47/06/22
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوأمر/مقدّمه واجب/واجب مطلق و واجب مشروط/امکان واجب معلّق
ملخّص الجلسة الماضية: في الجلسة الماضية تمّ النقاش حول «الواجب المعلّق» (مثل الحجّ)، و قلنا إنّ القيود كانت على نظريّتين: النظرية الأولى (ثنائيّة): القيود إمّا أن يخلقها المكلّف (مثل الوضوء) أو لا (مثل الوقت). النظرية الثانية (ثلاثيّة): القيود ثلاثة أنواع: شرط وجوب (مثل الاستطاعة)، شرط تنفيذ اختياري (مثل الوضوء)، و شرط تنفيذ غير اختياري (مثل الوقت). الإشكال الرئيسي: في النظرية الثلاثية، لماذا يكون الوجوب على بعض الشروط غير الاختيارية (مثل الوقت) مقدّماً، و ليس مقدّماً على البعض الآخر (مثل الاستطاعة)؟
النتيجة: اختلاف هاتين النظريّتين أساسيّ و يرتبط بنظريّتين مختلفتين لتحليل مراحل التكليف.
الدلیل الثالث
يجري نقاشنا في أصول الفقه، حول موضوع «الواجب المعلّق» (التكليف المشروط أو المعلّق). في هذا السياق، ورد قول للمحقّق النائيني في مقام نقد رأي صاحب الفصول.
يبيّن صاحب الفصول (رحمه الله) نظرية «الوجوب حاليّ و الواجب استقباليّ» و يضرب مثال الاستطاعة (القدرة المالية و الجسدية) و يقول: عند تحقّق الاستطاعة، يأتي وجوب الحج فوراً، أمّا الواجب نفسه (أداء الحج) فيتعلّق بشهر ذي الحجة، الذي قد يكون بعد ثلاثة أشهر.
نقد المحقّق النائيني: مقارنة شروط التكليف (الوقت، البلوغ، العقل)
قد ذکر المحقّق النائيني (رحمه الله) التفريق بين القضية الخارجيّة و القضية الحقيقيّة و قال:
«امّا امتناعه في القضايا الحقيقيّة، فلأنّ معنى كون القضيّة حقيقيّة، هو أخذ العنوان الملحوظ مرآة لمصاديقه المفروض وجودها موضوعا للحكم، فيكون كلّ حكم مشروطا بوجود الموضوع بما له من القيود، من غير فرق بين ان يكون الحكم من الموقّتات أو غيرها، غايته انّ في الموقّتات يكون للموضوع قيد آخر سوى القيود المعتبرة في موضوعات سائر الأحكام: من العقل و البلوغ و القدرة و غير ذلك، و هذه القضيّة إنشائها انّما يكون أزليّا و فعليتها انّما تكون بوجود الموضوع خارجا. و حينئذ ينبغي ان يسأل ممّن قال بالواجب المعلّق، انّه أيّ خصوصيّة بالنّسبة إلى الوقت حيث قلت بتقدّم الوجوب عليه، و لم تقل بذلك في سائر القيود؟ فكيف لم تقل بفعليّة الوجوب قبل وجود سائر القيود من البلوغ و الاستطاعة، و قلت بها قبل وجود الوقت مع اشتراك الكلّ في أخذه قيدا للموضوع؟ … ما الفرق بين الاستطاعة في الحجّ و الوقت في الصّوم، حيث كان وجوب الحجّ مشروطا بالاستطاعة بحيث لا وجوب قبلها، و كان وجوب الصّوم غير مشروط بالفجر بحيث يتقدّم الوجوب عليه فان كان ملاك اشتراط وجوب الحجّ بالاستطاعة لمكان قيديّة الاستطاعة للموضوع و أخذها مفروضة الوجود، فلا يمكن ان يتقدّم الوجوب عليها و إلّا يلزم الخلف، فالوقت أيضا كذلك بالنّسبة إلى الصّوم فانّه قد أخذ قيدا للموضوع، بل الأمر في الوقت أوضح، لأنّه لا يمكن إلّا أخذه مفروض الوجود، لأنّه امر غير اختياريّ ينشأ من حركة الفلك و لا يمكن إلّا أخذه مفروض الوجود، لأنّه امر غير اختياريّ ينشأ من حركة الفلك و لا يمكن ان تتعلّق به إرادة الفاعل من وجوه، و قد عرفت انّ كلّ قيد غير اختياريّ لا بدّ ان يؤخذ مفروض الوجود و يقع فوق دائرة الطّلب، و يكون التّكليف بالنّسبة إليه مشروطا لا محالة و إلّا يلزم تكليف العاج و هذا بخلاف الاستطاعة، فانّها من الأمور الاختياريّة الّتي يمكن تحصيلها. و بالجملة: التّكليف في القضايا الحقيقيّة لا بدّ ان يكون مشروطا بالنّسبة إلى جميع القيود المعتبرة في الموضوع، من غير فرق في ذلك بين الزّمان و غيره، مضافا إلى ما في الزّمان و أمثاله من الأمور الغير الاختياريّة، من انّه لا بدّ من أخذه مفروض الوجود، و إلّا يلزم تكليف العاج و ح كيف يمكن القول بأنّ التّكليف بالنّسبة إلى سائر قيود الموضوع يكون مشروطا؟ و بالنّسبة إلى خصوصيّة الوقت و الزّمان يكون مط؟ فانّه مضافا إلى امتناع ان يكون مط بالنّسبة إليه، يسأل عن الخصوصيّة الّتي امتاز الوقت بها عن سائر القيود، فانّه ان كان لمكان تقدّم الإنشاء عليه فالإنشاء متقدّم على جميع القيود، لأنّه أزليّ، و ان كان لمكان عدم دخله في مصلحة الوجوب و انّما يكون له دخل في مصلحة الواجب، فهذا ممّا لا دخل له بالمقام بعد ما فرض انّه أخذ قيدا للموضوع و قال: يجب الصّوم عند طلوع الفجر، و قد عرفت: انّ قيديّة شيء للموضوع انّما يكون باعتبار أخذه مفروض الوجود، كما هو الشّأن في القضايا الحقيقيّة، و بعد أخذه مفروض الوجود لا يعقل ان يتقدّم التّكليف عليه، لأنّ معنى تقدّم التّكليف عليه هو ان يكون التّكليف بالنّسبة إليه مط، كما هو الشّأن في سائر القيود الّتي يتقدّم التّكليف عليها، كالطّهارة، و السّاتر، و غير ذلك. و هذا كما ترى يستلزم محالا في محال، لأنّه يلزم أوّلا لزوم تحصيله، كما هو الشّأن في جميع القيود الّتي تقع تحت دائرة الطّلب، كالطّهارة و السّتر، و المفروض انّه لا يمكن تحصيله، لأنّه غير اختياريّ للمكلّف، و يلزم أيضا تحصيل الحاصل لاستلزامه تحصيل ما هو مفروض الوجود.
و بالجملة: دعوى إمكان الواجب المعلّق في القضايا الشّرعيّة الّتي تكون على نهج القضايا الحقيقيّة في غاية السّقوط و الفساد، بحيث لا ينبغي ان يتوهّم.»[1]
قد أورد المحقّق النائيني (رحمه الله) إشكالاً يريد من خلاله معرفة الفرق بين الأمثلة الثلاثة (البلوغ، الاستطاعة و الوقت) في تحديد زمان الوجوب.
دراسة القضية الحقيقيّة
يقول: بالنسبة إلی البلوغ (بلوغ التكليف) و العقل (امتلاك القدرة على الإدراك)، الجميع يقرّ أنّه قبل تحقّقهما لا وجود للوجوب. فإذا لم يكن الشخص عاقلاً أو بالغاً، فلا تكليف عليه. و كذلك الأمر بالنسبة للوقت: عندما يُحدّد وقت لأداء تكليف، لا معنى لأن نقول إنّ الوجوب موجود قبل هذا الوقت، فالوجوب يكون حين تحقّق الوقت.
و يؤكّد المحقّق النائيني (رحمه الله): كيف تقبلون في البلوغ و العقل أنّه قبل تحقّقهما لا تكليف، و لكن عندما يأتِي الوقت تقولون إنّ الوجوب جاء قبل الوقت، و أنّ الوقت هو زمان الواجب لا زمان الوجوب؟
اختياريّة الشروط و عدمها
قد أشار المحقّق النائيني (رحمه الله) لتوضيح عدم الفرق بين الوقت و البلوغ و العقل إلى اختياريّة أو عدم اختياريّة الشروط:
الوقت و البلوغ و العقل: أمور «غير اختيارية»، فالوقت ليس بيد الإنسان و البلوغ و العقل خارجان عن إرادة المكلّف.
