47/08/20
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المكاسب المحرمة/ التكسّب بالواجبات/ أخذ الأجرة علی الأذان
ملخص الجلسة السابقة:
كان نقاشنا في الفقه حول موضوع «حرمة أخذ الأجرة على الأذان و الصلاة».
لا بد من التنبيه إلى أنّ المقصود بـ«الأجرة» هنا هو «تحديد مبلغ مالي»؛ بمعنى أن يحدّد الشخص مبلغاً معيناً و يقول: مقابل هذا المبلغ أؤذن أو أقيم لصلاة الجماعة. لذلك، قد لوحظ في مفهوم «الأجرة» موضوع «الاشتراط» و «تحديد المبلغ». و هذا يختلف جوهريّاً عن أخذ «هدية» أو مبالغ تُدفع من «بيت المال». فالأجرة التي نوقشت في كلام العلماء لها صفتان: «تحديد مبلغ» و «اشتراط الدفع مقابل العمل». مثلاً، إذا أعطي مبلغ للخطيب أو لقارئ المراثي بعد الانتهاء دون اتفاق مسبق، فهذا لا يدخل في نطاق النقاش.
رأي المشهور و تبدل رأي الأستاذ من الكراهة إلى التحريم
كنت شخصيّاً مائلاً في البداية إلى كراهة أخذ الأجرة، لكن بعد مزيد من الدراسة وجدت أنّ مشهور الفقهاء من صدر الإسلام حتى الآن، منهم الشيخ الطوسي و الشيخ المفيد و ابن مغني، كانوا جميعاً يرون حرمة الأجر على الأذان و الصلاة. استنتاج هؤلاء العلماء من الروايات هو حكم التحريم.
النقطة الهامّة هو أنّ فقهاء كباراً مثل آيات الله الخوئي و التبريزي (رحمهما الله) و السبحاني (حفظه الله)، الذين كانوا يجيزون أخذ الأجرة على الواجبات الأخرى (حتى العبادات التعبدية و العينيّة)، قد أشکلوا على أخذ الأجرة في الأذان و الصلاة. فهم يستنبطون من الروايات أن هذين الفعلين يجب أن يؤدّيا مجّاناً.
لذلك، مع أنني كنت معتقداً بالكراهةَ مسبقاً بناءً على جمع الأدلة، إلا أنّني الآن أعتقد أنّ القول بالتحريم أقوى بكثير، و أنّ للأذان و الصلاة خصوصيّةً شرعيّةً تمنع تحديد مبلغ لهما.
تحدّي «قصد القربة» في الأعمال العلنية ذات الأجرة
من أسباب هذا الحكم (حرمة أخذ الأجرة علی الأذان و الإقامة) صعوبة تحقُّق «قصد القربة» في هذه الحالة. الأمر يختلف عن «الصلاة المستأجرة» التي تُؤدى في مكان خاص، إذ يمكن تصور صدق النية فيها. أما من يؤذّن في المأذنة أمام الناس و يريد أجراً محدّداً، ففي أن يكون قصده خالصاً للعبادة صعوبةً كبيرةً. و لا نعني استحالة هذا الأمر، لكن أداء العمل العلني لأجل المال ثمّ ادعاء قصد القربة أمر صعب.
حتى في صلاة الجماعة، عندما يكون المال طرفاً في الأمر، قد ينشغل ذهنُ إمامِ الجماعة بالمبلغ و باستمرار الدعوة إلى المجالس اللاحقة، ممّا يتعارض مع إخلاص النية في قراءة الحمد و السورة.
توفير الأجر من بيت المال و الأجر علی مقدّمات العمل
في الجواب عن هذا السؤال مِن أنّه إذا كان الرجل ذا صوتٍ حسن و يخصّص وقته للأذان، فكيف تُؤمَّن معيشته؟ يُقال إنّ من واجب بيت المال أن يتكفّل بهذه النفقات لمصالح المسلمين. كما أنّ أخذ المال مقابل مقدّمات العمل، كالأجرة للذهاب و الإياب أو ثمن الطائرة أو السيارة فلا إشكال فيه شرعاً. أمّا ما یُشکل فيه فهو اشتراط المال على «أصل بيان الأحكام» أو «أصل الأذان» بل الذين يقولون بالكراهة يرون أنّه إذا أخذ المؤذّن أجراً على الأذان، فإنّ الاستحباب الشرعي المطلوب لا يترتّب على عمله.
