بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/19

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: المكاسبُ المحرَّمة / التكسّبُ بالواجبات / أخذُ الأجرة على الأذان

خلاصةُ الجلسةِ السابقة: كان نقاشنا الفقهي حول مسألة «حرمة أخذ الأجرة على الأذان». و هذه المسألة ينبغي أن تلاحظ باهتمامٍ خاص من قِبَلِكم، لأنّ شخصيّاتٍ علميةً كبيرةً كالمحقّق الخوئي و آية الله سبحاني و طائفةٍ من العلماء، مع أنّهم في مسائل أخری کالعبادات (و لو كانت واجباً عينياً تعبّدياً) يقولون بجواز الاستئجار و صحّة الإجارة، إلّا أنّهم في خصوص مسألة الأذان ذهبوا إلى القول بالحرمة.

فمثلاً ذكرنا سابقاً، على مبنانا و مبنى أولئك الأعلام، أنّه لو استأجر الأبُ ولدَه على أداء الصلاة في أوّل وقتها مقابل مبلغٍ معيّن، كانت الإجارة صحيحةً. و لكن هؤلاء الفقهاء أنفسهم، عندما يصلون إلى بحث الأذان، يقولون بحرمة أخذ الأجرة عليه. و لذلك ينبغي التدقيق لمعرفة ما هي الخصوصية في الأذان التي أوجبت هذا الحكم؟

استدلالهم أنّ الروايات تُفهَمُ منها أنّ الأذان في شريعتنا یجب أن يكون عملاً مجانياً، و لا ينبغي أخذ المال عليه. و ليس الكلام هنا عن منافاته لقصد القربة، بل في أنّ للأذان خصوصيةً تميّزه عن أمورٍ أخرى كالصلاة (التي يمكن الاستئجار لأدائها في وقتٍ معيّن) بحيث استُثني الأذان منها. ومن هنا يجب التتبّع في الروايات لمعرفة أنّه هل يُستفاد منها «الحرمة» أم لا؟

تحليلُ روايةِ تعاملِ أمير المؤمنين عليه السلام مع آخِذِ الأجرة

الرواية الثالثة:

«[1] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ[2] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَبِّهِ[3] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ[4] عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ[5] عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ[6] عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ (علیهم السلام) أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ‌ وَ اَللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ «وَ لَكِنِّي أُبْغِضُكَ لِلَّهِ‌» قَالَ وَ لِمَ قَالَ «لِأَنَّكَ تَبْغِي فِي اَلْأَذَانِ وَ تَأْخُذُ عَلَى تَعْلِيمِ اَلْقُرْآنِ‌ أَجْراً وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ يَقُولُ «مَنْ أَخَذَ عَلَى تَعْلِيمِ اَلْقُرْآنِ‌ أَجْراً كَانَ حَظَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ»[7] .

هذه الرواية ممّا تقدّم ذكرُه، و مضمونُها أنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: «يا أمير المؤمنين، و الله إنّي أحبُّك لله». فقال له الإمام: «ولكنّي أبغضُكَ لله». و هذه كلمةٌ ثقيلةٌ جدّاً، إذ كيف يخاطب المعصوم من يُظهر له المحبّة بمثل هذا الخطاب؟ فسأله الرجل: «ولِمَ؟ ماذا صنعتُ؟» فقال عليه السلام: «لأنّك تبغي في الأذان، وتأخذُ أجراً على تعليم القرآن».

تحليلُ عبارتي «تبغي في الأذان» و«أبغضك لله»

وردت في الرواية عبارة «تبغي في الأذان» و البغي في اللغة بمعنى الظلم و التعدّي، و لكنّ المعنى الدقيق المراد هنا غير واضح. فهل المقصود أنّه كان يأخذُ أجرةً على الأذان؟ أو أنّه كان يُنقص أو يزيد في فصول الأذان (ـكما قال بعضُ الأعلام)، كترك الشهادة بالولاية مثلاً؟

و يرى بعضهم أنّ قرينةَ ذكرِ «أخذ الأجرة على تعليم القرآن» تدلّ على أنّ المراد من «تبغي في الأذان» هو أخذُ المال لأجله أيضاً.

و السؤال المهم: هل يمكن أن يقول أمير المؤمنين عليه السلام «أبغضُكَ لله» في موردٍ لا يتجاوز حدّ الكراهة؟ هذا يحتاج إلى تحقيق: هل يدلّ غضبُ الإمام و إعلانه العداوة لله على أنّ الفعل «حرامٌ»؟ أم أنّ الإمام عليه السلام أراد إظهارَ شدّةِ الاستنكار على فعلٍ غير لائقٍ، و إن لم يكن محرّماً بنحوٍ قاطع؟

التعارضُ بين صدرِ الرواية و ذيلها في الدلالة على الحرمة أو الكراهة

في تتمّة الرواية استشهد أمير المؤمنين عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «من أخذ على تعليم القرآن أجراً فحظّه يوم القيامة ما أخذ».

