه الحالات، ما هي المحاليّة التي نراها؟ هذه الأمور أمور اعتباريّة و الشارع أمر بها، و نحن مطالبون بتنفيذها.

المحالية التي تُراد في مسألة الشرط المتأخر (إنّ الشرط يجب أن يكون دائماً قبل المشروط و الشرط المتأخر محال) خاصّة بالأمور التكوينيّة. أمّا في الاعتباريّات، كلّ ما يأمر به الشارع (على سبيل المثال، قل هذا أولاً و ذاك ثانياً)، نطيعه. المحاليّة المذكورة في نظريّة الشرط المتأخر هي محاليّة خاصّة بالتکوينيّات، أمّا في الاعتباريات، لا وجود للمحاليّة. نعم، إذا لم يسلّم سلام الصلاة، فالصلاة باطلة. هذا السلام يعتبر شرطاً متأخراً. الآن، إذا قيل لنا إنّه يجب أن تُصلّوا علی محمّد و آل محمّد بعد الصلاة، نقول: نعم، يجب أن نفعل ذلك بعد الصلاة. هذه الأمور لا محاليّة لها. و الواجب المعلّق كذلك. بعض الواجبات على نحو يكون وجوبها حاليّاً، و لكن الواجب (أي العملية التي يجب أن تؤدى) استقبالي. أولاً يأتي الوجوب، ثم تأتي مقدّماته، ثمّ يجب الواجب في وقته؛ هذا لا اشكال فيه.

الدليل الثاني: قدّم المحقّق النائيني (رحمه الله) توجيهاً لرفع محاليّة الشرط المتأخر. قال: المحاليّة تحل في قالب «تعقّب الواجب بالشرط»، بمعنى أن تعقّب الواجب بهذا الشرط لازم؛ و قال إن هذا التعقّب شرط مقارن. على سبيل المثال، في الصلاة، السلام شرط. قال: هذا شرط مقارن، يعني يجب أن يتمّ في أثناء الصلاة. و كذلك، مثال تعقّب الصوم بالغسل للمستحاضة الكبرى (تعقيب الصوم بالغسل للمستحاضة الكبرى)؛ هذا أيضاً تعقّب مقارن؛ أي أنّ الشرط مقارن للمشروط. هذا هو التوجيه الذي ذکره المحقّق النائيني (رحمه الله) و قال به صاحب الفصول أيضاً.

هذه توجيهات لبعض الأمور المستحيلة في التكوينيّات. و لكن عندما نأتي إلى الاعتباريات، نجد أنّه لا محاليّة. نعم، في التكوينيات دائماً يجب أن تكون العلّة قبل المعلول و الشرط جزء من أجزاء العلة و العلّة يجب أن تسبق المعلول. و لكن في الاعتباريات، كلّ ما يأمر به الشارع، نقول: سمعاً و طاعةً. كلّ ما يأمر به، ننفذ. هذا الأمر ليس علةً تكوينيّةً، بل تشريعية و اعتبارية و لا محاليّة فيه. لذا، في رأينا، هذه الاشكالات ليست صحيحةً.

الدليل الثالث:

نقطة أخرى في كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) هي هذه الجملة: «أَنَّ التَّقَيُّدَ أَمْرٌ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّق الْأَمْرِ». قد فرّق المحقّق النائيني (رحمه الله) بين «القيد» و «التقيّد». قال: القيد تحت اختيارنا، و لكن التقيّد ليس في اختيارنا.

التوضيح: الوضوء أمر اختياري؛ عندما توضأ شخص (هذا هو القيد)، الطهارة التي تحصّل من الوضوء تبقى مع الشخص من أوّل الصلاة إلى آخرها؛ هذه الحالة تسمّى التقيّد. يقول: التقيّد أمر غير اختياري، بينما القيد أمر اختياري. الأمر يتعلّق بالقيد، لا بالتقيّد؛ لأنّ الأمر يقع على الأمر الاختياري. الوضوء اختياري و لكن الطهارة الحاصلة منه غير اختيارية. [2]

النقد و الرد

الجواب هو أنّه كلّما أصبحت مقدّمة شيءٍما اختياريةً، يصبح الشيء نفسه اختيارياً. هل الطهارة الآن اختيارية أم لا؟ نعم، هي اختيارية. لماذا؟ لأنّ الوضوء اختياري. الوضوء هو السبب و الطهارة هي المسبب. المسبّب بطبيعته ليس في اختيارنا، و لكن بما أنّ العلّة تحت اختيارنا، فكذلك المسبّب يكون في اختيارنا. برأينا إنّ کلام المحقّق النائيني (رحمه الله) ليست صحيحاً و فيه إشکال.

الدليل الرابع: اعتراض آخر على كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) (وفي الواقع على تعريف الواجب المعلّق) هو أنّنا نتفق مع صاحب الفصول على وجود الواجب المعلّق. تعريف صاحب الفصول للواجب المعلّق هو أنّ الْوُجُوبُ حَالِيٌّ وَ الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالِيٌّ. و لكن الفرق بيننا و بين صاحب الفصول هو أنّنا نقول: «الْوُجُوبُ حَالِيٌّ ظَاهِراً وَ الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالِيٌّ». (أي أننا نضيف كلمة «ظاهراً» إلى الوجوب الحالي). لماذا الوجوب الحالي ظاهري؟ لأنّه إذا لم يكن الشخص على قيد الحياة في وقت أداء الواجب (مثل الحج) و مات، فلا يكون الحج واجباً عليه. و هذا الأمر يكشف عن أنّ الوجوب كان ظاهرياً و ليس واقعياً.


[1] فوائد الاُصول، الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين، ج1، ص186.
[2] إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، الحاج العاملي، الشيخ محمد حسين، ج1، ص485.