مكانة رجال الدين و الإجابة عن المسائل المبتلی بها
یقبح کثیراً و لا یلیق بمکانة رجال الدین أن یشترط الرجل الديني مقابلاً مالياً أمام الإجابة عن المسائل الشرعية التي يُبتلى بها الناس. فعلى سبيل المثال، إذا سألك شخص مسألةً ضروريةً حین المشي في الطريق مثلاً و رددتَ عليه الجواب مشروطًا بالأجر، فهذا فعلٌ ينافي مكانةَ رجال الدين و مقتضی العدل. نعم إنّكم قد بذلتم الجهد لاكتساب هذا العلم و الأجر حقٌّ لكم، إلّا أنّ أخذَ الأجرة في المسائل المبتلى بها عامّةُ الناس محلّ شبهة. و كذلك في شأن «الإفتاء» الذي يحتاج إلى تتبّعٍ و جهدٍ كبير، فإنّ أخذ المال عليه غير جائز، بل أقلّ ما يُقال إنّ الاحتياط اللّازم يقتضي تركَه.
توضيح مفهوم «الكسب» و التمييز بينه و بين «الهدية»
قد نُهي في الروايات عن جَعْل الأذان كَسْباً. و الكَسْب هو الأجر أو المبلغ المعيّن الذي يُشترَط، سواء صدر من أشخاص حقيقيّين أو من مؤسّسات و هيئات. أمّا استلام الهديّة التي تُعطى من غير عقدٍ سابق فلا إشكال فيه. بل إنّ بعضهم قد أشكل في جواز أخذ الأجر من بيت المال أيضاً، إلّا أنّ فتوى المشهور علی الجواز.
الحساسية الاجتماعية و سيرة المراجع
ازدادت الیومَ الحساسيّةُ الاجتماعية تجاه المسائل المالية المتعلقة برجال الدين بشكل كبير. يسعى أعداء الإسلام للبحث عن مبررات لإثارة الفتنة، و قد تُشكّل هذه التصرفات ذريعةً لهم.
أعلنت مؤخراً مكتبُ سماحةِ السیدِ السیستاني بشأن أئمّةِ الجماعة في الدوائرِ الحكومیّة في العراق، و أكّدت على حساسیّةِ هذا المنصب و ضرورةِ الحفاظ على هیبةِ إمامِ الجماعة و علی وجوب أن یكون الإمامُ قدوةً في الزهد عن الدنیا و المسائل المالیّة، لا أن یساوم على مقدارِ الأجرة.
ماهية نفع الأذان و دراسة الروايات الخاصة
هنا اعتراض يقول بأنّ نفع الأذان (إيقاظ الناس و تنبيههم) یعود إلی الآخرین لا إلی نفس المؤذن؛ و لكنّ الجواب هو أنّ المؤذّن بأدائه لهذا العمل المستحب ينال ثواب الله تعالى، و يعود ذلك بالنفع على الآخرين أيضاً.
المقصود بالأذان في هذه الروايات غالباً هو «أذان الإعلام» لإبلاغ الناس بوقت الصلاة، و ليس الأذان الذي يقولُه الفرد لنفسه عند الصلاة.
و في الختام نقول إنّ الروايات الواردة في هذا الباب تدلّ على «سلب العدالة» أیضاً ممّن يطالب بالمال مقابل الأذان و الصلاة.
قال المحقق الخوئي (رحمه الله):
«مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الأجرة على الواجبات و على المستحبات تعبديةً كانت أم توصليةً. و لكن مورد الكلام فيما إذا كان العمل المستأجر عليه حاوياً لشرائط الاستئجار مع قطع النظر عن كونه واجباً أو مستحباً و عن كونه تعبدياً أو توصلياً و عليه فلو منع الشارع عن أخذ الأجرة على عمل خاص و تعلق غرضه بكونه مجانياً فإنه خارج عن حريم البحث و لا يختصّ ذلك بالعبادات و لا بالواجبات و المستحبات و أنه ثبت في الشريعة المقدسة عن أهل بيت العصمة (علیهم السلام) حرمة أخذ الأجرة على الأذان و على الإمامة».[1]
یقول آية الله السبحاني (حفظه الله):
«أمّا حسب القاعدة فالحق صحته إذا لم يكن أخذ الأُجرة مانعاً عن انتفاع الغير، كما إذا أخذ للإعلام دون الاجتزاء به في الصلاة أو الاقتداء، فانّ أخذ الأجرة ينافي الإخلاص و يوجب البطلان و لا ينتفع به غيره. و الظاهر من الروايات أنّ المطلوب من الشارع وقوعه في الخارج مجاناً لا بالأُجرة و مبغوضية أخذ الأجرة عليه و هو آية الحرمة التكليفي».[2]
بعض الفقهاء رجّحوا احتمال كراهة أخذ الأجرة حیث قال:
«تحريم أخذ الأجرة على الأذان هو المشهور… و يحتمل الكراهة و لهذا قيل بكراهة الأجرة على تعليم القرآن مع وجودها فيه و يبعد كون أحدهما مكروهاً و الآخر حراماً و الأصل و جواز أخذ الأجرة في المندوبات يؤيّد عدم التّحريم».[3]