و هنا يبدو نوعُ تعارضٍ في مقام الاستدلال:

     فالقائلون بالحرمة يستدلّون بعبارة «أبغضك لله»؛ إذ إنّ البغض في الله يناسب فعلَ محرّم.

     بينما القائلون بالكراهة يتمسّكون بذيـل الرواية، إذ إنّ معنى «حظّه يوم القيامة ما أخذ» أقرب إلى «سلب الثواب» لا إلى «الإثم و الحرمة» فالأمر موكولٌ إلى اجتهادكم في ترجيح أحد الجانبين.

تحقيقٌ في سند الرواية و رأي النجاشي و العلامة الحلّي

وقع الخلافُ أيضاً في تقييم سند هذه الرواية؛ فبعضُ العلماء كالنجاشي عدّها معتبرةً، لوجود «محمد بن الحسن الصفّار» في سلسلة رواتها. بينما ذهب آخرون إلى تضعيفها لوجود راويين مجهولين فيها. و مع ذلك، يرى العلّامة الحلّي أنّه و إن لم يكن سندُ الرواية تامّاً، إلّا أنّ «عملَ المشهور» بها يجبرُ ضعفَ السند. قال رحمه الله: «إنّه و ان كان مرسلاً لكنّ الشيخ أبا جعفر بن بابويه من أكابر علمائنا و هو مشهور بالصدق و الثقة و الفقه و الظاهر من حاله أنّه لا يرسل إلّا مع غلبة ظنّه بصحة الرواية، فحصل الظنّ بهذه الرواية فتعيّن العمل بها، خصوصاً و قد اعتضدت بفتوى الأصحاب إلّا من شذّ»[8] .

و عليه فلا ينبغي الإكثارُ من التشديد في ضعفِ رواةٍ كـ «الحسين بن علوان» أو «عمرو بن خالد»، ما دامت الرواية مقبولاً عند الأصحاب.

تحليلُ كونِ الحكم ناشئاً من مجموع الفعلين

يَرِدُ أيضاً سؤال: هل كان غضبُ الإمام عليه السلام بسبب مجموع الفعلين معاً (أخذ الأجرة على الأذان و على تعليم القرآن)؟ أم أنّ كلَّ واحدٍ منهما مبغوضٌ على انفراده؟

ظاهرُ الحديث يُشعر بأنّ اجتماعَ هذين العملين هو الذي أدّى إلى هذه الدرجة من المقت و المبغوضية.

شمولُ الحكم بالنسبة إلى بيت المال

تقول الرواية: «لا تأخذ أجراً»، من غير تقييدٍ بآخذٍ معيّن. فهل يشمل ذلك أخذَ الرزق من بيت المال أيضاً؟

الظاهر من الرواية يشمل الجميع، حتى بيت المال، و لكن لم يقل أحدٌ من الفقهاء بهذا. فالفقهاء متّفقون على أنّه لا إشکال في الارتزاق من بيت المال للمؤذّن أو معلّم القرآن لتأمين معاشه و أنّ المذموم هو الاشتراط و العقد و المطالبة من الناس.

قالوا: «إنّ مقتضى الحديث تحريمُ الكسب مطلقاً، لكن خرجَ عنه الرزقُ من بيت المال بالإجماع، فبقي الباقي على إطلاقه».[9]

الاستمرارُ على المكروهات

هل ورد في الروايات تعبير «أبغضك لله» في المكروهات أيضاً؟ يقول صاحب الحدائق و هو ممّن تتبّع الأخبار بدقّة: إنّ الاستمرارَ على المكروه و بناء المعاش على أمرٍ مكروه، قد يُعرّض الإنسانَ للبغض الإلهي. قال: «إنّ الخبر المذكور مع الإغماض عن المناقشة في سنده لا ظهور له في التحريم، فإنهم كثيراً ما يزجرون عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيّز المحرمات و يحثّون على المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات و هذا ظاهر لمن تتبع موارد الأحكام الواردة في أخبارهم».[10]

و على هذا المبنى، يسقط صدرُ الرواية عن الدلالة على «الحرمة»، و يميل إلى «الكراهة». و مثلُه يُرى في باب الطلاق؛ فهو حلال و لكنّه «أبغضُ الحلال إلى الله».