الاستطاعة: أمر اختياري إلى حدٍّ ما؛ إذ يمكن للشخص أن يسعى و يكسب النقود ليصبح مستطيعاً، و إذا صرف أمواله لأغراض أخرى لا يصبح مستطيعاً، و إذا جمعها يصبح مستطيعاً.
مع ذلك، قال المحقّق النائيني (رحمه الله): لماذا يميّز صاحب الفصول بين هذه الأمور و يقول عن الوقت «الوجوب حاليّ و الواجب استقباليّ»، مع أنّه إذا تحدّد وقت للحج (و هو ذو الحجة) يجب أن يأتي الوجوب في نفس الوقت؟
ثمّ أشار المحقّق النائيني تکملةً لنقده، إلی مسألة وجوب المقدّمات: إن قبلنا أنّ وجوب الحج يسبق الوقت لتوفير المكلف للمقدّمات، لماذا لا يطبق هذا في حالة البلوغ؟ و إن قيل إنّ البلوغ ليس له مقدّمات، فالجواب أنّ هذا غير صحيح، فالطفل المميّز قبل البلوغ يجب أن يوفر المقدّمات، مثل تعلّم الأحكام و قراءة الصلاة، أو تعلّم أحكام الصيام للشهر الأول بعد البلوغ. فإذن، لماذا لا يُقال في البلوغ أيضاً «الوجوب حاليّ و الواجب استقباليّ»؟
يؤكّد المحقّق النائيني (رحمه الله) أنّه في القضيّة الحقيقيّة (الحكم الكلّي الدائم) لا فرق بين البلوغ و الاستطاعة و الوقت، ففي جميع هذه الموارد لا بدّ أن يثبت الوجوب بعد تحقّق الشرط. و أمّا ما يقوله صاحب الفصول مِن أنّ الوجوب قد جاء قبل الوقت، و أنّ الوقت إنّما هو زمان الواجب لا الوجوب، فهو قولٌ محلّ تساؤلٍ جادّ.
بحث القضيّة الخارجيّة
و يعمّم المحقّق النائيني نقده إلى «القضيّة الخارجيّة» (أي التكليف الخاصّ المعيّن الخارجي) أيضاً. و يذكر مثالاً: لو ورد الخطاب «صَلِّ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ». فيقول: لا وظيفة قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر ثبت الوجوب و وقع الواجب أيضاً. فإذا جاء قيدٌ كطلوع الفجر فلا بدّ أن يكون الوجوب في نفس زمان ذلك القيد.
في مقابل ذلك، يدّعي صاحب الفصول أنّه بمجرّد صدور الخطاب يثبت الوجوب، و على المكلّف تهيئة المقدّمات. غير أنّ المحقّق النائيني يرى أنّه مع ورود القيد الزماني لا يمكن القول بثبوت الوجوب قبله.
و يُبدي المرحوم صاحب الفصول (قدّس سرّه) هذا الرأي، و هو أنّ الوجوب يتحقّق من حين صدور الخطاب الشرعي، و أنّ على المكلّف إعداد مقدّماته. لكنّ المرحوم المحقّق النائيني (قدّس سرّه) أفاد أنّه متى تحقّق القيد (الشرط) ثبت في ذلك الوقت بعينه كلٌّ من الوجوب و الواجب. و هنا يُطرح السؤال: ما هو التكليف؟ إذ لا يمكن في الأصل القول بوجود الوجوب قبل ذلك، أي قبل تحقّق القيد. أمّا إذا كان الكلام في مقدّمات المقدّمة، فنعم، فإنّه يوجب الإتيان بها. فهل كلام صاحب الفصول صحيح؟ نحن أيضاً نوافقه في ذلك، غير أنّ المرحوم النائيني يرى أنّه لا دليل على تقدّم الوجوب على الواجب. و من هنا نقول: إنّ وجوب المقدّمة وجوبٌ عقلي، فمقدّمات الواجب لها وجوبٌ عقلي.