الأذان و الصلاة بأجرة من علامات لآخر الزمان

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى[11] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ [12] عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ[13] عَنْ أَبِيهِ [14] عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ[15] جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ[16] عَنْ حُمْرَانَ[17] قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه‌السلام) وَ ذُكِرَ هَؤُلَاءِ عِنْدَهُ وَ سُوءُ حَالِ الشِّيعَةِ عِنْدَهُمْ فَقَالَ… أَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنِ انْتَظَرَ أَمْرَنَا وَ صَبَرَ عَلَى مَا يَرَى مِنَ الْأَذَى وَ الْخَوْفِ هُوَ غَداً فِي زُمْرَتِنَا فَإِذَا رَأَيْتَ الْحَقَّ قَدْ مَاتَ وَ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَ رَأَيْتَ الْجَوْرَ قَدْ شَمِلَ الْبِلَادَ… وَ رَأَيْتَ الْأَذَانَ بِالْأَجْرِ وَ الصَّلَاةَ بِالْأَجْر… فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ وَ اطْلُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ النَّجَاةَ[18] … .

قد وصف الإمام الصادق (عليه السلام) أوضاع الشيعة و علامات آخر الزمان، حيث يقول (عليه السلام) إنّ الحق یموت و الظلم يعمّ البلاد، و من العلامات انتشار «الأذان و الصلاة مقابل أخذ الأجرة». و ينصح الإمام في هذه الأحوال بالاحتراز و اللجوء إلى الله. تدلّ هذه الرواية على «حرمة» هذا العمل، لأنّه لو كان مكروهاً فقط، لما ذُكر علامةً لفساد الزمان و تحذيراً للابتعاد عنه.

سند هذه الرواية صحيح و دلالتها قوية، لکن بعض الفقهاء استنبطوا من الجمع بين الروايات حملها على الكراهة.

سلب العدالة عن آخذ الأجرة و النتيجة النهائية

في رواية أخرى جاء بصراحة: «لا تصلِ خلف من يبتغي على الأذان و الصلاة الأجر و لا تقبل شهادته».

«[19] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) قَال:لَا تُصَلِّ خَلْفَ مَنْ يَبْتَغِي عَلَى الْأَذَانِ وَ الصَّلَاةِ الْأَجْرَ وَ لَا تَقْبَلْ شَهَادَتَه».[20]

و سلب الاعتبار للشهادة يعني خروج الشخص من دائرة العدالة و ارتكاب المعصية (الفسق).

و على هذا الأساس، قال كبار العلماء مثل المحقق الخوئي و آية الله سبحاني بحرمة ذلك. فهم يعتبرون أنّه رغم جواز أخذ الأجرة على الواجبات في حالات أخرى، إلا أنّ هذه الروايات واضحة في حرمة أخذ الأجرة على الأذان و الصلاة، و أنها يجب أن تؤدى مجاناً. نعم إنّ أخذ المال بعنوان الهدية لا بأس به، أما «المطالبة» و الاشتراط على الأذان و الصلاة بالأجر فهو سبب لسقوط العدالة.


[1] أخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد: (إمامي غیر ممدوح)؛ عن محمد بن الحسن بن الوليد: محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد: (إمامي ثقة)؛ عن.
[2] إمامي ثقة.
[3] المنبّه بن عبدالله أبوالجوزاء: إمامي ثقة.
[4] الكلبي: عامي ضعيف.
[5] الواسطي: غير إمامي ضعيف.
[6] الشهید: إمامي ثقة.
[7] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص376.
[8] مختلف الشيعة في أحكام الشريعة‌، العلامة الحلي، ج2، ص135.
[9] مختلف الشيعة في أحكام الشريعة‌، العلامة الحلي، ج2، ص135.
[10] الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، البحراني، الشيخ يوسف، ج18، ص214.
[11] العطّار: إمامي ثقة.
[12] ابن عیسی الأشعري: إمامي ثقة.
[13] القمي: إمامي ثقة.
[14] إبراهیم بن هاشم القمّي: إمامي و ثقة علی التحقيق.
[15] إمامي ثقة و من أصحاب الإجماع.
[16] الثمالي: إمامي ثقة.
[17] إبن أعین شیباني: إمامي ثقة.
[18] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج8، ص36.
[19] الشیخ ابوعبدالله محمّد بن محمّد بن نعمان: (إمامي ثقة)؛ عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولویه: (إمامي ثقة)؛ عن مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ: الكلیني: (إمامي ثقة)؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى (إمامي ثقة)؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى (ابن عیسی الهمداني: غیر إمامي ضعیف)؛ عن أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ابن فضّال: فطحي ثقة) عَنْ أَبِيهِ (الحسن بن عليّ بن فضّال التیمي: فطحي ثقة و علی قول من أصحاب الإجماع)؛ عن عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ (إبن خالد:إمامي ثقة)؛ عن مُوسَى بْنِ أُكَيْلٍ النُّمَيْرِيِّ: (إمامي ثقة)؛ عن الْعَلَاءِ بْنِ سَيَابَة: (إمامي و ثقة علی التحقيق).
[20] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص243.